
كتب جوي لحود في “المسيرة” – العدد 1726
صحيح أن البلدان المركّبة التي تقع جغرافيًا في منطقة نزاعات، تكون عادةً أكثر عرضة للإهتزاز من غيرها من البلدان. وصحيح أيضًا أن البلدان التي تشكّل بموقعها حاجزًا بين متصارعين، غالباً ما تصيبها هي شظايا الصراعات أكثر من المتصارعين أنفسهم.
فالبلد الذي يكون نسيجه الاجتماعي مركّبا والذي تشكّل مساحته حاجزاً، يكتب عليه أن يواجه دائمًا إحتمالات العدوان الخارجي من جهة، وأن يتعايش مع مرض نقص مناعة داخلية من جهة أخرى، وبنتيجة ذلك يقع البلد المعني ضحية ثلاثية قاتلة تنهك جسده وترهق شعبه: الأرض المستباحة والسيادة المغتصبة والوحدة المهددة.
من هنا يمكن أن نفهم لماذا لم يسلم لبنان الكبير طيلة مئويته المنصرمة من الإحتلالات والغزوات والوصايات والتدخلات الخارجية. فالنسيج المجتمعي اللبناني الذي فرضته رسمة خارطة 1920 إستدعى محاصصة على صعيد الحكم بين كوكبة من المجموعات الثقافية التي ترتبط معظمها بأوصال خارجية تستمد منها أحياناً زخمًا معنويًا وأحياناً أخرى دعمًا ماديًا.
فحين تظهر عورات نظام المحاصصة في الحكم وتشعر إحدى المجموعات بغبن أو إنتقاص لحقوقها، تلجأ المجموعة «المغبونة» الى الإستقواء بامتدادها الجغرافي والمعنوي من خارج الحدود، لتوظّف هكذا إمتداد في الداخل اللبناني سعيًا وراء تصحيح الخلل في نسبة مشاركتها في الحكم.
إن الترابط ما بين المكوّنات اللبنانية وامتداداتها الخارجية لا يشكل علاقة إنتفاع من جانب واحد فحسب، فالدول الخارجية التي تجد لنفسها حليفاً في الداخل اللبناني هي أيضًا مستفيدة، تستثمر في مخاوف حلفائها، تراقبها وتغذّيها وحين تأتي ساعة الصفر تتحول هذه المخاوف الى جسر عبور يسمح لهذه الدولة أو تلك بأن تدخل الى لبنان وتتحكم به.
لن أعود بالتاريخ لسرد أمثلة عن إحتلالات ووصايات وتدخلات حصلت في لبنان، فالتاريخ القريب غني بالأمثلة التي لا تبدأ مع الغرب ولا تنتهي مع الناصرية وأبو عمار وشارون والبعثية السورية، لكن سأكتفي بمثل حالي نعيش فصوله الآن وهو زمن ولاية الفقيه في لبنان.
لا نبالغ حين نقول إن لبنان اليوم واقع تحت إحتلال الحرس الثوري الإيراني، وهو إحتلال يثبّت بشكل لا ريب فيه أن جغرافيا لبنان وديمغرافيته هما العاملان الأبرز في هشاشة هذا البلد «الحاجز» الصغير، فلولا الجغرافيا لما رأت إيران في لبنان موقعًا استراتيجيًا لها، ولولا الديمغرافيا لما وجدت مدرسة ولاية الفقيه رسلاً لها في لبنان.
ففي لبنان شيعة لم تناسبهم صيغة الحكم فيه وعلى حدود لبنان إسرائيل التي يزعم الحرس الثوري محاربتها – فكانت الفرصة الذهبية لمصدّري الثورة الخمينية: مجموعة ثقافية تبحث عن رافعة وشمّاعة «عدو» تشكّل حجة كافية.
إن مظاهر هيمنة الحرس الثوري على لبنان لا تبدأ من خلال التسلّل عبر المسارب الدينية والفقهية ولا تنتهي بإعلان قاسم سليماني حصول الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أغلبية نيابية في مجلس لبنان 2018، لا بل هذه الهيمنة باتت مترجمة على صعد الحياة اللبنانية كافة، الاجتماعية، السياسية، الأمنية والاقتصادية.
– من أين نبدأ إجتماعيًا؟ من تحريم الموسيقى في الجامعة اللبنانية؟ أو من منع قدوم غاد المالح لإضحاك الناس؟ أو من تفجير محلات بيع الكحول؟ أو من منع رقصة الدبكة في الحفلات؟ أو من التصدي لقانون منع زواج القاصرات؟ أو من إنتقاد محمد رعد للملاهي الليلية؟ أو من تحريم حسن نصرالله للأغاني لأن من شأنها «تمييع» الأمة؟
– أما سياسياً! فمن أين عسانا نبدأ بتعداد مظاهر الإحتلال الفارسي؟ من التصاريح الإستفزازية في طهران التي تقول إن لبنان أصبح محافظة إيرانية؟ أو مثلا من أداء وزارة الخارجية اللبنانية التي لم تنفك تصارع العرب نيابة عن إيران؟ أو من مجاهرة نائب «حزب الله» من داخل المجلس النيابي بأن بندقية حزبه هي التي أتت برئيس الجمهورية عون؟ (هنا لا مجال لتعداد كل الملامح السياسية لهيمنة إيران على المشهد اللبناني، فهذه الهيمنة باتت جلية على كافة الصعد وفي كل المواقف).
– أمنيًا؟ حدِّث ولا حرج! تحوَّل لبنان الى قاعدة صواريخ ومخزن نيترات ومركز تدريب لكل أصناف المرتزقة وصار مقرًا وممرًا لفصائل عسكرية مدججة تابعة للحرس الثوري! عدا عن إستخدام سكان البلد كدروع بشرية وعدا عن تحويل الجغرافيا اللبنانية الى منطلق للرسائل الصاروخية والمسيّرات التفاوضية! إضافة الى تحويل المرافق العامة اللبنانية من مطار ومرفأ الى قواعد لوجستية واستخباراتية، ناهيك عن أسفل الأرض حيث الأنفاق والمخازن والمدن العسكرية! (هل من حاجة هنا الى التأكيد بأن كل هذه الحالة العسكرية هي مأمورة ومموّلة ومحرّكة من الحرس الثوري؟).
– اقتصاديا؟ يكفي أن نتوقف عند الدعوة الى التوجّه شرقاً لنكتشف أن من يتحكم بمفاصل الحكم في لبنان (أي «حزب الله» وأعوانه) لا يخفون نيتهم تحويل لبنان الى متنفس اقتصادي لإيران بدأت ملامح تكوينه تظهر منذ أن تم إستخدام بعض المصارف اللبنانية لتبييض الأموال وما تبعها من كوارث نتيجة العقوبات الغربية.
أخيراً! لا إحتلال يدوم ولا فرص الإنقاذ معدومة! ففي لبنان شعوب حرة لا تخاف وإرادات صلبة لا تلين. الحل موجود ولو استدعى بعض الوقت ولو نُفّذ على مراحل، فالمنطقة تتحول والزمن يتغيّر وما علينا إلا أن نواكب التحولات برؤية موحّدة وبطرح جريء من دون خجل، يعالج عوارض الدولة الحاجز المتأتية من الجغرافيا وينظّم إشكالية الدولة المركّبة الناتجة عن الديمغرافيا:
-السعي الى تطبيق القرار 1559 (ولو بشكل جزئي جغرافياً في مرحلة أولى).
-العمل على إعلان تحييد لبنان أمميًا لنزع فتيل الإمتدادات المتفجّرة التي تربط المكوّنات اللبنانية بالخارج.
-إرساء نظام فدرالي يريح كل المكوّنات فتنتفي حجة الغبن التي هي أصل البلاء.
جوي لحود – قيادي في لبنان الفدرالي
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
