
كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1726
أربعة قرون كاملة وطويلة، عاشها الكيان اللبناني تحت نير الإحتلال العثماني. لم تساهم الحركات التحريرية والثورية الداخلية طوال القرن الثامن عشر في تحقيق إستقلال تام عن «بني عثمان». إنما أنتجت، في أحسن الأحوال، حكمًا ذاتيًا للجبل اللبناني بضمانة عثمانية، ثقافة إستقلالية عند النخب اللبنانية، وشهية الدول الغربية لاستبدال المحتل بمحتل آخر.
غاب المحتل العثماني عن لبنان والشرق برمته عام 1918، وترك الولايات والإمارات لتتدبر شؤونها وتؤسّس دولها. ترك الجيش العثماني التراب اللبناني، وغادره مع متصرفه و«باشاواته» وبعض «بكواته»، إلا أنه ترك إرثه، وحفره عميقًا بالوجدان اللبناني، وهو إرث مستمر في لبنان حتى يومنا هذا.
ليس إرث المحتل العثماني اليوم مجرد قلاع أثرية متناثرة بين المدن والتلال المطلّة على الساحل اللبناني حصرًا، ولا هو بضعة كلمات شعبية من أصول لغوية عثمانية تُستعمل في العامية اللبنانية، إنما إرث أعمق من ذلك بكثير. ترك العثماني للبنانيين نمط حُكم وآليات نظام سياسي قائمة بذاتها، لا يزال لبنان يعيش على شروطها وحدودها ويتبعها في كامل جوانب الحياة السياسية الحاضرة.
الطائفية السياسية في لبنان، على سبيل المثال، عثمانية الأصل والمنشأ. فإن كانت الطائفية السياسية تعني تخصيص الطوائف اللبنانية بمقاعد ومراكز محددة في السلطة والإدارة، فالعثماني هو أول من طبقها وأرساها في لبنان. شهد حكم القائمقاميتين (1841-1860) على ولادة الطائفية السياسية، عندما خصص العثماني مقاعد مجالس الإدارة في القامقاميتين لطوائف محددة سلفًا، ثم استتبع ذاك بتطبيق الطائفية السياسية إبان نظام المتصرفية (1861-1918) من خلال الهوية الدينية المحدّدة سلفًا للمتصرف.
بعيدًا عن إيجابيات الطائفية السياسية وسلبياتها، تم تثبيتها في النظام السياسي اللبناني، أكان قبل اتفاق الطائف أم بعده، وظلت المعيار الأساسي الذي يحكم التمثيل السياسي في السلطة والإدارة في لبنان. هذا الإرث العثماني لا يزال حاضرًا في لبنان، وهو معيار قائم بذاته يحدد قواعد وشروط الوصول إلى السلطة والحُكم وعملية التمثيل السياسي برمتها.
كذلك الأمر، إن الطائفية الفردية (أو الأحوال الشخصية)، التي تنظم علاقة أبناء الطوائف بشؤونهم الخاصة، وعلاقة رؤساء الطوائف بالدولة، هي عثمانية الأصل، وإرث حيّ لا يزال قائمًا في لبنان حتى اليوم. إذ إنه خلال القرن الثامن عشر، طبقت السلطنة العثمانية على أقلياتها نظام «الملل» العثماني، والقاضي بتنظيم شكل وحدود العلاقة بين الطوائف والسلطة العثمانية المركزية، كما نظمت القضايا الشخصية (زواج، طلاق، إرث، إلخ.) لأبناء الطوائف بشكل مستقل عن الدولة، وذلك وفقًا لما تشتهيها كل طائفة على حدى.
لا يزال هذا الأمر ساري المفعول في لبنان، حيث تتمتع كل طائفة من الطوائف الدينية المعترف بها، بحرية كاملة في تنظيم الأحوال الشخصية لأبناءها. كما لها علاقة «ندية» مع السلطة اللبنانية، بحيث تتمتع برفعة المقام والمقدرة، كما القدرة على التأثير في عالم السياسة والحُكم، وإمكانية دستورية في الطعن بالقوانين أمام المجلس الدستوري في قضايا تتعلق بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني، وذلك تبعًا للمادة 19 من الدستور اللبناني.
ليس ببعيد عن شؤون الحكم وأحوال الطوائف، للعثماني باع طويل في طبع إرثه في المجال الاجتماعي والثقافي اللبناني. من المؤكد أن الفساد في لبنان، على سبيل المثال، هو نتيجة مباشرة لسوء الإدارة وتحكّم الأحزاب الفاسدة في السلطة، إلا أن له أصل تاريخي كذلك، وهو عثماني التأثير والمَشرب. كذلك الأمر، إن ما تبقّى من زعامات محلية «شبه إقطاعية» في نواحي لبنان، لا تزال تعتاش على أمجاد إرثها القديم زمن الحكم العثماني. حتى ثقافة «البرطيل» و»البخشيش» هي إرث عثماني بشكل أو بآخر…
غاب العثماني لكنه بقيَ. إستمر إرثه في الحياة السياسية والثقافية والمجتمع اللبناني. هو إرث ثقيل يحمل في طياته ومضمونه الكثير من السلبيات، إلا أنه إرث حيّ لا يزال اللبنانيون يعيشون في ظله، وإن بأشكال أكثر حداثية في غالب الأحيان.
إن إحتلال أرض شعب ما ليست أخطر من إحتلال الشعب ذاته. الأرض تتحرر، والسيادة تعود، والأوطان تُبنى من جديد ببعض الجهود والتضحيات والدماء، إلا أن تحرير الشعوب من ثقافة المحتل هو الأصعب. غاب العثماني وبقي إرثه في لبنان، فيما يتحكم الإيراني اليوم بقراره الوطني ويطعن بسيادته كل يوم. غدًا سيغادر الإيراني ونفوذه من لبنان كما غادر كل من سبقوه، لتبدأ معركة إزالة الإرث الإيراني من لبنان؛ إرث الإرتهان للخارج، الرجعية الدينية، وحكم العمائم.
جو حمورة – باحث سياسي
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]