Site icon Lebanese Forces Official Website

“اتفاق القاهرة”… هل تتذكرون؟

تتشكل قبل اقل من شهرين من الانتخابات النيابية حالة “متطورة” من تعقيدات إضافية متصلة بكارثة الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي التي انفجرت “رسميا” مع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 بحيث يصعب تماما التكهن بما قد تفضي اليه تباعا من تفاعلات سلبية حتمية. اذ ان المواجهة التي عجزت الحكومة عن احتوائها بين بعض القضاء والمصارف مرشحة لان تتحول نزاعا مستداما ليس إلى ما بعد الانتخابات النيابية فحسب بل إلى ما بعد نهاية العهد العوني أيا تفضي اليه هذه النهاية من سيناريوات أسوأها محاولات التمديد لعهد الانهيار او الفراغ الرئاسي مجدّداً. وربما لا يضع حدا للتفاقم التصاعدي في هذه المواجهة سوى صدمة إيجابية كبيرة ولكن لا أوهام حالياً في الرهانات العاجلة عليها اقله قبل إتمام وإنجاز الانتخابات النيابية من نوع التوصل إلى اتفاق شامل بين الحكومة الحالية او التي يفترض ان تخلفها بعد الانتخابات وصندوق النقد الدولي وليس أقل من ذلك.

لذا تضيق الخيارات تباعا كلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي كما تكبر دائرة السيناريوات الخطرة من مثل التفلت الذي يمكن ان ينشأ عن خروج المواجهة القضائية – المصرفية عن الإطار القضائي والقانوني الصرف وتفجير تداعيات اجتماعية من شانها ان تضع البلاد برمتها امام واقع اهتزازات أمنية واجتماعية لا تنتهي. والحال ان هذا الواقع بات من الخطورة الصاعدة بحيث يتجاوز المخاوف المنطقية التي يبديها الحرصاء على حصول الانتخابات في رهان شبه وحيد على تغيير يحمل نفحات امل ولو ضعيفة بكسر وطأة الأكثرية النيابية والسلطوية الحالية التي تتحمل وحدها واقعيا مع العهد نسبة ساحقة من تبعات الانهيار مهما تفنن بعض رموزها واقطابها وقواها في رمي كرة ما اقترفوه على خصومهم سابقا وحاليا . ذلك ان من الدلالات البالغة الخطورة للنزاع القضائي – المصرفي ان يؤدي مثلا إلى تبادل غير مسبوق في الضربات والتداعيات سواء في جولات تضييق الخناق على المصارف او في اتساع دائرة الاقفالات والإضرابات المفتوحة بحيث يتحول المودعون مجددا رهينة فاقدة الوسائل تماما في رد مزيد من الضربات عنها كما ان يفتح النزاع الباب على الغارب في انهيار مصارف بعينها داخليا وعبر فروعها الخارجية . بذلك سيكون النزاع فتح المرحلة الثانية الأشد خطورة من الانهيار التي لا نعرف بعد كيفية تجنبه ما دام الاستهتار او العجز او التواطؤ او التآمر او الاهتراء بلغ بالبلاد هذه الحدود بسبب تخلف مجلس النواب الحالي الميمون عن تشريع قانون واحد اسمه قانون “الكابيتال كونترول”!

انها من اغرب سمات بلد أدمن السقوط في المقاتل والمؤامرات ان نضطر إلى استعادات التاريخ لمقاربة تاريخ الكوارث والحروب والان الانهيارات بميزان المقارنات بين كل تجربة مدمرة وأخرى. ولا نغالي ان توغلنا إلى تجربة اتفاق القاهرة المشؤوم الذي ظل سرا حتى على مجلس نواب الذي صمت ولم يتحرك ولم يحاسب في ذاك الزمن في نهاية الستينيات من القرن الماضي إلى ان فجر الحرب اللبنانية – الفلسطينية واستتباعا الحرب الاهلية اللبنانية واستباح لبنان للاجتياحات والوصايات. “نستعير” فقط تجربة اتفاق القاهرة لنتساءل هل يدرك مجموع الطبقة السياسية في السلطة والبرلمان الحاليين مدى الخطورة التي تتحملها والتي ستتحملها تباعا وامام التاريخ بفعل التعمد في عدم اصدار تشريع يحمي البقية الباقية من ودائع الناس كما يحول دون انهيار المصارف؟ ولماذا تسليط الاتهامات على قطاعات واشخاص فيما “المؤسسة الأم” محيدة عن هذه الجريمة؟السوريون واللبنانيون بالكثير من سياط الشماتة هذه الأيّام، وسيمضغون الكثير من مرارات الواقعية السياسية القاسية عليهم، بسبب ما ذاقوه طوال عقد من التوحّش الاستثنائي، الذي أطلقته أزمة سوريا.

فبشّار الأسد يستأنف عودته إلى الحضن العربي من أبوظبي، محمولاً على تفاهمات مصرية وأردنية وعراقية وإسرائيلية وربّما تركية.

خطاب الانتصارات الممانعاتيّة، سيقرأ في الانفتاح العربي على بشار الأسد فتحاً مبيناً للممانعة وخطابها ومشروعها.

عودة العرب إلى سوريا هو الخيار المرّ الوحيد المتاح لمحاولة تحرير دمشق (وبيروت) من الهيمنة الإيرانية التامّة

الكثرة الكاثرة من الانتصاريّين ترى في بقاء الأسد على رأس النظام دليلاً قاطعاً على هذا الانتصار. وفي ذلك اعتراف ضمنيّ بأنّ مقاييس العظمة بالنسبة لهذا العقل الانتصاري الممانع لا تتعلّق بأحوال البشر بل بأحوال النظام نفسه الذي عادة ما يتقلّص إلى حدود شخص بعينه. بهذا المعنى انتصر بشار الأسد. وانتصاره مرّ على كثيرين لم يحلموا بأكثر من بلاد ترقى فيها كرامة الإنسان إلى مرتبة أرفع قليلاً من الحيوانات، كما صدح صوت مواطن مسحوق يوماً ما وملأ الشاشات بشعار: “أنا ماني حيوان”!.

سيحتفل الانتصاريون بانتصاراتهم. بيد أنّ الحقيقة في مكان آخر تماماً.

في سوريا اليوم خمسة احتلالات جدّيّة. احتلال إسرائيلي، احتلال روسي، احتلال تركيّ، احتلال أميركي، واحتلال إيراني عبر الميليشيات المذهبية، ولا سيّما حزب الله. وفي سوريا أيضاً يعيش 83% من السكان تحت خط الفقر، ويتهدّد الجوع 60% من السوريين بسبب تضخّم أسعار السلع الغذائية، في حين أنّ وقود التدفئة والاستهلاك المنزلي والنقل بات من النوادر.

منذ انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، وما تلاها من تدخّلات خارجية، خسرت سوريا الأسد أعزّ ما لديها من رأسمال سياسي بناه حافظ الأسد. البلد اللاعب صار البلد الملعب.

كلّ تعامل مع سوريا هو تعامل معها بصفتها ملعباً. “الصراع على سوريا”، بحسب العنوان الشهير لكتاب باتريك سيل، هو صراع مستمرّ الآن على سوريا كورقة في لحظة تنازع إقليمي وإعادة تشكُّل دولي شديدة التعقيد والغموض.

من توقيت الاستقبال في أبوظبي، إلى شكله الخالي من أيّ نوع من أنواع الفخامة والبهرجة (قارن مع استقبال الرئيسين التركي والإسرائيلي مثلاً)، يمكن الاستنتاج أنّ الباب المفتوح أمام الأسد هو اختبار دقيق وامتحان متعدّد المحطّات، وله أهداف تتجاوز سوريا نفسها، إلى شكل المنطقة المقبلة، وتوازناتها واصطفافاتها، ما بعد الاتفاق النووي الإيراني المرتقب، وما بعد حرب أوكرانيا وإفرازاتها وما بعد الاشتباك المتصاعد بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الشرق الأوسط، بمن فيهم إسرائيل.

اُختُبرت محاولات فصل سوريا عن إيران كثيراً قبل ذلك، وباءت كلّها بالفشل، في عزّ الحضور العربي في دمشق.

تتمّ إعادة التجربة الآن في ضوء وقائع مختلفة، على رأسها اتفاق السلام الإبراهيمي بين إسرائيل وكلّ من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، واحتمال جذب سوريا نحو شيء مشابه. وتتمّ أيضاً في ضوء سوريا محطّمة، تحتاج إلى مَن ينتشلها من القاع الصفصف الذي أوصلها إليه التوحّش الايراني ثمّ الروسي وبلاهة السياسة الخارجية الغربية، ولا سيّما الأميركية، التي تحتجّ على قتل السوريين بالبراميل المتفجّرة والأسلحة الكيمياوية ولا تمانع موتهم البطيء..

انتهت سوريا ثورةً ونظاماً، وبقي الأسد تحقيقاً للشعار الشهير: “الأسد أو نحرق البلد”.

عودة العرب إلى سوريا هو الخيار المرّ الوحيد المتاح لمحاولة تحرير دمشق (وبيروت) من الهيمنة الإيرانية التامّة، وتعطيل تحويل سوريا الإيرانية إلى منصّة عدوان مستمرّ على الأمن القومي العربي.

النجاح في ذلك غير مضمون، بل إنّ حظوظ الفشل أكبر بما لا يقاس. هكذا علّمتنا التجربة والسيرة الأسديّة.

نجح العرب في العراق حتى الآن، وبات مصطفى الكاظمي يشكّل عنواناً لعراق مستقلّ وغير معادٍ لإيران. نجحوا في اليمن في صدّ آخر الهجمات الإيرانية في مأرب، ومنعوا إسقاط اليمن بكامله، وها هم يأتون بالحوثيّ إلى طاولة التفاوض والحلّ السياسي كما كان الموقف الخليجي منذ اليوم الأوّل.

لعلّهم في سوريا يستطيعون إدخال مكوّن عربي على مكوّنات الحلّ، ويضمنون صوتاً عربياً على الطاولة إلى جانب إيران وروسيا وتركيا وإسرائيل وأميركا. كلّ الخيارات الأخرى هي دعوة للسوريين إلى حفلة موت بطيء ومعزول

Exit mobile version