
أين لبنان الكتاب والثقافة؟ أين دور النشر اللبنانية العربية والاجنبية؟ هذا معرض للثورة الايرانية ام للكتاب اللبناني؟ تسأل عندما تدخل معرض الكتاب الذي افتتح منذ أيام ومن غياب سنتين في صالة عرض مجمع بيال.
لا يهم قاسم سليماني الاجابة عن سؤال لبناني صرف، ومن هذا النوع تحديداً. فصورة القتيل التي تتوسط المعرض، كمن يتحدى بها بيروت وشهداء المرفأ وكل اللبنانيين الاحرار المناضلين لأجل هوية وطنهم وبيروتهم، تلك الصورة عن قتيل قتل المئات قبل ان يُقتل، وجعلته ميليشيا إيران في لبنان بطلاً أسطورياً، حوّلت معرض الكتاب إلى ساحة غضب ورفض واستهجان واعتراض غير مسبوق.
أكثر من ذلك بعد، افتتح المعرض أبوابه للكتاب اللبناني والعربي والأجنبي، ولم نجد منهم إلا قلة قليلة في ظل هيمنة طاحشة للكتب الايرانية المترجمة إلى العربية، وكلها تحكي عما يسمى بالثورة الايرانية، وما يسمى بولاية الفقيه، بينما توزع ممانعون على تلك الاجنحة يتربّصون بالقلة التي حضرت المعرض، بسبب تلك المظاهر الهجينة على الثقافة اللبنانية وعلى الكتاب وأهله ومبدعيه.
ولم يكتفِ هؤلاء بفرض صورة إيرانية محتلة المشهد اللبناني الوطني العريق، بل حاول ممانعجية الحزب الإيراني، الاعتراض والتعرّض لفرقة موسيقى مؤلفة من شباب وصبايا، كانوا بدأوا بإنشاد اغان وطنية لبنانية تراثية، فتقدّم بعضهم وحاول منعهم من اداء تلك الاغاني بحجة انها لا تناسب موقعهم العالي الجودة، ولمّا لم يفلحوا في منعهم، قطعوا الكهرباء عن المعرض، لتسود المكان عتمة جاهليتهم وارهابهم وبدائيتهم. وأكثر اكثر بعد، ولما اعترض شباب على ما يجري داخل المعرض هجم عليهم ممانعون آخرون، فبدأ هؤلاء الشباب الاحرار بالصراخ “بيروت حرة حرة”، وكلما تعالى صراخ الاحرار كلما زاد غضب المحتلين.
هل تقبل وزارة الثقافة بما يجري داخل جدران المعرض الذي تحول الى جزيرة احتلال فكرية، طردت الكتاب اللبناني لتنشر افكارها الثورية المفترضة، وبطولات حزب الله المفترضة في مواجهة العدو “الصهيوني” وما شابه، ولتنشر “فضائل” ولاية الفقيه تلك؟
وزارة الثقافة قالت تعليقاً على الاشكالات وعلى هيمنة الكتاب الإيراني على المشهد، بما معناه بأنه “صراع الأفكار”. لاء بدك تسمحلنا فيها سيد مرتضى هذا ليس صراعاً ثقافياً وتبادلاً ثقافياً في الأفكار والابداع، هذه هيمنة لفكر أحادي متخلف يحاول أن يجعل من لبنان بؤرة ظلام. يحاول أن يقتل كل صورة لبنان الثقافية والحضارية والابداعية، فاقتضى التصويب.
فهؤلاء يريدون قتل الرابطة القلمية بأسرها، جبران خليل جبران ومخايل نعيمة وايليا أبو ماضي وغيرهم وغيرهم من المبدعين اللبنانيين. هؤلاء يرفضون مارون عبود ابن الضيعة اللبنانية العريقة، وسلام الراسي قلم العادات والتراث، وعبقرية فؤاد افرام البستاني وأحاديث الشهور عن مدننا وقرانا، وكل ما يمت الى العبقرية الفكرية اللبنانية بصلة. ولو عاد مارون عبود ومخائيل نعيمة أو جبران خليل جبران من خلف جدار السطور، وشهدوا على ما يحصل في معرض الكتاب في بيال، لتمنوا لو لم يأتوا أساساً، أو ربما تمنّوا لو لم يساهموا بنشر الفكر اللبناني العالمي، لتتصدر في نهاية الازمان صورة قاتل مشهداً ثقافياً مماثلاً!!
اي عار بعد اقوى من ان تتصدر صورة قاتل معرضاً للكتاب في بيروت، بعدما جعلته ميليشيا إيران “ايقونة” تتربع على طول اوتوستراد المطار وعلى عيون العالم كله، ليفهم هذا العالم ان لبنان محمية ايرانية؟
صورة ما يجري في معرض الكتاب ليست سوى نموذجاً بسيطاً، على الرغم من فداحته، عما سيجري في لبنان اذا ما تمكن الفصيل الايراني من ربح الانتخابات النيابية والسيطرة بالكامل على المشهد السياسي. ما يجري في معرض الكتاب ليس سوى بداية، او هيك زكزكة خفيفة، تنبئ بما ستفعله ميليشيا إيران في لبنان بعد ربح الانتخابات النيابية تحديداً بالتكافل والتضامن والتواطؤ التام بينه وبين حليفه التيار العوني، أيقبل العونيون بهكذا مصير؟ أيقبلون أن يتحول مبدعونا الى ذاكرة ميتة من ماضي سحيق ليحتل مكانهم ثقافة الموت وولاية الفقيه وتصدير للثورة الايرانية وما شابه؟! هل هذا هو لبنان الذي ينشده ويسعى اليه المتحالفون مع ميليشيا إيران؟
إذا كانوا يعلمون ويصمتون ويتحالفون، فتلك جريمة جرائم العصر بحق الكيان اللبناني وهوية لبنان وحضارة لبنان عبر العصور، وان كانوا لا يعلمون فتلك جريمة أكبر، واغلب الظن انهم يدرون تماماً ما يفعلون، وكل ما يفعلونه يصب في الكيد السياسي القاتل، كل ما يفعلونه هو ضرب من الكيد والكبرياء كي لا يتعاونوا مع القوى السيادية وعلى رأسها القوات اللبنانية لمكافحة الاحتلال الايراني بأوجهه كافة.
اليوم معرض الكتاب، غدا المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، حيث سيحل القاتل سليماني مكان المير بشير وفخر الدين المعني الكبير وما شابه، وسيحل حسن نصرالله مكان الشيخ بشير الذي سيتحول الى مجرم حرب في مناهجهم، وسيكون الرئيس كميل شمعون عميل صهيوني، وستصبح فيروز مغنية متواطئة على المقاومة، ووديع الصافي صليبي متمرّد وصباح ممنوعة في الإذاعة اللبنانية والإذاعات كافة، ولن يكون هناك لا إذاعات ولا تلفزيونات، إلا المنار… وهكذا تكتمل فصول الاحتلال الإيراني للبنان، عسكرياً اقتصادياً والآن ثقافياً، وإذا حصل ما حصل، هل ستقولون “ما خللّونا”؟
أيقظوا ضميركم الوطني المخدَّر عمداً، فمعرض الكتاب ليس إلا أولى “البشائر”، أتسمعون؟
