
لطالما استخدمت روسيا، التي تعتبر من أكبر مصدري النفط والغاز، نقطة القوة هذه، للضغط السياسي على العالم منذ الحقبة السوفياتية. ويرى كثيرون أن الجغرافيا السياسية هي التي تحرك تجارة الطاقة بين روسيا وأوروبا. ومن البديهي، أن كل جانب يسعى إلى استغلال الغاز والنفط للتأثير على الآخر في اللعبة الكبرى لسياسات القوة، التي يبدو أن لروسيا اليد العليا فيها، إذ يستورد الاتحاد الأوروبي الآن ما يقارب الـ40٪ من غازه الطبيعي من روسيا. علماً أن خبراء الأمن القومي الأوروبيين، ينصحون منذ عقود بتقليل اعتماد أوروبا على مشتقات الطاقة الروسية.
علاقات الطاقة بين الشرق والغرب: أكبر من السياسة
فتحت تقنية الاستخراج وخطوط الأنابيب حقول الغاز السوفياتية في الستينيات، وأدت إعادة الإعمار المستمرة لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية إلى زيادة الطلب، حتى أصبحت تجارة الغاز بين الشرق والغرب أمراً لا مفر منه.
وشهدت السنوات الخمسون الماضية خضات عدة. وتوالت الأزمات السياسية الكبرى، من بولندا إلى يوغوسلافيا السابقة فسقوط الاتحاد السوفياتي وصعود الاتحاد الروسي الجديد بدمغة الرئيس فلاديمير بوتين، إلى حرب صريحة في أوكرانيا وأماكن أخرى. لكن على الرغم من ذلك، ظلت العلاقات بين أوروبا وروسيا في قطاع الغاز الطبيعي ثابتة تقريباً.
يعود ذلك لعوامل عدة، إحداها خطوط الأنابيب التي تعتبر طبيعتها مستقرة بشكل استثنائي في مثل هذا النوع من التعاون الاقتصادي الدولي. وبينما يستغرق بناؤها عقوداً، تعمل لعقود أخرى أيضاً، وغالباً ما يحكمها عقد واحد أو عقدين على مدى طويل. فضلاً عن أن الارتباط المادي الملموس بين المنتج والمستهلك يخلق تلقائياً تبعية متبادلة.
إذاً، ظلت تجارة الغاز بين الشرق والغرب منيعة أمام الاضطرابات الجيوسياسية. ففي العام 1968، بعد فترة وجيزة من الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، قبلت النمسا شحنات الغاز الروسية الأولى إلى أوروبا. وفي العام 1981، عندما أدت ثورة حركة التضامن المؤيدة للديمقراطية في بولندا إلى فرض الأحكام العرفية بدعم من الاتحاد السوفياتي، فرضت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس رونالد ريغان عقوبات على صادرات تكنولوجيا خطوط الأنابيب. وكانت واشنطن قادرة على القيام بذلك، لأنها لم تشارك إلى حد كبير في تجارة الطاقة بين الشرق والغرب.
ومطلع التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفياتي أصبحت الجغرافيا السياسية جامحة، وتحولت وزارة الغاز السوفياتية إلى شركة ضخمة مملوكة للدولة، غازبروم، تمت خصخصتها بعد ذلك إلى حد كبير مع تولي بوتين رئاسة الكرملين مطلع الألفية الثانية. بالإضافة إلى التطلعات الروسية نحو جورجيا ومولدوفا وسوريا وأوكرانيا وما رافق ذلك من صراعات.
جاء رد الغرب بفرض عقوبات وقيود على الاستثمار والصادرات في التقنيات العسكرية والمدنية الحساسة، وحتى على الاستثمار في الطاقة. وفي الآونة الأخيرة، اتهمت روسيا في التدخل بالانتخابات في الغرب، وفي هجمات إلكترونية. ومع ذلك، يستمر الغاز في التدفق بهدوء عبر خط الأنابيب بين الشرق والغرب.
أداة بوتين لابتزاز الخصوم
هناك مجموعة كاملة من أدوات السياسة الخارجية المرتبطة بالطاقة، التي تشكّل جزء من صندوق الأدوات لتمويل الجيش الروسي، ويساعد في بناء العلاقات مع دول الخليج والحفاظ على العلاقات مع أوروبا. وقد يتعلق الأمر أيضاً بسياسات التسعير أو التلاعب الاقتصادي والسياسي، وهذا ممكن في بعض الأحيان بسبب الديون غير المسدَّدة والخلافات حول الاتفاقيات.
باختصار، توفر الطاقة لروسيا مجموعة كاملة من فرص التأثير على الدول الأخرى، والتي قد يتجاوز بعضها المنافسة التجارية. فالنفط هو مفتاح الثروة الذي يضمن النفقات الدفاعية للبلاد، بينما يساعد الغاز في منح روسيا نفوذاً سياسياً.
غزو أوكرانيا يكشف ضعف أوروبا
ستغيِّر حرب روسيا ضد أوكرانيا مشهد الطاقة العالمية والجغرافيا السياسية بطرق عميقة. وبدأت أجزاء من هذه التضاريس بالفعل في التحول، على الرغم من اعتقاد الرئيس الروسي أن صادرات بلاده من الطاقة مهمة للغاية بحيث لا يمكن فرض عقوبات عليها أو الاستغناء عنها.
ولا شك أن الهجوم الروسي على أوكرانيا، فتح حقبة جديدة في السياسة العالمية وكشف مَواطن الضعف في النظام الدولي بعد الحرب الباردة، من بينها، أن اعتماد أوروبا على النفط والغاز الروسيين إلى هذه الدرجة “الخطيرة”، يشكّل خرقاً فادحاً لأمنها.
بكل بساطة، تمتلك روسيا وقوداً أحفورياً بوفرة، وقد استخدمته كأداة جيوسياسية للتأثير على الدول المستهلكة مثل ألمانيا وإيطاليا وغيرها، مما قلَّل من استعدادها لاتخاذ موقف ضد سياسات بوتين العدوانية حتى فوات الأوان. والدرس المستفاد هو أن الغرب يحتاج إلى سياسة طاقة، ليست مستدامة بيئياً فحسب، بل مستدامة جيوسياسياً أيضاً.
تصعيد مُقَيَّد
غزو أوكرانيا الذي يعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والمعاهدات الدولية، جعل روسيا منبوذة، ما دفع معظم شركاء موسكو في مجال الطاقة لإعادة التفكير في اعتمادهم عليها. ولم تكد تمضِ أيام قليلة على بدء الحرب الروسية الأوكرانية، حتى بدأت شركات نفط عملاقة بالمغادرة، مثل شركة النفط البريطانية “شل” التي أعلنت يوم الثلاثاء عن نيتها الانسحاب من مشاريع النفط والغاز الروسية تدريجياً، تماشياً مع التوجيهات الجديدة للحكومة البريطانية في ردها على الهجوم الروسي على أوكرانيا، مما سيحرم قطاع الطاقة في روسيا من رأس المال والاستثمارات، وخبرة الشركات الأجنبية التي تحتاجها موسكو بشدة.
أضف إلى أن الرئيس الأميركي جو بايدن قرَّر، الثلاثاء، حظر واردات النفط الروسية، مشدداً العبء الواقع على اقتصاد الكرملين. وجاء القرار بعد تصويت مجلس النواب الأميركي على قانون من شأنه تقنين حظر واردات الطاقة من روسيا، في تصعيد جديد للعقوبات الأميركية ضد موسكو. وعلى الرغم من أن واردات الولايات المتحدة من النفط الروسي متواضعة نسبياً، لكنها كفيلة بإيصال الرسالة الضرورية لبوتين. علماً أنها ليست بديلاً عن نهج طويل الأمد، يتعيَّن معه الموازنة بعناية بين الإلحاح والواقعية.
ويمكن القول إنه على المدى الطويل، حفَّزت حرب أوكرانيا الاندفاعة الأوروبية بعيداً عن الوقود الأحفوري، خصوصاً النفط والغاز الروسي، إلى حالة تأهب قصوى. وأعلن وزير الأعمال البريطاني كواسي كوارتنج، أمس الأول أيضاً، حظراً تدريجياً على استيراد الغاز والنفط من روسيا. في حين جمَّدت إيطاليا قرضاً لمحطة جديدة لتصدير الغاز الطبيعي في القطب الشمالي الروسي.
واتخذت ألمانيا خطوة في هذا الاتجاه من خلال تعليق خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، وإعلانها الإسراع في بناء محطتين جديدتين للغاز الطبيعي المسال يمكّنها من تلقِّي إمدادات من دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. كما أن أوروبا مستعدة وقادرة على منع النقص هذا العام من خلال استغلال احتياطاتها، كما صرح مسؤولون أوروبيون.
بالمقابل، أكد منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، أن الاتحاد الأوروبي لا ينوي وقف واردات النفط الروسية. وقال، “لن نحظر صادرات الطاقة الروسية ولن نتبع الرئيس الأميركي جو بايدن في هذا القرار”، مسطِّراً ضعف أوروبا في الاعتماد على الطاقة الروسية. ويجسّد قرار الامتناع عن استبعاد روسيا من الشبكة المصرفية العالمية “سويفت”، والتي وصفها مسؤولون فرنسيون بسلاح نووي مالي، الخميس، هذه النظرية، إذ يعني استبعاد روسيا من هذا النظام قطعاً كاملاً للطاقة الروسية عن أوروبا، وفي الوقت الحالي، لا يرغب صانعو السياسة في اتخاذ هذه الخطوة.
البديل موجود رغم الصعوبة
ـ في النفط
على المدى القصير، سيكون من الصعب على العملاء الأوروبيين استبدال النفط الروسي، لكن الخيارات موجودة، أولاً من خلال إحياء الاتفاق النووي الإيراني، والذي تقول التقارير إنه بات قاب قوسين أو أدنى، والذي عرض على إيران تخفيف العقوبات الاقتصادية مقابل الحد من أنشطتها في مجال الأسلحة النووية، ما سيسمح لإيران بإضافة 1.2 مليون إلى 1.5 مليون برميل من النفط يومياً إلى السوق العالمية سنوياً. وهنا، يمكن فهم الحماسة الأوروبية للوصول لاتفاق سريع مع إيران بمقابل العرقلة الروسية في الأيام الأخيرة قبيل إقراره وتزامناً مع غزوها لأوكرانيا.
وثانياً، قد تكون زيادة إنتاج النفط الأميركي وصادراته حلاً ثانياً. ويحدث هذا بالفعل مع ارتفاع الأسعار عن 90 دولاراً للبرميل. لكن الشركات تحركت بحذر، في محاولة لتجنب الإنتاج المفرط الذي قد يؤدي إلى انهيار الأسعار وربما الإفلاس.
ـ في الغاز
تعتمد أوروبا على روسيا في الحصول على الغاز الطبيعي أكثر من اعتمادها على النفط، ومع ذلك الخيارات متاحة هنا أيضاً. في العام 2019، بلغ متوسط شحنات الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حوالي 16 مليار قدم مكعب يومياً، معظمها عبر خط الأنابيب. ومع بدء شركة غازبروم الروسية المملوكة للدولة في قطع الإمدادات، مما تسبب في أزمة طاقة في أوروبا، بهدف الضغط على الاتحاد الأوروبي للمصادقة على خط أنابيب تصدير الغاز الطبيعي “نورد ستريم 2” وردع عقوبات الطاقة، سارعت الشركات الأميركية لإرسال 60 شحنة غاز طبيعي مسال عبر المحيط الأطلسي.
ولكن نظراً لعقود الغاز الطبيعي في آسيا، لا تملك الولايات المتحدة ذروة قدرة تصدير كافية لتحل محل إمدادات روسيا بالكامل، وذلك من دون إغفال كلفة هذا البديل المحتمل المرتفعة. علماً أنه مع غياب موجة برد قارس غير متوقعة، تمتلك أوروبا حالياً ما يكفي من الغاز في المخازن حتى الربيع من دون الاعتماد بشكل كبير على روسيا.
ـ على المدى الطويل
أعلنت المفوضية الأوروبية عن استراتيجية للانفصال عن الطاقة الروسية، ما سيمنح أوروبا يداً سياسية أكثر حرية مما كانت عليه في الماضي. لكن الأمر سيستغرق سنوات وسيأتي مع فاتورة باهظة لدافعي الضرائب الأوروبيين. وتهدف الاستراتيجية إلى تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة، حتى لا تعتمد أوروبا مرة أخرى على الكرملين لإبقاء المنازل دافئة ومصانعها تعمل. وتتلقى الاستراتيجية دعماً حاسماً من ألمانيا، وهي دولة متشابكة مع روسيا في مجال الطاقة لدرجة أن أحد مستشاريها السابقين، جيرهارد شرودر، يرأس شركة “روسنفت”، أكبر شركة نفط في روسيا.
References
1- M. Birnbaum & S. Mufson, “E.U. will unveil a strategy to break free from Russian gas, after decades of dependence”, The Washington Post, February 23, 2022
2- “Russia’s invasion of Ukraine signals a new era of energy geopolitics”, The Washington Post’s editorial team, March 5, 2022
3- N. Rossbach, “The Geopolitics of Russian Energy, Gas, oil and the energy security of tomorrow”, FOI-R–4623—SE, November 2018
4- S. Montgomery, “War in Ukraine is changing energy geopolitics”, The Conversation, March 3, 2022
5- A. Moravcsik, “Power of connection: why the Russia–Europe gas trade is strangely untouched by politics”, Nature 576, 30-31, December 3, 2019
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
