
كتب في “المسيرة” – العدد 1726
كتاب مفتوح الى قادة الجمهورية الإسلامية في إيران
قراءة مقاوم لبناني
حين انطلقت الثورة الإيرانية في العام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني، كنا في تلك الحقبة التاريخية في لبنان نقاوم ونتمرد على دبابات جيش الأسد وراجمات صواريخه المنطلقة على شوارع الأشرفية والدورة وسن الفيل وأحيائها السكنية المأهولة، وأعلنت نفسها ثورة ضد الديكتاتورية والطغيان الشاهنشاهي وأجهزة القمع البوليسية ومخابراته الساڤاك وعدالته الإنتقائية وإعداماته بالجملة للمعارضين، وضرب الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان، هذا في مواجهة الطاغية في إيران. أما في العالم، فطرحت الثورة الإسلامية نفسها نموذجاً ثوريًا ثالثاً مغايرًا للثورة الشيوعية الماركسية اللينينية الملحدة وللنظام العالمي الرأسمالي الليبرالي، وقوة للمستضعفين في الأرض في مواجهة الإستكبار العالمي والإستعمار الجديد.
وسرعان ما ردت قوى الإستكبار على الثورة الفتية باندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استغرقت عشرة أعوام ونيّف منذ العام 1980، وخلّفت حوالى مليوني قتيل وأحدثت شرخاً عميقاً بين القومية والعالم العربي والجمهورية الإسلامية في إيران، ساهمت الدعاية المعادية الى تصويره صراعًا شيعيًا ـ سنيًا داخل دار الإسلام لا تنطفئ ناره منذ ألف سنة والى ألف سنة.
بدءًا من الثمانينات وحتى منتصف التسعينات، أدى إنهيار الإتحاد السوفياتي وحلف وارسو وسقوط الأنظمة الشيوعية الى بروز نهاية مرحلة الحرب الباردة بين الجبارين الأميركي والسوفياتي وانتهاء حقبة الثنائية الدولية القطبية، للدخول في مرحلة الأحادية الأميركية وغزو العولمة وثورة التكنولوجيا أرجاء الكرة الأرضية. وتمت السيطرة الأميركية لأكثر من خمسة وعشرين عامًا على مفاصل الأزمات الاستراتيجية في العالم عبر الوجود العسكري المباشر، لحين بدء أفول تلك الظاهرة الأحادية مع عهد باراك أوباما، نتيجة تراكمات أخطاء وكلفة المغامرات العسكرية للرؤساء الجمهوريين في واشنطن.
ومع إنحسار وتراجع الأحادية العالمية، تم ملء الفراغ على الساحة الدولية بقيام عدة أقطاب كقوى عظمى إقليمية، بدأنا نشهد صعودها كروسيا الإتحادية والصين الجديدة وتركيا إردوغان والهند وباكستان والبرازيل وكوريا الشمالية واليابان وسواها.
وهنا بدأت الأحلام الإمبراطورية النائمة تستيقظ في رؤوس القادة والرؤساء، فعدنا نشهد على روح قيصرية روسية جديدة، وروح إمبراطورية صينية جديدة، وروح إمبراطورية عثمانية جديدة، وروح هندية جديدة، تُضاف الى إمبراطورية إسرائيل الكبرى، مما ولّد روحًا فارسية جديدة، إلخ… وبفعل تلك الظاهرة، بدأ السعي لدى كل قوة إقليمية عظمى الى تحقيق فائض القوة، الديموغرافي والعسكري والاقتصادي والسياسي والأمني، وبالتالي سباق التسلّح المحموم من مشاريع العسكرة التقليدية بالجيوش الجرارة ومنظومات الصواريخ المتطوّرة الى العسكرة الجماهيرية عبر الجيوش النظامية والوحدات غير النظامية من ميليشيات وحرس ثوري وحرس وطني وحركات مقاومة. وتبعًا لتعاظم الشعور بفائض القوة أصبح التمدد، تمدد النفوذ المباشر وغير المباشر خارج الحدود السياسية والجغرافية لتلك القوى العظمى الإقليمية. وهنا بدأ الأمن والإستقرار الإقليمي والعالمي يتزعزع، وأصبح الأمر الواقع (statuquo) القائم والمهندس منذ عقود من قبل القوى العالمية العظمى يتهدد.
على هذا المستوى برزت الإشكالية في الأداء والدور والأسلوب والدعوات التي اعتمدتها الجمهورية الإسلامية في إيران، في علاقتها مع جوارها، ويهمنا لهذه الجهة العلاقة مع العالم العربي ولبنان تحديدًا، لأن تلك العلاقة مطلوب أن تكون علاقة مودة وصداقة وحسن جوار وتعاون على كافة المجالات وتنسيق في الشؤون الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والإنسانية، ومساحة تلاقٍ شرقية تستمد من روحانية الرسالات السماوية، نورًا فكريًا وثقافيًا وديمقراطيًا حرًا يحقق رقي الإنسان الشرقي والعربي والمسلم والمسيحي واليهودي (كدين) إبن هذا الشرق، وأن تكون هذه العلاقات نموذجًا للعلاقة الممتازة في حلّ إشكالات الأنظمة التعددية وقضية الأقليات في العالم، ولبنان نموذج ناجح نسبيًا ورسالة سامية في هذا الإتجاه، نناضل جميعًا للحفاظ عليه.
أما مخاطر الإنجرار وراء النزعة نحو الإمبراطوريات الجديدة والسير قدمًا في سباق التسلّح وتكديس ومن ثم تصدير فائض القوة، عنفاً وتجييشًا يبدأ قوميًا ويصبح مذهبيًا فحروب أهلية ونزاعات داخلية لا تنتهي، فمن شأنها إنزلاق لاعبيها الى حرب عالمية ثالثة، شاملة أو مجزأة مناطقيًا لا فرق، تدمّر كافة القرن العشرين العمرانية والحضارية والعلمية والتكنولوجية، وتقضي على الإمكانات الهائلة من ثروات بشرية وطبيعية تمتلكها شعوب منطقتنا، وتطيح بكافة الثورات والجمهوريات والأنظمة، سواء أكانت ديمقراطية أم لا. وما بدايات الربيع العربي منذ العام 2011، والحرب الدائرة في سوريا وليبيا، وما محاولات التمدد التركي والروسي، وربما غدًا الصيني، إلا شواهد عما نقول، خصوصًا وأن طبول الحرب الشاملة بدأت تُسمع أصوات قرعها من أوكرانيا الى ليبيا فسوريا والعراق واليمن، وغدًا جمهوريات آسيا الوسطى (كأذربيجان وجورجيا وأرمينيا وطاجكستان)، وربما وصولاً الى حدود إيران مع تعاظم الرغبة الروسية واستيقاط شهوة الوصول الى المياه الدافئة، وحنين الصين الى طريق الحرير، والرومانسية الصهيونية من النيل الى الفرات، وعودة السلطنة العثمانية الى شمال سوريا وليبيا والحدود البحرية اليونانية (…)
وعليه، وخوفاً من المنزلقات المنهجية والاستراتيجية الخطيرة، وارتكاب خطوات ناقصة شبيهة بقرار صدام حسين دخول الكويت عسكريًا واعتباره رد السفيرة الأميركية على فكرته، موافقة ضمنية غامضة عليها، أطاحت بالعراق دولة ونظامًا وشعبًا في كارثة إنسانية واجتماعية بقيت آثارها وجروحها ماثلة في الأذهان وفي الأجساد لعقود طويلة من الزمن.
لا مناص من مراجعة هادئة، عقلانية وموضوعية لما سبق من استراتيجيات حرصًا على تجنيب منطقة الشرق الأوسط من تداعيات حرب شاملة ذات نتائج كارثية ومفاعيل تدميرية لعقود من السنين، في اتجاه تفاهم استراتيجي شامل في الشرق الأوسط، ولقاء حضاري تاريخي يعيد بناء علاقات الأخوة والصداقة والتحالف والتنسيق بين أبناء الشرق العربي المسلم والأوسطي جميعًا، لكن مع تحوّل هذه المنطقة من العالم ساحة حربية تتقاتل فيها الأساطيل الإمبراطورية القديمة والجديدة ويدفع ثمنها إنسان هذه المنطقة من حياته ومقدّرات أوطانه وثرواتها، بما يثبت أن قيم المحبة والتسامح والعدل واحترام الإنسان وحرياته وحقوقه، التي زخر بها الإسلام والمسيحية، هي النموذج الحضاري الذين يؤمن به أبناء الشرق، للإنتقال «من كهوف الشرق من مستنقع الشرق، الى شرق جديد».
آملين أن يلقى نداؤنا آذاناً صاغية وتناغمًا مع حرصنا ومخاوفنا المشروعة على الشعب الإيراني والشعب اللبناني والشعوب العربية جميعًا، لمنع فتيل الحرب المشتعل والمقترب من برميل البارود المشرقي، يبقى لزومًا علينا التذكير أن تاريخ الشعب اللبناني، كما الشعب الإيراني والشعوب العربية، مكتوب بسطور مجد المقاومة، مقاومة جميع الإحتلالات والإنتفاضة بوجه أي طغيان وأي قمع وأي إنتقاص من حقوق وحريات الإنسان، كيف ولا وصخور نهر الكلب شاهدة على قرون النضال من أجل الحرية والكرامة والإستقلال، متمنين لكم الحفظ من كل شرّ.
إيلي نعمة – باحث في العلاقات الدولية
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
