#dfp #adsense

التنوّعُ أساسُ الوجودِ والمعبرُ الأوحدُ إلى الحياةِ والسّلام

حجم الخط

كتب الأب البروفسور جورج حبيقة في “المسيرة” – العدد 1726

لا بدّ من الإشارة، في بادئ الأمر، إلى أنّ التغيّرات التي تشهدها مجتمعاتُنا اليوم والتي تنتج من التغطية الإعلاميّة الواسعة والفورية والتطوّر التكنولوجيّ ليست بعرضيّة. فتصغير عالمنا وتكثيفه يُفضِيان بالضرورة إلى تفاعل الظواهر البشريّة كافّة، سواء أكانت دينيّة أو ثقافيّة أو حضاريّة، في حين أنّ منطق الاختباء والتحصّن في الجزر الثقافية الذي كان سائدا قديمًا، بدأ يتهاوى أمام تدفّق العولمة الجارف. في هذه التبدّلات الجذرية، يبقى العيش معا، أكثر منه الوجود، السؤال الأهمّ الذي سيشكّل لا محالة حجر عثرة للبشريّة.

في «القرية العالميّة» هذه، يبرز تفاقم الهويّات القاتلة كاستحقاق لا مفرّ منه. كيف هو السبيل الوجودي إلى أن أكون وأكون مع؟ كيف يمكن إدارةُ الموارد البشريّة في أشكالها المتنوّعة والمتنافرة ودفعُها إلى قَبول بعضها البعض كصلة وصل بين خبرات بشريّة فريدة وضروريّة من أجل مقاربة متشعبة للواقع المتعدّد الأبعاد؟ من دون الآخر، من دون «اللا أنا»، هل كان من الممكن أن أعي هويّتي الخاصّة؟ إذًا، أليس «اللا أنا» هذا هو نفسه ذاك الغريب الذي هو أساس غيريّتي في الكلّ غير المجزوء المتمثّل بالبشريّة جمعاء؟ عندما أسعى إلى توحيد شكل هذا الآخر المختلف، أي هذا الشخص المقابل غير المشابه لي، والذي يستوقفني على الدوام ويدفعني بشكل إيجابيّ إلى إعادة النظر في ما أعتبره حقائق خالدة، أو عندما أسعى إلى تهميش هذا الآخر أو القضاء عليه، أوليس ذلك تدميرًا ذاتيًّا بطيئًا وغير واعٍ، وبالتالي تعطيلا قاتلًا لملكات الذكاء البشريّ الإدراكيّة والاستكشافيّة؟

في الواقع، اكتسبَ تسليطُ الضوء هذا على هيكليّة الوجود النزاعيّة أهمّيّةً مفهوميّة في القرن التاسع عشر بفضل مصطلح الجدليّة عند هيغل (Hegel) الذي عمل على رصد المسارات الحميمة التي تتّخذها السلبيّة، وهي المحفّز الوحيد الذي يجدّد الكون، لكي يبلغ المطلقُ ملءَ السعادة. هكذا، يبرز العنف كحقل مميّز يتجلّى فيه مسارُ الوجود باتّجاه نقطة تطوير الذات المثلى. وينتهي هذا المدارُ الحلزوني الارتقائي إلى المصالحة بين السلبيّة والإيجابيّة في الكمال الذي يمثّل العاقبةَ الوجوديّة لمبدأ التناقض.

تشمل هذه النظرةُ إلى العالم، بشكل أو بآخر، الداروينيّة، ونظريّةَ سبنسر النشوئيّة، والبراغماتيّة، والتيّارات المختلفة التي تستند إلى الداروينيّة الاجتماعيّة، والخلود عند شوبنهاور في فلسفة الإرادة والحياة، حيث تُجمِع هذه العناصر كافّة باتّجاهاتها المختلفة على الإقرار بأنّ العنف يضطلع بدور رائد في عمليّات الكشف التدريجيّ عن الوجود. يُضاف إلى ذلك مختلفُ الإيديولوجيّات الفاشيّة التي تعتبر بدورها أنّ مفهوم المجال الحيويّ (lebensraum) وسموَّ الأجناس وارتباطَ الحقّ بالقوّة تكتسب أهمّيّة قصوى. هكذا، ترتكز مقاربةُ الحياة على خلفيّة من التمزّق والتصادم اللذين يُعتبَران عنصرَين أساسيَّين يسمحان للبشريّة باتّخاذ وضعيّة وجوديّة على نحو أكبر من التنقية الذاتية المضطردة والكمال التراكمي.

أمّا نحن، الداعين بشغف إلى السلام وإلى حوار الثقافات والحضارات، فلا يسعُنا تأييد هذا الدور المروّع الذي يُعطى للعنف كأداة لتجديد المجتمع. إنَّ أيَّ لجوء إلى العنف يشكّل فشلًا ذريعًا بالنسبة إلى البشريّة، ولا يمكن أن يكون الفشل منطلَقًا لنجاح محتمل. وعليه، فإنّ السعي إلى تطوّر سلميّ للأنظمة المجتمعيّة يشكلّ، إلى جانب الأبحاث الموضوعيّة واستكشاف مختلف الظروف الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، الوسيلة الوحيدة لتوسيع مساحات السعادة وتقليص مساحات البؤس.

في هذا السياق التحليلي، اعتُبر الانتقال من وضعيّة الإنسان التابع والخاضع لإملاءات المستبدّ والطاغية إلى وضعيّة المواطن، الذي هو الفاعل الرئيس في الحياة السياسيّة ومصدر السلطة، قفزة نوعيّة ونقطة تحوّل في مسيرة التحرّر الاجتماعيّ والسياسيّ الطويلة. ينسحب ذلك على الانتقال من المواطنة المجرّدة والمجوّفة والفاقدة للذاكرة التاريخية إلى المواطنة المتنوِّعة التي تحترم الخصوصيّات القابلة للتكامل. من شأن هذا الانتقال أن يُصنَّف ضمن فئة المراحل الكبرى التي يمرّ بها النضوج السياسيّ المستدام والطليعيّ.

يُستنتَج من كلّ ما تقدّم أنّ أيّ مشروع يقوم على الانصهار والدمج الهادم للخصوصيّات والفروقات التلقائية، إنما هو تدمير لعمل الطبيعة. يشدّد ألفرد سيمون (Alfred Simon)، في مقاله بعنوان «أقنعة العنف» (Les masques de la violence) الذي تناول فيه كتاب رينه جيرار (René Girard) بعنوان «العنف والمقدّس» (La violence et le sacré)، على هذا الخطر الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ. فقد جاء في مقال سيمون: «إنّه فقدان الفرق بين العنف غير الطاهر (أو المتبادل) والعنف المطهّر الذي يولّد أزمة عامة للاختلافات انطلاقًا من النظام الثقافيّ بمجمله، إذ إنّ هذا الأخير هو مجموعة منظّمة من الاختلافات التي يرتبط بها تناغم المجتمع وتوازنه. إن فهم هذا الأمر يقوم على اعتبار إلغاء الفروقات عملا عنفيا، وهذا الأمر يتعارض مع الفكر المعاصر الذي ينادي بمبدأ المساواة ويرى في الاختلاف عائقًا أمام التناغم بين البشر» (Esprit, 11, p. 520). تساهم هذه المواطنة المبنيّة على مبدأ الوحدة في الاختلاف في تعزيز الانتقال، بنسب متفاوتة من النجاح، من الهويّات القاتلة إلى الهويّات المتصالحة في إطار تآلف الأضداد الهشّ والقويّ في آن، وإن اتّسمت عمليّة الانتقال هذه بالصعوبة.

يندرج هذا الاستنتاج بالكامل في ما يسمّيه تشارلز تايلور (Charles Taylor) «سياسة التباين» (في مقال بعنوان «سياسة الاعتراف» «La politique de reconnaissance»، في «التعدّديّة الثقافيّة والاختلاف والديمقراطيّة» (Multiculturalisme, différence et démocratie, Aubier, 1994)، حيث يقول تايلور: «قبل أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن أحد يعتقد أنّ هذه الاختلافات بين البشر تكتسب دلالة معنويّة مماثلة. أنا كائن إنسانيّ على طريقتي الخاصّة. فأنا مدعوّ إلى أن أعيش حياتي وَفقًا لهذه الطريقة، وليس إلى أن أقلِّدَ حياةَ شخص آخر» (Ibid., p. 47). بناءً على ما تقدّم، يخلص تايلور إلى تسمية يعتبرها ملائمة، ألا وهي «مبدأ الفرادة». في هذا الإطار، تقول ماري غاي (Marie Gaille) في كتابها بعنوان «المواطن» (Le citoyen): «كلّ منّا فريد ولديه أمرٌ ما يقوله ولا يمكن لأيّ شخص آخر أن ينطق به. في مجتمع ديمقراطيّ، يجب أن تقرّ الحكومة بالمساواة بين الجميع، فتعطي كلّ شخص الحظوظ عينَها لتطوير الأنا الحقيقيّة الخاصّة به» (GF Flammarion 1998, p. 106).

انطلاقًا من ذلك، يبدو أنّ الضحيّة الأولى لهذه التحوّلات المجتمعيّة الكبيرة هي التجذّر وبالتالي صلابة الوعي للذات التاريخية. لكنّ هذه التحوّلات لا تتمدد إلى انتماءات الإنسان الأساسيّة، والتي هي بمثابة القواعد غير الإرادية الأولى لبناء الهويّة. أيّ منّا قد اختار أباه أو أمّه أو وطنه أو لغته أو ثقافته أو حتّى دينه؟ كان الألمان محقّين في تعريفهم الكائن الإنسانيّ بعبارة Dasein، أي الموجود هنا أو الكائن هنا. بالفعل، نفاجأ بوجودنا ضمن إحداثيّات زمانيّة ومكانيّة لم نخترها إطلاقًا. قد يقول قائلٌ إنّ هذا النوع من التجذّر اللاإراديّ أشبه بتعليب وجودي مسبق أو بقيدٍ يخنق حرّيّة الفرد، ولكن لا مفرّ من اعتباره الصيغة الوحيدة للحصول على نعمة الوجود. تطرح هذه المعادلةُ الوجوديّة، المحدّدةُ مسبقًا، ذاتَها كشرط أساسيّ. فالشخص البشريّ مدعوّ إلى تحقيق ذاته بحرّيّة انطلاقًا من معطيات وجوديّة مفروضة مسبقا. كما أنّ اللاّوعي يتكوّن لدى الكائن الإنسانيّ تدريجيًّا خلال السنوات الثلاث الأولى من حياته، كذلك الأمر بالنسبة إلى التجذّر الأساسيّ. يتطوّر اللاّوعي بطريقة مستقلّة عن الشخص وفي آليّات إدراكيّة غامضة، ليتحكم في مرحلة لاحقة في تصرّفاتنا الحرّة والواعية. كذلك، يمارسُ انتماؤنا الأساسيّ اللاإراديّ تأثيرا كبيرا على سلوكياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية فيما بعد.

كان «أندريه جيد» (André Gide) محقًّا في طرحه هذه المشكلة الكبرى المتمثّلة في اضطرابات الهويّة والناتجة من المجتمع المعاصر. لكن لا يسعنا أن ننكر أنّ كلّ هويّة وتجذّر يتّسمان بالديناميّة والتعدّديّة في آنٍ معًا. فــ»أندريه جيد» كان، على سبيل المثال، ينتمي إلى مدينة باريس وبلدة أوزيس (Uzès) ومقاطعة نورماندي (Normandie) في الوقت ذاته. أعتقد أنّ المكوّنات الثقافيّة الثلاثة هذه لا تتعارض مع بعضها البعض، بل تتكامل في إطار مألفة الأضداد. وحيثما كان يحلّ «أندريه جيد» في تشرده وترحاله اللذين اختارهما، كان يحمل معه في لاوعيه هذا الانتماء الثلاثيّ الأبعاد. سواء أردنا ذلك أم لا، نحن في النهاية حصيلةٌ وجوديّةٌ لماضٍ مؤسِّس، ولا يمكن بالتالي تصوّرُ أيِّ مستقبل خارج إطار هذا الماضي.

تجسيدًا لهذه الفكرة، ارتأيتُ إجراء مقارنة سريعة بين الكائن الإنسانيّ من جهة وجُزيء الماء (la molécule d’eau) من جهة أخرى. من البديهيّ أوّلًا أنّه لا يمكن العثور على أيّ شيء في حالته الصرف في عالمنا المحسوس هذا، وينسحب ذلك على الكائن الإنسانيّ. فالبشريّة، بجوهرها ووجودها، تتحقّق في ثقافة موجودة قبلًا تمامًا كجُزيء الماء المكوَّن أساسًا من ذَرّتين من الهيدروجين وذَرّةٍ واحدة من الأوكسجين. لا يمكن العثور على هذين العنصرين الكيميائيّين الأساسيّين في تكوين الماء بشكل معزول وصاف إلّا في المختبر. وإذا ما تجرّأنا على تذوّق الماء الصِرف في المختبر، لتقيّأناه من فمنا لغرابة مذاقه وللتهيج الذي يحدثه في الأمعاء. فالماءُ لا يصبح فعلًا صالحًا للشرب إلا بفضل المكوّنات الكيميائية التي يحملها معه من الأرض التي ينبع منها، نذكر منها على سبيل المثال الحديد والكالسيوم والمغنزيوم والكلوريدات والبوتاسيوم والبيكربونات وإلخ… يتعدّدُ مذاقُ الماء بتعدّد ينابيعه. هكذا، فالتنوّعُ الحيويّ هو نمط الوجود الوحيد في الطبيعة. ينطبق الأمر عينه على الإنسان. هل بالإمكان أن نعثر على إنسان صرف، من دون أي ثقافة أو لغة أو انتماء ديني، أو مجتمعي؟ كما تجعل المكوّنات الكيميائية الماء صالحاً للشرب، كذلك الثقافةُ الخاصة، معطوفةٌ على المعتقدات الدينية والتقاليد والمخزون الفكري ومنظومة القيم، تجعل الانسانَ «صالحا» للتلاقي وللعيش معا. من شأن تجذّره الأساسيّ أن يسمح له بالخروج من بوتقته الوجودية، بكلّ ما تحمله هذه العبارة من معنى، لينفتح ويتفاعل مع انتماءات الآخر الأساسيّة، أينما كان في «القرية العالميّة» هذه، التي نعيش فيها اليوم على وقع العولمة الحاليّة، على أن يكون انفتاحه وتفاعله مبنيَّين على الاحترام والاعتراف والتشارك.

يذكّرني هذا التشارك في الانتماءات الأساسيّة بالمقطع الشهير لهرقليطس الأفسسيّ (Héraclite d’Ephèse) والتي ارتكز هيغل (Hegel) عليه لتطوير مفهومه حول الجدليّة وقدرة السلبيّة على دفع مجرى التاريخ باتّجاه الإيجابيّة السعيدة، حيث يقول: «يتوافق الضدّ مع الضدّ؛ فالتناغم الأجمل هو تناغم الأضداد.»

وهنا، من الحكمة أن نتساءل حول سبب هذا الدفاع المستميت عن مبدأ التنوّع في تآلف الاختلاف. عندما ندافع عن التعدّديّة المتماسكة، ندافع في الوقت عينه عن الغنى الفكري والحرّيّة والحياة. فالخطر الأكبر يكمن، في ظلّ العولمة التي نعيش على إيقاعها اليوم، في المعايرة اللاّغية للفروقات والترداد الممل لمضامينها الأحادية. إن التنشئة العقليّة اليوم تتخذ شكل ثقافة اللون الواحد على الساحة الدوليّة وتدمّرُ من ثَمَّ زخمَ الحياة والابتكار والخيال. يلغي هذا التوحيد اللغويّ، وتاليًا الثقافيّ، الحرّيّة، إذ إنّ الحرّيّة في نهاية المطاف لا تُمارس إلّا في خيارات متعدّدة. وعليه، لا تؤدّي أحاديّةُ الثقافة إلّا إلى ضمور الفكر واختناقه تدريجيًّا.

إن المبدأ الفلسفيّ القائل «على الإنسان أن يكون ذاتَه لكي يكون مع الآخرين» إنما هو القاعدة الأساسية لجميع الاستراتيجيّات الهادفة إلى إنقاذ التنوّع الثقافيّ وبالتالي إلى تعزيز مواطنة تحمل في طيَّاتها المكوِّنات الزَّمانيّة والمكانيّة النشطة والخلاّقة. لا يخفى على أحد أنّ بناء الهويّة ليس بعمليّة بسيطة أو شفَّافة، بل هو نتيجة مسار في غاية التعقيد، تتداخل فيه مجموعة من العوامل الداخليّة والخارجيّة. وبناء على ما سبق، من الضروريّ أن نطوّر لدى شبابنا، الذي سيحمل ثقافتنا وذاكرتنا التاريخية، نُظُمَ استقبالٍ وانفتاحٍ وتفاعلٍ وتلاقح، محصّنةً ضدّ عمليّات المعايرة الثقافيّة الجافّة والقاتلة.

من جميع هذه المقدِّمات نخلص منطقيا إلى أنّ التنوّع هو النسيج الأساس للوجود والسبيل الأوحد نحو الحياة والسلام. وإلغاء التمايز إنما هو من أعمال العنف ويتعارض والمبادئ الناظمة للحياة في المجتمع. إذا ما نظرنا إلى الأجسام الحيّة، نجد أنّه ما من خليّة تشبه الأخرى وما من عضو يشبه الآخر، لكنّ جميعَها تتماسكُ في تكامل وظيفيّ. لكن في المقابل، إذا ما نظرنا إلى جثّة، ما يمكن أن يكون الفرق حينئذٍ بين مكوّناتها كافّة؟ بين الفم والأذن والعين؟ بين القلب والرئتين والكبد؟ لا فرق بينها، فالموتُ يمحو الفوارق ويصهَرُها في هدأة اللاّوجود. فإذا ليس من المغالاة القول بأن الحياة لا تسكنُ إلّا في التنوّع، وخارج التنوّع، موكبُ جِنازة الحياة.

وهنا، قد يكون من المفيد العودة إلى التاريخ اليونانيّ القديم حيث طوّر الشعب الإغريقي نظامين متناقضين تمامًا لإدارة مدنهم. كانت مدينة إسبرطة تسعى على الدوام إلى تماسك شعبها واندماجه في مجموعة واحدة، نابذةً بذلك مبدأَ التنوّعِ وموطّدةً بقسوة قاعدةَ وحدة الشكل، ممّا كان يدفعها إلى طرد أيّ غريب لئلّا يبقى في المدينة غيرُ سكّان إسبرطة الأصيلين. كما أقامت المدينةُ نظامًا عسكريًّا أولغارشيًّا يهابه الجميع. في المقابل، كانت أثينا تقدّم صورة مغايرة، إذ كانت تنعم بنظام ديمقراطيّ، يحضن بقناعة مكوّنات التنوّع والتعدّدية ويُخصبها، بفضل عبقريّة بريكليس. وكانت أبوابها مفتوحة لكلّ عشّاق المعرفة وكلّ الساعين إلى المطلق، في حين كانت مدارسُها متنوّعة وحرّة. انتهت الحرب البيلوبونيزيّة بانتصار إسبرطة العسكريّ وهزيمة أثينا. لكن من يتذكّر اليوم أمجاد إسبرطة العسكريّة وعنصريّتها العمياء وكبرياءها الفارغ الهادف إلى الحفاظ على صفاء جنسها ودمائها ووحدانيّة ديانتها؟ لقد أُودعَ إرثُ إسبرطة العقيم منسيات التاريخ، في حين أنّ هزيمة أثينا العسكريّة لم تحل دون استمراريتها كقطب أساسيّ على صعيد الثقافة والفلسفة وعلم اللاهوت والعلوم والآداب والمسرح والسياسة. إن مساهمةَ أثينا الثمينة في إغناء التراثات البشريّة جعلت منها، هي المسحوقة عسكريا، المنتصرةَ ثقافيا وإنسانيا. لا نغالي البتة إن قلنا هنا إن بيروت هي التي ورثت أثينا ورعت ببراعة التعدّدية الإتنية واللّغوية والدينية، بالرغم من هزائمها العسكرية المتتالية، وتربعت على المنصّة العالميّة للتنوّع وتناغم التناقضات.

إذا ما اطّلعنا على المنشورات العلميّة الحاليّة في مجال علم الوراثة، يعترينا الاضطراب والذهول أمام أسرار طبيعتنا البشريّة. في هذا الإطار، يعمد ألبير جاكار (Albert Jacquard) (2013)، وهو باحث بارز وكاتب مقالات وأخصّائيّ في علم وراثة السكّان، في كتابه «ما هي الوراثة؟ مدخل إلى علم الأحياء» (Qu’est-ce que l’hérédité ? Introduction à la biologie) إلى تفسير كيفيّة انطلاق آليّات نقل الموروثات الجينية. ويشير إلى أنّ الأهل يحاولون بشكل لاإراديّ أن ينقلوا إلى أولادهم خصائصهم الوراثيّة وذاكرتهم العائليّة بالكامل. لكنّ علم الوراثة، كما يقول جاكار، «يعلّمنا أنّ هذا ليس سوى وهمٍ واعتقادٍ خاطئ. فنحن ننقل لمن ننجبُهم نصفَ الخصائص الإحيائيّة التي حصلنا عليها عند الحبل بنا، من دون أن تزيدَ المغامرةُ التي عشناها على هذه الخصائص شيئًا أو تنتقص منها أيّ شيء. يبقى الطموحُ العاقل الوحيد أن نساهم في تكوين كائن جديد، مدهشٍ بقدر ما هو غيرُ متوقّع» (Qu’est-ce que l’hérédité ? pp. 31-32).

بناءً على المساهمات المختلفة للفلسفة وعلم الوراثة وعلى الرجاء الناجم من النظرة الإيجابية إلى مصير العالم، نعتقد أنّه يحقّ لنا التأكيد على أنّ إيديولوجيةَ العنف وعبثيّاتِ مخططات بسط النفوذ وإذلالَ الشعوب وترويضَهم وتصديرَ الثورات الدينية الضحِلة والمجوّفة وإخصابَ الظلاميّات والسلفيّات القاتلة ونبذَ الآخر المختلف وتهميشَه وإلغاءَه، لن تبقى مسائلَ مستعصيةَ العلاج إلى الأبد. في آخر الأمر، لا ريبَ في أنّ الكلمة، التي هي أسمى شيء في جوهر الانسان، سوف تتخطّى هزيمتها وسوف تستعيد بالكامل وظيفتها كأداة أساسيّة للتواصل بين البشر العقلاء الذين يجمعهم الشغفُ الواحد بالسعادة، لكي يسيروا معًا نحو مجتمع تعيش فيه البشريّة أخيرًا حضارة الوُدِّ والتحاب والتآخي والمحبّة والسلام، بعد مصالحتها مع ذاتها في تناغم الأضداد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل