
كتب السفير د. هشام حمدان من الولايات المتحدة في “المسيرة” – العدد 1726
لطالما أزعجني الجدل الفكري بين رموزنا الوطنية المتّصل بحالة لبنان. فسواء أكان لبنان مخطوفاً أو محتلّاً فإنّ النتيجة واحدة والهدف لإعادته إلى استقراره يجب أن يكون واحدًا وهو استعادة سيادة لبنان وحريته. أنا من الذين يعتقدون بأنّ لبنان خُطف بداية ثم تحوّل إلى واقع الدولة المحتلّة. فقد خُطف لبنان منذ العام 1967 إثر حرب الأيام الستة ضدّ إسرائيل والنكسة العربية التي أدّت إلى احتلالها كامل فلسطين التاريخية وأجزاء من الأراضي العربية المجاورة. في حينه خسر الفلسطينيون قواعدهم في بلدهم في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، وصار لزامًا البحث عن قواعد أخرى. وهكذا، تحوّلت الأراضي اللبنانية المجاورة إلى هدف لهم لمثل هذه القواعد، خاصّة وأن لديه حدود مع إسرائيل على رغم أنّها لا تقع على حدود الأراضي الفلسطينية التي احتلّتها إسرائيل عام 1967، بل على حدود الأراضي المعترف بها دوليًا، بأنّها ضمن دولة إسرائيل التي تمّ الإعتراف بها من قبل الأمم المتّحدة عام 1949. وعليه فقد خضعت العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل إلى إتّفاقية قامت برعايتها الأمم المتحدة هي إتّفاقية الهدنة لذلك العام، والتي حدّدت بوضوح الحدود المعترف بها دوليا بين الجانبين.
بدأت بعض القيادات الفلسطينية التي كانت في لبنان في حينه، أو التي لجأت إليه، بإقامة تنظيمات لها فيه مستفيدة من نظامه الديمقراطي والحريّات العامّة التي كانت سائدة في البلاد. ومعظم هذه القيادات كانت من القيادات الراديكالية التي تبنّت أفكارًا ماركسية وثورية لقيت صداها لدى بعض دول الإقليم وخاصّة الجارة سوريا التي قدمت لها تسهيلات عديدة، ولا سيما لجهة التسلّل من حدودها الجنوبية باتجاه الأراضي الخاضعة لإسرائيل. كما أنّ باقي الدول العربية بما في ذلك مصر عبد الناصر، لم تكن قادرة على لجم هذا التحرك بعد أن تحوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عربي ودولي. في حينه خطفت هذه التنظيمات لبنان فسعت سلطاته القانونية لاستعادته من الخاطفين، فوقعت إشتباكات بين الجانبين. حظي الخاطفون بدعم سوريا المعنوي والمادي وبصمت الدول العربية الأخرى، فيما لم يحظ لبنان بأيّ دعم إقليمي أو دولي، بل صار لبنان مسؤولاً عن أنشطة هذه التنظيمات ودفع أول ثمن غال لعملها عندما هاجمت إسرائيل عام 1968، مطار بيروت الدولي ودمرت أسطوله الجوي.
إكتفت الأمم المتّحدة بتبنّي قرارٍ يدين إسرائيل ويشدّد على إتفاقية الهدنة كإطار للعلاقات الأمنية بين لبنان وإسرائيل. لكن الفلسطينيين الذين خسروا كلّ شيء لم يهتموا لما يمكن أن يكون عليه مصير لبنان فهم اعتبروا أنّ كلّ الدول العربية هي فلسطين. وأيّدهم أصحاب الإيديولوجيات اليسارية في لبنان بما في ذلك الشهيد كمال جنبلاط. هم نظروا إلى الأردن ولبنان كبلدين ضعيفين يمكن أسرهما لخدمة أغراضهم فجعلوهما الإمتداد الجغرافي لعملياتهم العسكرية، أما سوريا ومصر فكانتا دولتين قويتين يكفي أن تمدانهم بالسلاح والدعم السياسي لمتابعة عملياتهم. واجهتهم السلطتان في لبنان والأردن. السلطة في لبنان لقيت معارضة داخلية لجهودها في استرجاع لبنان من خاطفيه. لم يكن العامل السوري والعربي هو الحاسم بالنسبة لقراراتهم، بل العامل الداخلي. بعض اللبنانيين شاركوا في خطف وطنهم وسيادته بحجة القضية القومية، فتحوّلت مواجهة السلطة للتنظيمات الفلسطينية إلى مواجهة مع الشارع المحلي المؤيد لها. وانقسمت الأحزاب اللبنانية بين مؤيد للسلطة ومعارض، وتداخلت المواضيع المحلية في تحديد مواقف الأحزاب. لم يعد موضوع السيادة شأناً أساسياً في اعتماد المواقف العامّة بل الصراع المحلي والقلق على الوحدة الوطنية. ولذلك قبلت الحكومة توقيع إتّفاق القاهرة المشؤوم لعام 1969.
منذ ذلك الحين صار لبنان بلدًا محتلّاً. فكما قال المهاتما غاندي «تستند كلّ التسويات على الأخذ والعطاء، ولكن لا يمكن أن يكون هناك أخذ وعطاء على الأساسيات. أيّ حل وسط بشأن الأسس هو استسلام. لأنّها كلها عطاء دون أخذ». منذ اتّفاق القاهرة خضع لبنان إلى شريك له في صناعة قرار العلاقات الخارجية فيه، وخسر سيادته. كما ساهم هذا الإتّفاق في سرعة تبنّي الملك حسين لقراره عام 1970 بتصفية المقاومة الفلسطينية في بلاده. كلّ الدول العربية وجدت في لبنان ساحة تريحها من عبء العمل العسكري الفلسطيني. كانت مستعدّة لدفع الأثمان والتكاليف للحفاظ على هذا الأمر. وإستغلت الدول الأخرى بما في ذلك الدول الديمقراطية، هذا الواقع بل سرّها ذلك، لأنّها رأت أنّه سيؤدي إلى تجميع الفلسطينيين في بلد واحد مما يسهّل القضاء عليهم. لم يتحرك مجلس الأمن لمنع انتهاك إتّفاق الهدنة ولكنّه تمسك به. فتحوّل لبنان إلى ساحة للصراع العربي ـ الإسرائيلي وما يتصل به من صراع القوى العظمى في الحرب الباردة وملحقاتها من الدول الإقليمية. ومنذ ذلك الحين صار اللبناني ضحيّة مجانية لهذا الأمر.
تسارعت المفاوضات بشأن القضية الفلسطينية مع القيادات العربية وخاصة سوريا. كان الإنقلاب الذي جاء بحافظ الأسد رئيسًا على رغم كلّ ما قيل عن دوره في سقوط الجولان السوري السريع بأيدي إسرائيل. وهو أمسك بالموضوع وسعى الى أن يضع يده كليًا على مستقبل القضية الفلسطينية. إنتبهت القيادات الفلسطينية والقيادات اليسارية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، للأمر، فسارعوا إلى تبنّي قرارات تعيد ملف القضية إلى الفلسطينيين. فكان الإعتراف الدولي بمنظمة التحرير ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني. وعليه بدأت الخلافات بين القيادة الفلسطينية ولا سيما بزعامة ياسر عرفات والرئيس حافظ الأسد. إستغلّ اللاعبون الكبار هذا الأمر فازداد نشاط المخابرات الخارجية وازدادت الصدامات المحلية وأعمال العنف وصولاً إلى حادثة عين الرمانة واشتعال الحرب الأهلية.
كوفئت سوريا الأسد بدورها خلال الحرب الأهلية الذي أنهى الوجود الفلسطيني في لبنان، فمنح لبنان لها في إطار إتّفاق الطائف تحت حجة المساعدة على تنفيذ الإتّفاق. لكنّ سوريا التي لم تحصل على ما تريد في مفاوضات مدريد عام 1991، أوقفت تنفيذ هذا الإتّفاق عام 1992، وحوّلت لبنان مجددًا إلى ساحة لها لتنفيذ أهدافها، علمًا أن هذه الأهداف لم تكن تشمل القضاء على إسرائيل فهي لم تطلق رصاصة واحدة ضد احتلالها في الجولان، وأكدت مرارًا إستعدادها لتسوية سلمية مع إسرائيل وفقاً للقرار 242. لم تتوقع هذه المقاومة المسيحية الشرسة ضدها، ولم يهمها إنقلاب بعض الدول العربية عليها، ولا تحوّل كل ذلك إلى رأس حربة لقوى الحركة الوطنية المنهارة لكي تتعاون معًا في طردها من لبنان. قرار العالم فرض انسحابها. من جاء بها أخرجها. هم نجحوا لكن سوريا نجحت أيضًا في زرع قوّة محلية تتابع دورها ليس في لبنان فحسب، بل في وجه الدول العربية التي وقفت ضدّها وكذلك ضدّ المجتمع الدولي الذي طردها. ومنذ العام 1981 سمحت سوريا لإيران بوضع قدمها في البقاع اللبناني وساعدتها في إقامة ميليشيا طائفية ملحقة بها تحت مسمّى «حزب الله». إنتهى الإحتلال السوري واستمرّ الإحتلال الإيراني المقنّع عبر هذه الميليشيا.
منذ أكثر من خمسين سنة وشعب لبنان بكل فئاته وطوائفه، ضحية الإحتلالات الخارجية. ثقافتهم الوطنية تبدّلت وأصيب اللبناني في تفكيره وعاطفته وقيمه وأيضًا في مشاعره الوطنية. رأينا غلبة الإنقسامات الطائفية التي دفعت بالمحاصصة وأطلقت مارد الفساد على مصراعيه. شعبنا مريض ويحتاج لعلاج لاستعادة وحدته التاريخية ودوره الطبيعي كنموذج لبلد الرسالة، وكي يعود جسرًا للحوار الحضاري بين الشرق والغرب. ولا يمكن أن يتمّ ذلك من دون المجتمع الدولي وخاصّة الأمم المتّحدة. على الأمم المتّحدة متابعة مساعدة لبنان لإخراج الإحتلال الجديد وإنهاء كلّ أشكال الإحتلالات القديمة، من خلال تنفيذ قراراتها بشأنه بدءًا من قرار إتّفاق الهدنة لعام 1949 وصولاً إلى القرار 1701 لعام 2006.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
