مبروك… عبّيت بنزين؟

انتظر الرجل ساعتين ليصل دوره الى امام الصنبور ليتمكن من شراء صفيحة بنزين، فقد عدنا مجدداً الى طوابير الذل والبهدلة لمجرد بداية الحرب في أوكرانيا والإرتفاع الطبيعي الذي رافق هذا الأمر في اسعار المحروقات في كل دول العالم.
لم يكن عند عدّاد المحطة عامل التعبئة وحده، كان يقف هناك وسط الإزدحام، من غير شر، وزير الطاقة وليد فياض وهو يتحدث بهاتفه النقال باليمنى وينحني ليتحدث، في الوقت عينه، الى الرجل في السيارة الذي حالفه الانتظار والحظ بتعبئة صفيحة من البنزين، وكان الى يسار الوزير مندوب التلفزيون وهو يكاد يضع الميكروفون في فم معاليه، الذي لم يكن عليه طبعاً الحديث الى الثلاثة، وربما لهذا وقعت الواقعة المضحكة المبكية التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، لتقدّم صورة لا تُصدق عمّا وصلنا اليه في بلد العجائب.

صرخ الوزير في الهاتف مخاطباً المراسل التلفزيوني: أنا اتحدث في الهاتف، ثم التفت الى الرجل “المحظوظ” في السيارة وقال له وهو يلتفت الى الكاميرا التلفزيونية: “مبروك مبروك عبّيت بعد بدّك شي؟”، وظن الرجل ان الله رزقه في هذه الأيام الصعبة توأماً من الصبيان الأشاوس، قبل ان يكمل الوزير الفياض متباهياً بالإنجاز العظيم الذي قدمته وزارة الطاقة للمسكين: مبروك عبّيت تنكة بنزين بعد بدّك شي؟

شيء لا يصدق في ادغال افريقيا ولا عند قبائل الزولو، وزير الطاقة الذي صوّروه على انه آينشتاين، وقيل إنه هو الموهبة التي ستصحح أخطاء الذين سبقوه وجعلوا من مؤسسة الكهرباء مجرد خردة كلفت الدولة 43 ملياراً من الدولارات، أي ما يساوي نصف الدين العام، والذي يقال إنه مجرد تتمة او مجرد ملحق عن هؤلاء الموهوبين الذين يتعربطون بوزارة الطاقة منذ عام 2015، يستغلّ تولّي دوريات من القوى الأمنية اول من امس، الكشف على مخزون المحطات التي تعودت منذ عامين ونيف رفع الخراطيم، وانتظار بيع مخزونها من المحروقات بالسعر الجديد بعد ارتفاع قيمة الدولار حيال الليرة اللبنانية، لينزل في عراضة تقول لكل من يحالفه الحظ بصفيحة بنزين او مازوت: مبروك بعد بدك شي، بمعنى اننا عملنا واجبنا وما هو أكثر.

أحد الظرفاء علّق امس على هذه المشهدية المخجلة طبعاً بالقول: يجب على أصحاب المحطات وضع لافتة إعلانية تقول: مع كل تنكة بنزين بيطلعلك صورة لوزير الطاقة الفذ وليد فياض.

في أي حال، سلسلة الذين يمارسون الإذلال بحق اللبنانيين لا تبدأ عند أصحاب المحطات، بل تبدأ أولاً بالدولة التي تكلف وزيراً للطاقة يتقدم بخطة تريد تقديمها الى البنك الدولي، فيأتي بها خالية من أي إشارة الى تطبيق القانون 426 وتاريخه 2/9/2002، أي تشكيل الهيئة الناظمة بشكل فوري، وهو ما أدى الى جدال قاسٍ بين فياض ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي صرخ فيه: “سكوت ولا”، وثانياً بحيتان الشركات الشرهة المستوردة للمحروقات، والتي تتوقف فوراً عن تسليم مخزوناتها الهائلة فور ارتفاع سعر الدولار، تليها المحطات، ليبقى المواطن الحلقة الحلوب دائماً.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذه العراضة المستهجنة: “ومبروك عبيت بنزين”، تمثّلت في تلك الصور المعيبة جداً، والتي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أمس، وهي تظهر محكمة جنايات بعبدا تعمل على ضوء الشموع وتصدر احكامها على العتمة، ولكأنه لم يعد ينقص القضاء عندنا سوى محاكم غارقة في الظلام، مثل عقول المسؤولين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل