#adsense

التّشرذمُ صَكُّ تمليكِ الوطن للمنفى

حجم الخط

” فَرِّقْ تَسُدْ ” لطالما كان شِعارَ العثمانيّين، بل إستراتيجيَّتَهم، خلالَ انتدابِهم لبنانَ والمنطقةَ منذُ معركةِ مَرج دابِق وحتى آخرِ الحرب العالميّةِ الأولى، بمعنى نشر الخلافاتِ، والكراهيةِ، والشّرذمةِ، بين أبناءِ الوطنِ الواحد، والصفِّ الواحد، والمذهبِ الواحد، الى حَدِّ تأجيجِ الحقدِ، والتَّناحرِ، والتّقاتلِ في ما بينهم، ما يُفسحُ في المجالِ للسّلطنةِ بأن تُحكِمَ قبضتَها على الشّعوب، وتُمَتِّنَ ديكتاتوريَّتَها المتسلِّطةَ ليدومَ طُغيانُها.

والفِرقةُ الشَّنيعةُ النّتائج، إمّا أن تكونَ مقصودةً من جانبِ القَيِّمين على الحكمِ، يؤجّجونَ النَّعراتِ، والتّأليبَ، بشكلٍ مُمَنهَجٍ، ما يؤدّي، حتماً، الى التَشَتُّتِ، والصِّراعِ، والعداوةِ، وعدمِ الإئتمانِ، والتَفَكُّك، وهذه من شأنِها أن تُضعِفَ الفريقَ المُناهضَ لسلطةِ الطُّغاة. وإمّا أن تكونَ الفِرقةُ من داخِل، أي من صميمِ الصفِّ الواحدِ، أو المِلَّةِ الواحدة، بسَبَبِ الحقدِ، أو الوصوليّةِ، أو المصالح، أو الإنتقام، ما يسمحُ للشّروخِ بالتغلغلِ في الحيثيّةِ المُعارِضة، فيتفسّخُ نسيجُها، وهذا سلوكٌ مُدَمِّرٌ، بالطَّبع، لأَيِّ أملٍ بالتَّغييرِ، والوصولِ الى كَنفِ السيادةِ، وصَونِ الكرامة.

في أيّامِنا الدّقيقةِ الخُطورة، وعلى أبوابِ استحقاقٍ مفصليٍّ هو الإنتخاباتُ النيابيّة، نستمعُ الى تصريحاتٍ، وخطابات، ونقرأُ بياناتٍ وبرامجَ، تصدرُ عن هيئاتٍ متعَدِّدةٍ، تُطلِقُ على نفسِها لقبَ المعارضة، أو الثورة، أو الحِراكِ التَّغييريّ، أو المجتمع المدني، وهذا حقٌّ مُسنَدٌ بمبادئِ الديمقراطيّةِ، وحريّةِ التّعبير. للوهلةِ الأولى، نظنُّ بأنّ مَواقفَ هؤلاءِ المُعارِضين، جميعاً، سوفَ تُرشِدُنا الى هدفٍ واحدٍ هو مواجهةُ مافيا السّلطةِ، والمُعتَدينَ على سيادةِ الوطن، وجماعةِ التّآمرِ على الكيانِ، والهويّة، ولذلك، نتوقّعُ بأنّهم سوف يوحّدونَ أنشطةَ المجابهةِ، ويجمعون القُدُراتِ، للوصولِ بالوطنِ الى ضفّةِ المَنجاة، والتّعافي. وهذا، بالذّات، يُرضي فينا الرَّجاءَ بالتخلّصِ من الذين نكَّلوا بالبلادِ وبأهلِها، حتى الفقرِ والجوعِ والهجرة، فنتهَلَّلُ فَرَحاً. لكنّ حامِلي ألقابِ مواجهةِ مُرَشَحّي السّلطةِ ومَن يدورونَ في فَلَكِها، لا يتأخّرون في رَفعِ الحجابِ عن مآربِهم، فيبدو، لنا، باطنُهم العَفِنُ، المُشَوِّشُ، المريض، الذي ينزفُ حقداً، ووصوليّةً، وتنكشفُ مناوراتُهم الخبيثةُ التي تنأى، كليّاً، عن مواجهةِ الفساد، وكأنّ “جهنّمَ” لم تَعُدْ تلكَ التي أوصلَنا الى قَعرِها الحكمُ المُجرِم، بل يطلقونَها، زوراً، على الذين يشارِكونهم في المعارضة، لكنّهم يختلفونَ وإيّاهم في ” التّاريخِ “، أو ينافسونَهم في إمكانيّاتِ الوصولِ الى المجلسِ النيابيّ، أو…

ما يُؤلمُنا، أنّ فَحيحَ الحقدِ، وصوتَ المصلحة، اللَّذّين يُؤَبِّدانِ الوطنَ في الحالِ الرّديئة، سوفَ يُرغِمان الشّعبَ الذي آمنَ بأنّ الإنتفاضةَ الثوريّةَ هي الخلاص، على دَفعِ الثّمنِ الباهظِ، والبقاءِ في زمنِ الشَّوكِ والوَحل. وما الحقدُ والمصلحةُ سوى طعنةٍ لأَملِ النّاس، وانتحارٍ سافرٍ على مذبحِ الأنانيّةِ والبَغضاء، وإجهاضٍ لخلاصٍ موعود، وما عددُ الذين سوف يُسقِطُهم “رصاصُ ” ما يُسَمّى الثورة، إلّا أضعافَ ما كان يُمكنُ أن يُسقطَهم “رصاصُ ” مؤامرةِ السّلطةِ ومَن يتربَّصون بالبلادِ شرّاً.

لم نَعُدْ ندري لماذا يعلو ضجيجُ المصلحةِ على نداءِ النّضال، وضوضاءُ التَجَنّي على دعوةِ الوطنيّة ؟ إنّها، حقّاً، صدمةٌ مؤلِمَةٌ لانتصارِ التَّخاصمِ، والتشَظّي، على التّلاقي، والتّفاهمِ، ولعَرقلةِ الثقةِ بصناعةِ التّغييرِ، ولإِحباطِ آمالِ الأجيالِ بِغَدٍ أَفضل. لم نَعُدْ ندري، في ظلِّ انهيارِ الحجرِ والبشر، لماذا استنهاضُ المخاصمةِ، والتشنّج، بدلاً من تمتينِ حالةٍ علائقيّةٍ متفاعلةٍ بين أطرافِ الهدفِ السياديِّ الواحد، وهذا، بالذات، يؤكّدُ على استحقاقِ عاملِ الخسارةِ، وإخمادِ بَصيصِ الأملِ حتى الإنطفاء ؟

إنّ التكتيّةَ التي وظَّفَتها جماعةُ السّلطةِ وأصحابُ مؤامرةِ قَضمِ الوطن، والتي تستندُ الى إستراتيجيّةِ العثمانيّين “فَرِّقْ تَسُد”، بإحياءِ مفاصلِ الماضي الممجوج، وقد نجحَت في تأجيجِ الخلافاتِ بين أجنحةِ الخطِّ المُعارِض، ما أدّى الى التّفرقةِ، والضَّعف، لم تَصِلْ مفاعيلُها السلبيّةُ الى الدَّركِ البَغيضِ الذي أدّى إليهِ تَلَهّي الأخوةِ بالمهاتراتِ، والإتهاماتِ، بعضِهم بعضاً، بدلاً من التّركيزِ على مواجهةِ الخطّةِ التي تهشّمُ صورةَ الدولة، وتقوّضُ سلطتَها، وتستبدلُ شرعيّةَ النّظامِ بشُرعةٍ دخيلة، وتشطبُ لبنانَ من مساحةِ الدّنيا.

بالتّأكيد، لسنا سُذَّجاً، وهوائيّين، لنظنَّ بأنّ نتيجةَ الإنتخاباتِ المفصليّةِ سوف تقلبُ الوضعَ رأساً على عَقب، وتُعيدُ الوطنَ، بشكلٍ عجائبيٍّ، من عصرِ العتمةِ الى ريّاتِ النّور، لكنّها، وبالتّأكيدِ أيضاً، سوف تؤَمِّنُ لشمسِ البلادِ صُبحاً مأمولاً، ولصَوتِ الحريّةِ حنجرةً صادحةً، وسوفَ تُقَزِّمُ تغطيةَ اليوضاسيّينَ الصَّفقاتَويّين، الذين يُعانونَ العُريَ الوطنيّ، والطارئينَ على المسيحيّةِ، وهي منهم بَراء، لسلاحٍ لا يزالُ يُمعنُ في تدميرِ لبنانَ ليجعلَه حُطاماً، ولعقيدةٍ مستوردةٍ من أَجهلِ الجاهليّةِ، تُدخِلُ الوطنَ في عَفَنِ الإنحطاطِ البالي.

لذلك، فإنّ الإمتناعَ عن الإقتراعِ للسياديّينَ الحقيقيّين، هو خيانةٌ عُظمى لن يتأخَّرَ الوطنُ المجروحُ في جعلِ مُقتَرِفيها يذبلونَ، مع مُشَرذِمي المواجهة، على بابِ قيامتِه.

 

 

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل