#dfp #adsense

قراءة في مسيرة وطن أرهقته الوصايات والإحتلالات

حجم الخط

كتب علي ياغي في “المسيرة” – العدد 1726 

يعتقد كثيرون أن موقع لبنان الجغرافي، بقدر ما هو نعمة، هو في الوقت ذاته نقمة، والذي قال عنه مترنيخ في مطلع القرن التاسع عشر إنه في «منتهى الأهمية»، وكما  قال أحدهم: «ليتك يا وطني كنت جزيرة في عرض البحر، فلا يحدك نظامان واحد طامع بأرضك، وآخر لا يعترف بك، ويعيش عقدة التاريخ المشوّه.. على الأقل يا وطني يكون البحر حدودك من كل الجهات، وفيه الخيرات والثروات..»

لعنة الجغرافيا لاحقت لبنان، فكان في عهد السلطنة العثمانية ساحة صراعات والي دمشق ووالي عكا، ودفع لبنان ضريبة توقه للتحرر من النير العثماني شهداء عُلّقوا على المشانق في ساحة البرج في السادس من آيار 1916 في بيروت. واعتبر البريطانيون في منتصف القرن التاسع عشر، أن «جبل لبنان يشكل قلعة طبيعية كبيرة قائمة بين العالمين الشرقي والغربي، وأن على بريطانيا أن تحتل سوريا الطبيعية (من ضمنها لبنان) ومصر، إذا رغبت الحفاظ على سيطرتها في الشرق، حتى أن  خطة نابليون العسكرية الاستراتيجية كانت تقضي بأن  يحتل مصر وسوريا والشرق الأدنى ليجعل منها منطلقاً لأعماله الحربية ضد الأمبراطورية البريطانية ومستعمراتها عبر البحار». وكانت الفتن والمجازر التي حصلت في بلاد الشام بتزكية ودعم من الدول الأوروبية، التي  كانت تتنافس فيما بينها لاقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض) من خلال إرسالياتها وقناصلها، ودعمت مختلف الفئات اللبنانية بالسلاح والمال للإنتفاضة ضد قوات محمد علي باشا، كما عملت في ما بعد على التحريض ضد الأتراك لقيام كيانات شكّلت مرتكزات لسياساتها ووجودها على أرض سوريا ومصر وبقية الأقطار العربية. وظهرت الأطماع والمخططات الأوروبية بأوضح صورتها من خلال معاهدة سايكس – بيكو (1916)، ثم في مؤتمر الصلح عام 1919.

تنوّعت تسمية الإحتلالات في لبنان منذ تحرره من النير العثماني، من إنتداب، الى إحتلال، الى وصاية، وصولاً الى الهيمنة. التمسيات متنوّعة ولكن النتيجة واحدة، ودائماً مصادرة القرار الوطني المركزي للدولة، والتحكم بالسياسة العامة الأمنية والإدارية .

كان (الإنتداب) الذي فرض على شعوب المنطقة، ومن بينها لبنان، تحوّل الى سلطة إستعمارية عملت على استغلال موارد الدول المنتدبة المادية والبشرية. ومع تطورات الأوضاع الدولية، واشتعال الحرب العالمية الثانية التي اندلعت عام 1939 واستمرت حتى 1945، نال لبنان استقلاله عام 1943، وشهد ولادة دولة الإستقلال، من دون أن يدرك الحكام اللبنانيون أن ذهنية الحاكم  في سوريا التي كانت نالت استقلالها عام 1944، لم تهضم قيام دولة لبنان الكبير، ولم تعترف بنهائية هذا الكيان، وكانت مواقف وتصريحات حكام سوريا من خالد العظم، وصولاً لعبد الحليم خدام في عهد البعث، تكشف نوايا العقلية السورية الحاكمة تجاه الوطن اللبناني، وكان لبنان ساحة للتدخلات السورية الأمنية والعسكرية، خاصة في زمن الوحدة السورية المصرية، برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر،  فكان الضابط السوري عبد الحميد السراج يتدخل في الشؤون السياسية اللبنانية، وفي الشاردة والواردة، ويقف وراء التصفيات والإغتيالات في لبنان، ولعل أبرزها إغتيال الصحافي نسيب المتني عام 1958، والذي كان اغتياله الشرارة التي أطلقت أحداث 1958، ومنها اغتيال القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في عام 1959. حتى كان حكم البعث في سوريا، لتتخذ التدخلات السورية أشكالاً مختلفة، تجلّت في الدخول العسكري السوري الى لبنان عام 1976. ومن التدخل السوري، الى الإحتلال الإسرائيلي عام 1982، الذي صادر جنوب الوطن، وبعض نواحي بقاعه الغربي، وكأن التاريخ عاد الى الوراء ليكون لبنان ضحية والي دمشق ووالي عكا .

بعد الإطاحة برئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون، وتوقيع وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، تكرّست سيطرة سوريا على لبنان في ظل إعادة ترتيب المشهد الدولي، بعد الإطاحة بحكم البعث، وبالرئيس صدام حسين في سوريا، وتحضيراً لعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. واستغل النظام السوري هذه الإنعطافة الدولية، وأمعن في تدخلاته في الحكم، والإدارة، والسياسة والنقابات والأحزاب، والجمعيات في لبنان، وصار القرار اللبناني السياسي والأمني والعسكري يصدر من مقر الحاكم العسكري في عنجر، صار الوجود السوري (إحتلالاً أخوياً)، وجرى تجميله بكلمة (وصاية) ، واستمرت النضالات الوطنية في لبنان بوجه هذه الوصاية، حتى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وخروج الجيش السوري من لبنان.

إنسحب الجيش السوري من لبنان، بعد انتفاضة الإستقلال في 14 آذار 2005، وكان حلم كل لبناني بعودة الدولة الشرعية بكامل مؤسساتها، وتحقيق الحرية والسيادة والإستقلال، وكانت الدعوات لسحب السلاح غير الشرعي خاصة بعد تحرير الجنوب والبقاع الغربي، والعمل على تكريس دولة القانون والمؤسسات، لكن هذه الدعوة جوبهت بمعارضة «حزب الله»، الذي أصر على اعتبار سلاحه سلاحاً مقاوماً للعدو، متمسكاً بثلاثية الشعب والجيش والمقاومة، وزاد من تعقيد الأمر عندما بات هذا السلاح إشكالية وطنية، وفتيل حرب أهلية، وسبباً لهيمنة مقنّعه على قرارات الدولة، وتوسّع نفوذ «حزب الله» في لبنان، مستفيداً من دعم إيراني مالي وعسكري ومعنوي، وتباهى المسؤولون الإيرانيون في تصريحاتهم أن عواصم عربية عدة صارت تحت سيطرتهم من بيروت الى دمشق وبغداد وصنعاء.. فبات لبنان بطريقة غير مباشرة تحت وصاية المحور الإيراني، ومعه بات على الشعب اللبناني اليوم أن يواصل نضالاته حتى تحقيق السيادة الحقيقية للبنان من خلال تطبيق القرارات الدولية واعتماد الحياد الإيجابي، وتحرير القرار الرسمي اللبناني، وإقامة دولة القانون والمؤسسات في ظل سلاح شرعي وحيد هو سلاح الجيش والقوى الأمنية، وألا يبقى لبنان كما وصفه الراحل الكبير غسان تويني ساحة لصراعات الآخرين.

علي ياغي – إعلامي

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل