
كتب يوسف مرتضى في “المسيرة” – العدد 1726
غني عن القول إن الوصاية السورية على لبنان بعد اتفاق الطائف قد تركت بصمات نظامها ذي الطبيعة الأمنية التوتاليتارية على الحياة السياسية فيه، وجعلته يتماهى مع طبيعته لمدة خمسة عشر عاماً، وبلغ النظام الأمني المشترك في لبنان، الذي ترافق مع تعطيل الحياة الدستورية ونظام فصل السلطات فيه ذروته في عهد الرئيس إميل لحود.
كان من نتائج الزلزال الذي أحدثه إغتيال الرئيس الحريري في الرابع عشر من شباط عام 2005، خروج القوات السورية من لبنان الذي سبقه صدور قرار مجلس الأمن الدولي 1559، المعطوف على ما ورد في اتفاق الطائف حول حل الميليشيات ونزع سلاحها.
ذاك القرار الذي استثنت الوصاية السورية منه «حزب الله» بصفقة سياسية، مالية ونفطية مع السلطات الإيرانية، أخذت مسارها الحيوي مع تولي السيد حسن نصرالله الأمانة العامة لـ«حزب الله» في العام 1992 مكان السيد عباس الموسوي، والذي لا يزال يشغل هذا الموقع حتى يومنا هذا خلافاً لما ينص عليه النظام الداخلي للحزب، الذي ينص صراحة على تولي الأمانة العامة لدورتين متتاليتين فقط مدة كل منها أربع سنوات.
منذ ذلك التاريخ أُطلقت يد «حزب الله» دون سواه في العمليات ضد قوات الإحتلال الإسرائيلي في ما كان يُسمّى بالشريط الحدودي، برعاية وإشراف وتوقيتات سورية منسقة مع الأجهزة الأمنية اللبنانية بعدما كفَّت يد كل أحزاب وقوى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية لرفضها الإنصياع للإدارة السورية للعمليات. ومنذ ذلك الحين اتضحت أبعاد ووظيفة «حزب الله» ودوره في لعبة التوازنات الإقليمية بناءً على الصفقة السورية – الإيرانية. والحاجة لمتابعة «حزب الله» دوره هذا برعاية سورية وتوافق سوري – إيراني، جرى ابتداع حجة إحتلال إسرائيل لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا الخاصعة أصلاً للسيادة السورية منذ العام 1957، والتي كلّف بإخراجها توبوغرافياً اللواء جميل السيد إثر الإنسحاب الإسرائيلي من الشريط الحدودي في العام 2000، ما يُبقي ذريعة المقاومة قائمة وتوظيفها في خدمة محور إقليمي تصدّرته إيران بعد الإجتياح الأميركي للعراق عام 2003، وبعد وراثة بشار الأسد للسلطة واستتباع إيران لسوريا في عهده.
إن ميزان القوى الذي نشأ بانفجار ثورة الأرز في الرابع عشر من آذار العام 2005 وفرض على القوات السورية الخروج من لبنان في 26 نيسان من ذات العام، كان بإمكانه أيضاً فرض تنفيذ إتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن الدولي 1559 بحل ميليشيا «حزب الله» ووضع سلاحها بإمرة الدولة والإنتقال من نظام السلطة الأمنية إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية وفق ما نص عليه دستور إتفاق الطائف.
غير أن تخلّف الأحزاب التي سيطرت على قرار الرابع عشر من آذار عن حمل مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات وفق دستور إتفاق الطائف، وجنوحها نحو تأمين مصالحها الفئوية تحت ستارة المحافظة على بدعة الميثاقية، واندفاعها بحجة ذلك إلى الإنخراط في التحالف الرباعي، الأمر الذي أعاد تعويم «حزب بالله» من دون شروط، وأوقع لبنان مجدداً تحت وصاية «حزب الله» نفسه، كوريث واقعي للوصاية السورية، متسلحاً بتفاهم مار مخايل مع الجنرال عون، ومدعوماً من المحور السوري – الإيراني.
ثم بقوة السلاح وغطاء تفاهم مار مخايل وطغيان أولويات الحسابات الحزبية والفئوية عند أفرقاء الرابع عشر من آذار، فرض «حزب الله» معادلته الجديدة «الحكومة التوافقية»، في إتفاق الدوحة عام 2008 إثر «اليوم المجيد»!! وبعد استباحته أمن العاصمة وقتل أهلها. تلك المعادلة التي أطاحت بمفهوم الديمقراطية القائم على قاعدة أكثرية تحكم وأقلية تعارض، طيّرت معها مفاعيل الأكثرية التي حققتها 14 آذار في العام 2009.
ولإنعاش الذاكرة كان «حزب الله» أيضاً قد فرض معادلته الذهبية الأولى «جيش، شعب، مقاومة»، في بيانات حكومات ما بعد 2005.
وهكذا منذ ما بعد 2005، وبشكل أدق منذ ما بعد حرب تموز واتفاق مار مخايل عام 2006، يمسك «حزب الله» بزمام إدارة البلاد ويحدد أولويات أجندتها، ويقدّم أمينه العام نفسه مرشداً للجمهورية اللبنانية، وهو الذي بات يحتل صفة القدسية عند محازبيه ومؤيده في الطائفة الشيعية الكريمة. من هذه الوضعية تمكن «حزب الله» بعد سنتين ونصف من تعطيل المؤسسات الدستورية أن يفرض انتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية، وساعده في ذلك تفاهمات جعجع – عون والحريري – عون. وعلى ما أعتقد أنه ما كان يمكن لـ»حزب الله» أن يحتل هذا الدور لولا توفّر أربعة عوامل صبت جميعها في خدمة مشروعه وهي:
الأول: تمثّل بفرط عقد قوى 14 آذار، وبالتالي فقدان القوة السياسية والشعبية صاحبة مشروع بناء الدولة تحت سقف الدستور.
الثاني: توقيع تفاهم مار مخايل بين عون نصرالله، الذي شكل غطاءً مسيحياً ودستورياً لمشروعه.
الثالث: توفّر الميزانية المالية الضخمة للحزب من قبل إيران وعبر هياكله التنظيمية، ومن خلال نفوذه في الإنتشار اللبناني في تبييض الأموال وتجارة المخدرات.
الرابع: تسلّحه بعامل إيديولوجي ديني يربط بيئته بمعتقدات تتصل بأمور الدنيا والآخرة «التكليف الشرعي»، هذا إلى جانب شعور جمهوره ومعظم أفراد بيئته بفائض القوة بفعل ما خاضه الحزب من معارك في الداخل والخارج، ونجاحه بإظهار سطوته في الداخل بفعل ضعف وتشتت القوى المواجهة له.
وما تجدر الإشارة إليه، هو أنه ليس لـ»حزب الله» مشروعه الخاص بلبنان، فمشروع «حزب الله» هو مشروع أممي، شأنه شأن التيارات الشيعية في العالم التابعة لولاية الفقيه في إيران، التي تكرّس مجهوداتها من أجل تمدد المشروع الشيعي بقيادة إيرانية تمهيداً لظهور الإمام المهدي المنتظر الذي سيقود العالم فيسود فيه العدل والقسطاس في عهده. بمعنى آخر، لا معنى لحدود الدول والكيانات في إيديولوجية الحزب، وهي عقيدة ميتافيزيقية، تتشابه إلى حدٍ كبير بهذا المضمار مع العقيدة الشيوعية المادية.
من هذه الخلفية لا يعير «حزب الله» أي أهمية لقواعد القانون والدستور إلا ما يمكن توظيفه في خدمة دوره المحلي والإقليمي، ولأن لبنان بالنسبة إليه ساحة ومنصة، انخرط في حروب الإقليم تنفيذاً لأجندات مركز الثورة الشيعية في طهران وفرض عزلة عربية ودولية على لبنان، وتسبب بالكثير مما يعانيه اللبنانيون اليوم من أزمات اقتصادية ومعيشية.
كيف أرى السبيل لإخراج لبنان من أزماته المستفحلة ووضعه على سكة الحل المستدام لبناء الدولة الكاملة الأوصاف فيه؟
بالطبع ليس بشعار رفع الإحتلال الإيراني عن لبنان، لأن في ذلك توصيفاً غير واقعي من جهة، ولأن اعتبار البعض أن «حزب الله» هو أداة هذا الإحتلال ويتوجب قبعه بالمقاومة، كمقاومة أي إحتلال، يكون قد وضع نفسه بمواجهة بيئة «حزب الله» التي ستتحول إلى متراس للدفاع عنه من جهة أخرى .
من هنا أزعم أن مواجهة هيمنة «حزب الله» على السلطة ومصادرته لدور الدولة ومؤسساتها ورهنه لمشروع إيران الإقليمي والدولي تمر عبر:
١-إلتزام القوى صاحبة المصلحة بوجود دولة قانون ومؤسسات ديمقراطية تعددية، سيدة وعادلة، العمل على تنفيذ مندرجات الدستور من دون إستنسابية أو اجتزاء، ولا سيما المادة 22 من الدستور، التي تنص على نظام المجلسين، مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ تتمثل فيه جميع المكوّنات الطائفية بالتساوي ويناط به البت بجميع القضايا ذات البعد الوطني. وكذلك تنفيذ المادة 95 من الدستور، بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة.
٢-قيام جبهة سياسية متراصة من القوى صاحبة المصلحة ببناء دولة القانون بالعمل على إقرار القوانيين الضامنة لاستقلالية القضاء، وكذلك القانون الذي يولي المجلس الدستوري حصراً تفسير الدستور.
٣-النجاح في الأخذ بالبندين السابقين يؤمن الأرضية الصلبة لدعم دولي وإقليمي لتنفيذ القرارات الدولية التي تتعلق بالسيادة والإستقلال وبسلاح المليشيات من جهة، ويمكّن الدولة اللبنانية من الضغط إقليمياً ودولياً لتحييد قضية لبنان عن مسارات الصراع الإقليمي والدولي تالياً.
ويقيناً لو انتهجت قوى 14 آذار هذا المسار منذ العام 2005، لما وقعت البلاد فريسة بيد «حزب الله» بعد الخروج العسكري والأمني السوري من لبنان وبعد انفراط عقد الـ»س – س». إن وجود الدولة المكتملة العافية والأوصاف، يلغي بالتأكيد الأورام السرطانية في أحشائها. أما التمسك بالمحاصصة الطائفية تحت حجة الميثاقية، فيقوي «حزب الله» ويولّد أمثاله في بيئات آخرى ويبقي لبنان كياناً مهزوزاً إلى ما شاء الله، وبحاجة لوصي يأمر وسلطة مطواعة ومطيعة تنفّذ.
يوسف مرتضى – كاتب وإعلامي
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]