
تشخص أنظار العالم أجمع على تطورات الشرق الأوروبي، مع ما يحمل صخب المدافع الروسية من ارتجاجات حرَّكت تربة سياساتٍ كانت راكدة حتى وقت قريب.
وإن وجد حلفاء الخطوة الروسية مبررات لها، تبقى العمليات العسكرية الروسية على أوكرانيا مصنَّفة، بمعناها العسكري، غزواً، يرسم بالحديد والنار منعطفاً استراتيجياً حاداً، إذ ترفع دبابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين راية التحدي للنظام السائد دولياً.
وفي حين شكَّل الميدان الآمر الناهي في الحروب سابقاً، فإن حروب اليوم لا تخاض بالعسكر والمجنزرات فقط، إنما أحد أسلحتها الفتاكة، التواصل والتسويق الذي يتقنه الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي، ما مكَّنه من كسب تعاطف أمميّ وصل حدَّ روسيا نفسها.
وتُرجعنا التظاهرات القائمة في موسكو منذ الأيام الأولى للغزو الروسي، التي يقمعها “قيصر” روسيا، بالذاكرة، إلى الحركات المناهضة للحروب التي نشطت، خصوصاً إبّان الحرب الباردة. وأدَّت هذه الحركات، آنذاك، إلى تغييرات ملحوظة على المستوى الداخلي في دول عدة.
من جهة أخرى، برزت مع التطورات الأخيرة تعديلات محورية على الاستراتيجيات الدفاعية لدول عدة. وكان أكثرها رمزية نزع سويسرا ثوب حيادها لتتبنَّى العقوبات الأوروبية على روسيا، كدليل جازم على عمق التحول الذي أحدثه الهجوم الروسي على أوكرانيا.
بالتوازي، قبلت برلين، أمام وهج النار الأوكرانية، ما رفضته سابقاً. وأطلقت مساراً جديداً لسياستها الدفاعية، أكثر اندفاعاً، لتصبح لاعباً عسكرياً أساسياً وفاعلاً، من خلال رفع ميزانيتها الدفاعية ثلاثة أضعاف بإضافة 100 مليار يورو للجيش الألماني.
وليس تفصيلاً ما أعلنه المستشار الألماني أولاف شولتز صراحةً عن أنها بداية حقبة جديدة، مؤكداً عزمه الوصول لتخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على الميزانية العسكرية وفقاً لمتطلبات الناتو، وهي قضية أثارت زوبعة في العلاقات بين برلين وواشنطن في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. يضاف إلى ذلك إرسال ألمانيا السلاح لأوكرانيا، علماً أنها تمنَّعت، سابقاً، عن إرسال السلاح الألماني الصنع لمناطق النزاعات المسلحة.
دولياً، “فرمل” صمود الشعب الأوكراني انقسام “الشرق” و”الغرب” عند حدود كييف، إذ لم تلقَ آذان الكرملين صوتاً داعماً صينياً. في حين، تراجع نظام طهران، بدبلوماسية وبين السطور، عن الدعم الواضح للغزو الروسي، وذلك لحسابات التطورات الميدانية المترافقة مع الرياح الدولية الرادعة.
أما الدول، أو شبهها، التي تدعم روسيا بغزوها صراحةً، فالانطباع العام حول تصنيفها أنها “مستعمرات” تابعة لموسكو، مثل الشيشان وبيلاروسيا وسوريا، وهي غير ذي تأثير عسكري أو مالي أو سياسي.
من ناحية أخرى، يتناول بعض الرأي العام حول العالم موضوع تأثير العقوبات على روسيا بتهكُّم، كما وينتقد غياب التدخل العسكري للناتو. لكن في الواقع، إن المدماك الأساسي لاستمرارية القوى الدولية، هو الاقتصاد المستدام. والدليل على ذلك، وهونة انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وتفكُّكه السريع نسبياً، على الرغم من جبروته العسكري.
من هنا، يمكن اعتبار التعويل على تدخل عسكري غربي مباشر، جهلاً لخيوط العلاقات الدولية في القرن الحالي. فالرئيس الروسي نفسه يخشى المواجهة المباشرة ويلجأ للّعب على حافة الهاوية من دون تهوُّر، مدركاً حدود تمدُّده جيداً. أما الغرب، فيترك بوتين يغرق في وحول أوكرانيا، ويدعم المقاومة الأوكرانية لاستنزاف الجيش الروسي.
أما بالنسبة لتحريك قوات الرد التابعة للناتو، فهي ترسيم لحدود المواجهة مع بوتين من جهة، أي تحديد سقف توسُّعه، وحفظ ماء وجهه من جهة أخرى. فبالمعنى السياسي، خسر بوتين حربه، وجاء إعلان ذلك على لسان الدول الأوروبية التي أكدت استعدادها للانضمام إلى الناتو، ومنها كوسوفو التي طالبت سريعاً بالأمر، كما يناقش المشرِّعون في فنلندا المسألة.
في الخلاصة، يمكن الاستنتاج أن حسابات حقل بوتين أتت مغايرة لحسابات بيدر أوكرانيا. من هنا، يقفز إلى الواجهة بشكل بديهيّ سؤال منطقي: كما كان اجتياح أفغانستان بداية النهاية للاتحاد السوفياتي، هل يكون غزو أوكرانيا بداية النهاية للقيصر الروسي وطموحاته التوسعية؟
