.jpg)
بين المعلِّمِ والعقلِ تَعاهدٌ وتَواثقٌ وتَحالف، حتى بَذَلَ كلُّ واحدٍ منهما الإخلاصَ لصاحبِهِ في المودّة، ورَكِبا، معاً، المخاطرَ، وما أَكثرَها في مسيرةِ إِلباسِ المُتَلَقّينَ عباءةَ المعارف. ولأنّ المعلّمَ لَبِسَ للدَّهرِ ثوباً من الصَّبر، لذا، كانَ في العطاءِ مَثَلَ الأشجارِ في الأَثمار، يملكُ فيه قلباً، وفِكراً، ويَداً.
لقد وردَت، الى المعلّمِ، طموحاتُ الطلّابِ، وحَطَبُها رَطبٌ، وانصرَفَت يَقدحُ نارُها. إنّ استقصاءَ أمرِهِ في رسالتِهِ التي لا يُتقِنُها سوى المُجيدين، يكشفُ أنّه وبِقَدرِ ما كان مملوءاً بالحميّةِ، بقَدرِ ما كان مؤثِّراً في العقولِ التي سلَّمَت إليه زمامَها، ولا يتمُّ مجلسُها إلّا بهِ، فكانَ من صُنّاعِ طريقِها الى معابدِ الثّقافةِ، حيثُ يُنقَشُ في خدودِ عواميدِها درجاتُ التقدّمِ، وأبعادُ الحضارات. وما أَبهى المقاربةَ بين نَحتِ المعلّمِ العقول، وبينَ المَثّالِ الذي ينحتُ الصَّخرَ ليخلقَ منه التّماثيلَ التُّحَف.
إنّ الرُقِيَّ الفِكريَّ الاندفاعي، وحدَه، مطلوبٌ للنّجاحِ، وللوصولِ الى الأهدافِ الطَّموحةِ، وحتى المعَقَّدةِ منها، ليبرزَ، في الأفكارِ، مكنونُ سرِّها. وشاءَ الزّمانُ أن يُحدِثَ تلاقُحاً بين رُقِيِّ المعلّمِ العقليِّ وبينَ الإرثِ المعرفيِّ، ليحملَ بُشرى ولادةِ جاذبيّةٍ ضَيَّقَت الهوّةَ بين العقلِ وقِيَمِ المعرفة، وكأنّ المعلِّمَ قُنصلٌ للفكرِ من دونِ مرسوم.
لم يَبِعِ المعلّمُ موهبتَه لتصبحَ رسالتُه رخيصةَ الثَّمن، فبِشغَفِهِ الصِّرفِ في تحريكِ قمقمِ العقولِ، كَثُرَ جمهورُه. فهو صاحبُ صنعةٍ لم يسبقْهُ إليها مَنْ تقدَّمَه في الزّمان، وقد أدخلَ عليها معطياتِ التطوّرِ، بإتقان، وهذا مركزُ الثِّقَلِ في قيمتِه. ولِأَنّ لا أَحَدَ غيرَه يملكُ سرَّ البراعةِ في أن يتمكِّنَ مجتمعُ النّاسِ من تَحَسُّسِ الارتقاء، كان رائداً في التأثيرِ وكأنّه ينطقُ بلسانِ الآلهة.
لقد التقى المعلّمُ بالعقولِ، ومادّتُها لمّا تزلْ رَخوةً خامدةً، وحالُها متقوقعةٌ، ومُحتَجِبَةٌ نارُها، لكنّ فيها جوعاً الى وجود، فتلقَّفَها بدَقيقِ حسِّهِ، ورقيقِ بَيانِهِ، ورونقِ أسلوبِه، وبثَّ فيها ما جعلَ نِصالَ جهلِها تتشلَّع، فانتقلَت من مَعهودٍ قاتِمٍ الى مُستَجِدٍّ شائق، وما انتُقِلَ إليه أشهى. إنّها المعرفةُ، خبزٌ صلبُ العودِ كالنُّبلِ عندَ الفَقر، تتسلَّقُ أدراجَ العقلِ لتُخَزِّنَ ذاتَها في خِلَعِه، وهكذا، يبيتُ العقلُ في اكتفاء، ويكوِّنُ بحَدِّ ذاتِهِ عالَماً.
لقد عاشَ العقلُ في حِمى المعلّم، فانتقلَت نتاجاتُهُ، ومواهبُهُ، وقُدراتُه، من أَجِنَّةٍ في بُطونِ أمّهاتِها، الى وجوهٍ ناضجةٍ تُغني الإنسانيّةَ في كلِّ زمانٍ ومَطرَح، ولم تتركْ باباً من أبوابِ المعرفةِ إلّا وطرقَته، أو خيطاً من خيوطِ الفكرِ إلّا ونَسَجَت منه حضارة. إنّ فِعلَ المعلِّمِ ثروة، وآياتٌ كلّما رُوينا منها، كلّما ازدَدنا إليها ظَمَاً، فهي لم تُقَصِّرْ في إيناعِ الأَلبابِ بألوانِ الثّقافةِ التي انعكسَت أشعّتُها في كلِّ اتّجاه. ولولاها، كانَ العقلُ في سُخطٍ، وشَقوةٍ، وإِتاحةٍ لِبَراثِنِ الجهلِ لِأن تُحوِّلَ مَشرَبَه نُضوباً، وغَرسَهُ ذُبولاً.
ليس من بابِ الادعاء أنّ تغميسَ المعرفةِ في عهدةِ المعلّم، هو من أَكنَزِ مخطّطاتِ الدّنيا، فهي، معه، مذهبٌ حصاهُ جوهر، وطعامُهُ هَنِئ، وحَبلُ الجهلِ فيه قصير. ولأنّ المعرفةَ لم تولَدْ لتُحبَس، حلَّقَ بها المعلِّمُ في كلِّ الأجواء، وهي المُستَأنِسَةُ إليه بِطولِ ما صادَقَها، لتكونَ للعقلِ الأَطيَبَ مَسكناً، والأَحسنَ رَوضاً، والآنَقَ دُرّاً، فأيُّ انتفاعٍ بالعقلِ إنْ جَفَّت ضِفافُهُ من زَبَدِها ؟
إنّ رسالةَ المعلِّمِ نعمةٌ صحيحة، تأنسُ إليها النّفوسُ لأنها توقظُ فيها الحقَّ، والفرحَ، والجَمالَ، والخَير، وهي طريقٌ غيرُ ضَيِّق، خصبةٌ كالنِّيلِ في أرضِ الفراعنة، أو كقدموسَ على شواطئِ الورد. لكنّ المعلّمَ، مع ذلك، كان منقوصَ الحظوظِ لأنَّ هوَّةً عرَضَت بينَه وبينَ كريمِ العيش، وأحدثَت رجّاتٍ شائقةً حَمَلَ حَلقُ صداها الى الأيامِ ما أَثبَتَ أنّه من الخطأِ إِهمالُها. أمّا مَنْ أهملَها، اهتماماً بغيرِها، فيُشبِهُ مَنْ قالَ عنه ” أرسطو “: إنّ مَنْ أفنى مُدَّتَه في جَمعِ المالِ خَوفَ العَدَم، فقد أسلمَ نفسَه للعَدَم…
وبعد، مَنْ لم يَجِدْ قامتَهُ الثقافيّةَ مُتقاصِرَة، فَلْيَرمِ المعلِّمَ بِحَجَر.