.jpg)
إنّ النّضال، بمعنى المواجهةِ لاستقامةِ وَضعٍ أَضناه الشّذوذُ والظّلم، ليسَ مُبتَكَراً بقَدرِ ما هو حالةٌ تُجَدَّدُ بجرعةِ إنعاشٍ عندما يشتدُّ ساعِدٌ لقضيّةٍ تدفعُ، تلقائيّاً، الى مبايعتِها، والذَّودِ عنها، لأنها، في قناعةِ أصحابِها من سُلالةِ الحقّ. من هنا، ارتدى النّضالُ نَفَسَ الالتزام، وتُرجِمَ بأَوجُهٍ متعدِّدةٍ تَكفلُ، جميعاً، الوفاءَ بروحٍ مُلتَهِب، وصلابةَ الصّدقِ، والاحتشاد للهِمَّةِ، والثَّباتَ للدّفاعِ، أيّاً يَكُنِ الثَّمَن.
في مواسمِ شِحِّ المُجابهة، ما وفَّرَ مَرتعاً خصباً لارتكاباتٍ وِبائيّةٍ، عَيِّناتُ فضائحِها متوفِّرةٌ ولم تَنفقْ بعدُ، أدّتِ استباحةُ سُحناتِ بَطانةِ السّوءِ للسلطةِ، والسلطةُ شَكليّةٌ في الحقيقة، الى تحويلِ البلادِ بيئةً حاضنةً للفسادِ، مُشَلَّعةَ الكرامة، مُزَعزَعَةَ الكيان. وكان لا بُدَّ من ” تَجنيسِ ” النّضالِ، لتعزيزِ وجودِ الوطن، مُعطىً مقدَّساً، ثابتاً ونهائيّاً، مرفوضاً تَعَرُّضُهُ للمراجعةِ، والنّقدِ، والتّقويم، أو إخضاعُهُ للنسبيّةِ أو للشكّ. وهذا ليسَ موقفاً سياسيّاً، بقَدرِ ما هو احتكامٌ لمبادئَ إيديولوجيّةٍ، مُتعارَفٍ عليها في القاموسِ السياسيِّ الدّوليّ، ومن شأنِها أن ترسّخَ الشّعورَ بالانتماء الى أرضٍ، وتاريخٍ، وثقافة، وأن تحسمَ مفهومَ الوطنِ على أنّه فلسفةُ وجودٍ وبَقاء.
عندما نقرأُ ما يحصلُ، عندَنا، وما يحصلُ مُعلَنٌ سافِرُ الوَجه، يجدرُ بنا أن نتحسَّسَ رِقابَنا، فالإِعدادُ لتشكيلِ واقعٍ مستقبليٍّ خطير، ذي توجّهاتٍ مشبوهة، لن يتركَ لرقابِنا استمرارَ وجودِها فوقَ أكتافِنا. من هنا، لا يُطلَبُ من واحدِنا، في بدايةِ الأمر، سوى إِتقانِ القراءة، فالقضيةُ ليسَت، إطلاقاً، المطالبةَ بالحقوقِ، والمَضِيَّ الى المثالثة، وتمريرَ قوانينَ تصبُّ في مصلحةِ فريقٍ دونَ آخر… فهذه مسائلُ تفصيليّةٌ يمكنُ معالجتُها في مؤتمرٍ، أو لقاءٍ قياديٍّ، أو اتّفاقات. أمّا غائيّةُ التحرّكِ المؤامراتيّ فهي وّضعُ اليَدِ، بالكامل، على الوطنِ، والدولةِ، والحكمِ، والقرار، والمؤسّسات، ومهما تكلَّفَ المتآمِرُ التَّمويهَ، والزّخرفةَ، وتغطيةَ خطّتِهِ بشِعارِ السِّلمِ الأهليّ، يبقى الباطنُ جليّاً وهو فَرضُ نموذجٍ هجينٍ يقضي على الحيثيّةِ اللبنانيّةِ برمَّتِها.
في تاريخِ الشّعوب، لا يلوِّنُ حلمَ التّرابِ بالأَمل إلّا النّضال، ولا نجدُ ملامحَ العملقةِ إلّا بالتّلازمِ معه، ولا يتمُّ نهوضُ الأُمَمِ إلّا به. أمّا مَنْ بدأَ منَ القاعِ، وبَقِيَ فيه، فهو الذي لم يعرفْ أنّ النّضالَ، وحدَه، يشكّلُ اللَّحظاتِ النادرةَ في مواسمِ الكرامة. واستناداً، ينقسمُ عصرُ لبنانَ، ماضِياً وحاضراً، الى مراحلَ كان الحَيِّزُ النضاليُّ فيها سائداً، ومراحلَ أخرى كان عنوانُها الخُنوعُ والاستكانة، فعندما كان الشّعبُ يتصالحُ مع كرامتِهِ، ويُدمِنُ المواجهةَ حتى الاستشهاد، كان الخوفُ يلسعُ أعداءَه، وخُصومَه، الى حدِّ نُضوبِ الدمِّ في شرايينِهم، فيحسبون ألفَ حسابٍ قبلَ اتّخاذِ قرارِهم بالوقوفِ في وجهِه، وعندما كان الشّعبُ يلوي جبينَه، دميةً سريعةَ التَّطبيعِ، ويطأطئُ هامتَه أمامَ هَمَجِ ثقافةِ الموت، كان يدخلُ في الزمنِ الرّديء، مسحوقاً يتَمتِمُ مراثيَ اليأس، وتعبرُه أنيابُ أغلالِ الذلّ.
في كلِّ مرةٍ تبدأُ أسبابُ النّضالِ تضطرمُ في كيانِ شعبِنا، ووجدانِه، لينتفضَ في وجهِ الظّلمِ، والقهرِ، والوصايةِ، والتبعيّة، ويتمرّدَ على الخضوعِ، وعصرِ الظلام، والعبوديّةِ، والتّهميش، كان يُخَيِّبُ أهدافَ الذين يريدون المتاجرةَ بكرامتِه، وسجنَ حريّتِه في أقبيةِ العجزِ، والزَّحف، وحَفرَ أثلامِ العارِ في صدرِه. كان يناضلُ، مستبسِلاً، حتى لا يُصبحَ وَقفَ الشّيطان، ويلحسَ اليباسُ من دَمِه، ويطمرَه الشَّوك، فالنّضالُ هو المقياسُ الأوحدُ لتصنيفِ الشّعوبِ في رفعتِها أو انسحاقِها، وهو الطّعنةُ القاتلةُ للمُتَلَطّينَ خلفَ شعاراتٍ يدّعونَ بأنّها الحقيقة، والحقيقةُ منها بَراء. وحدَه النّضالُ غيرُ القابِلِ للتّراجع، وبأيِّ شكلٍ كان، مُسَلَّحاً أم ثورةً جماهيريّةً سِلميّةً أم حراكاً ضاغِطاً على أصحابِ القرارِ، داخليّين أو خارجيّين، أم مشاركةً في الاستحقاقات المصيريّة، ينجّي البلادَ من باهتِ قيمتِها، وأهلَها من تهشيمِ وجودِهم الحرّ. أمّا إلقاءُ سلاحِ النّضال، فهو انكفاءٌ عن الانتصار للوطنِ، وحقوقِ شعبِه، وتَبَرُّعٌ مجّانيٌّ لهيمنةِ الاستقواء المُفَسِّخِ للكيان، وتَقاعسٌ مُذِلٌ يرمي بلبنانَ في دائرةِ النّار، ويفتحُ، له، بابَ الجحيمِ الذي يقودُه قراصنةُ التسلّطِ، وبرابرةُ الانحطاط.
أيّها النّاس، احذَروا من أن تُلقوا سلاحَ النّضالِ من أيديكم وقلوبِكم، فالجبانةُ تُغَوِّصُكم في محرقةِ الاستسلام، ولا تتوارَوا من أمامِ المواجهة، فذلك يُجبرُكم على توقيعِ عقدٍ أبديٍّ مع الذلّ، وتعلَّموا من تاريخِكم المجيدِ الذي سطَّرَ، بقدسيّةِ الشّهادة، وبالعنفوانِ الشّهم، وبنضالِ الأبطال، أَسطَعَ صفحاتِ المجد. إنّ شكلَ النّضالِ، اليوم، هو الخروجُ من الجمودِ الصَّنَميِّ الى إلزاميّةِ المشاركةِ الكثيفةِ في الانتخابات النيابيّةِ، اقتراعا، ونشاطاً، ودَعماً لقضيةِ الحقّ بالسيادة، ما من شأنِهِ أن يجهضَ مؤامرةَ تشويهِ الوطن، وأن يصحِّحَ مسارَ الحكمِ فيه.