.jpg)
منذُ أيّام، تأكّدْنا من أنّ بعضَهم مُصابٌ بوِباءٍ خبيثٍ هو العِقم، أي الإنفصال عن ترانيمِ العقل، وعن تَعافي السويّةِ الذهنيّة، والانقلاب على الرويّةِ الفكريّة، والخضوع لوصايةِ اليباسِ على مستوى الكرامة.
إذا عُدْنا الى القرونِ الأولى بعدَ انتشارِ الدّيانةِ المسيحيّةِ في منطقةِ الشَّرقِ، نجدُ أنّ أَقدمَ الكارزينَ بالإنجيلِ هم مسيحيّو لبنان، الذين تجذَّروا في الأرضِ التي نَمَت، فوقَها، الكنيسةُ الأولى. ولأنّهم رُوّادُ حريّةٍ، ومتمسِّكون بجوهرِ الفكرِ المسيحيّ، تَنَكّبوا عنفوانَ الكرامةِ، في مقابلِ ثيوقراطيّين تزمُّتيّين، وهَراطقةٍ، وإثنيّاتٍ مُتطرِّفة، وشَهِدوا للفداء، وهو أبلَغُ ما يمكنُ أن يدفعَه شعبٌ يناضلُ من أجلِ هدفٍ سامٍ، ليسَ لصيانةِ البقاءِ، فقط، إنّما للحفاظِ على دَورٍ تَمَدُّنيٍّ، حضاريٍّ، يدعو الى التآلُفِ في مواجهةِ مراحلِ التطرّف.
إنّ المسيحيّين، في لبنان، الذين تمسَّكوا بهويّتِهم الثقافيّةِ المرتكِزَةِ على اتّقادِ فكرِهم العقائديّ، أبرزوا، في مواقفِهم، وسلوكيّاتِهم، دعماً تاماً للهويّةِ الوطنيّة، بعيداً عن الانعزال، والتقوقع، والانطوائية، فكانوا أكثرَ الشّرائحِ قدرةً على الانفتاح، وعلى الاندماج مع غيرِهم من المُكوِّناتِ الدينيّةِ، والإيديولوجيّة، بالرَّغمِ ممّا تعرَّضوا له من مخطَّطاتٍ لتَذويبِهم، وإخضاعِهم، وإجبارِهم على اعتناقِ غيرِ المسيحيّة، واستقصادِ مصيرِهم، وقهرِهم بالتّنكيلِ، لإفراغِ الشّرقِ منهم. لكنّ محاولاتِ إقصائِهم البَشِعة، عُنفيّاً، وترهيباً، لم تُزَعزِعْ إيمانَهم بقُدراتِهم على النّضالِ، والمواجهة، فلم يخضعوا، وأجهضوا، بصمودِهم، ترسيخَ حالةِ فِراقٍ مع الوطن، وإعدامَ كرامتِهم.
ولأنّ المسيحيّينَ هم أبناءُ الصّليبِ الذي لم يَخْشَ أن يُرفَعَ فوقَ الجلجلة، واجهوا، على مَرِّ تاريخِهم، قَمعاً مهووساً، وعنصريّاتٍ أحاديّةَ العِرق، ومؤامراتٍ لاقتلاعِهم من أرضٍ كانت، معهم، ولا تزالُ شَهقةَ الرّوح. ولم يكنِ الوَعيدُ، يوماً، كابوساً حطَّمَ تعلَّقَهم بالرّجاء، وأَلزَمَهم يأساً، وتَأَسّياً، وكَسادَ أملٍ، فما أَنّوا أمامَ الشِدّة، بل كان لهم مع النّضالِ وَلاء، والولاءُ لُحمَة. من هنا، باتَ اندفاعُهم لِصَونِ شَرَفِهم، وكرامةِ أرضِهم، سِنداناً حَطَّموا، تحتَ مِطرقتِه، الغُزاةَ من كلِّ نوع، وعاقِدي النِيّاتِ على تَطويعِهم، فما كان كِفاحُهم خابِيَ المصابيح، وخَطّوا بدمائِهم، في أنديةِ الأمجادِ حيثُ إِقبالُ الكِبار، قصَصَ الصّمودِ والاستقلال.
المسيحيّون ليسوا جماهيرَ طَيِّعَة، إنّهم مقياسٌ في النّضالِ غيرُ نَحيل، أشعلوا شرارتَه يومَ فاضَت دسائسُ الجاهليّينَ تستهدفُهم، ولم تنطفِئْ نارُهُ حتى السّاعة، أو يَضعُفْ حَلْقُ كرامتِهم، وقد مرَّ بهم شُبوبُ الاستبداد، وهَوَسُ المتآمِرين، وقَبضاتُ الأوصياء، وعَصفُ المنتَدِبين، وتَطَرُّفُ القَهرِ، وخُطَطُ التّهجير، وأسلاكُ العَزل…لكنّ روحَهم الجهاديّةَ استمرَّت، وبها، استَكمَلَت أعجوبةُ البقاءِ قوامَها. وقد سجّلَ التاريخُ، في لبنان، أنّ هذا البقاءَ شكّلَ قيمةً مُضافةً، على مَرِّ الزّمن، إذْ حضَّرَ لنهضةِ عيشٍ مُرتَكِزٍ على حِفظِ حقِّ الكرامةِ الإنسانيّة، ما يكفلُ تَلاقيَ الحضارات، بل تَلاقُحَها. وما كان لهذا الإنجازِ الرّاقي الحَظُّ بالعُبورِ الى التّنفيذ، لولا الحضورُ المسيحيُّ القويّ، والفاعِل، والمُنخَرِطُ في هَمِّ مجتمعِهِ، والمُقاوِمُ لعصورِ الظّلامِ، والتَّكفير، والانحطاط، والرجعيّةِ البربريّة. وهكذا، تَمَّ تَحويلُ لبنانَ الى ملكوتٍ راقٍ.
إنّ تعاليمَ المسيحيّينَ لم تكن، أبداً، عَصبَويّةً، ولم تُبايِعْ أهدافاً دخيلة، ولم تَنهَجْ سلوكاً فوضويّاً يمارسُ التّدميرَ النَّمَطيَّ لِوَعيِ النّاسِ، ويجيِّشُهم غريزيّاً ليفرضَ عليهم واقعاً هجيناً تُصبحُ الكوارثُ أَدنى نتائجِه. لذلك، لم تقتلْ تعاليمُ المسيحيّين الوطنَ بوحشيّةٍ، ولم تتوسَّلْ نهجَ التَّوتيرِ والحَقن، ولم تُسَوِّقْ مشاعرَ العداء، ولم تَهزَّ نُظُمَ القِيَم، ولم تستثمرْ خَلَلَ ” الأَنا ” الطائفيّةِ والمصلحيّةِ، للتّبشيرِ بفتنةٍ تَطحنُ البلاد، ولم تُحرِّضْ على القتلِ وهَدرِ الدمّ، ولم تسمحْ للإرهابِ بالدنُوِّ، ليتحوَّلَ من ظاهرةٍ الى نظام. فالمسيحيّون الحقيقيّون، إذاً، ليسوا محنةَ لبنان، وليسوا جماعةً تتخَندَقُ، وراءَها، مشاريعُ هدّامةٌ مشبوهة، أخطرُها بَيعُ البلدِ في سوقِ نخاسةٍ أَعجميّة.
لقد توعَّكَ المسيحيّون، كغيرِهم، من الإرهابِ الأَعوَجِ ذي الخُطَطِ التّفكيكيّةِ التي تسعى الى غَرزِ المزيدِ من التشَظّي في جسمِ الوطن، وهالَهم أنّ البعضَ منهم، قد ودَّعَ أسسَ الكرامةِ الشخصيّةِ والوطنيّة، وسارَ في سلوكٍ أَعوَر، وانقلبَ على تاريخِ المسيحيّينَ النّضاليّ الذي يُركِّزُ على مبادئِ الحريّةِ، والعدالةِ، والحقوق، وساهمَ في التّرويجِ لنموذجٍ شرّيرٍ، نَجِسٍ، يهدمُ الوطنَ على أهلِه، ومَرَدُّ ذلك، الى الوصوليّةِ، والتسلّط، والمصلحة، والإثراءِ بالفساد… ولَو كانَ الثّمنُ ضَياعَ الكرامةِ، ولبنان.
لم يَستَجدِ المسيحيّون، عبرَ زمنِ وجودِهم في لبنان، حمايةً من أَحَد. وقد دافعوا عن كرامتِهم، وحريّتِهم، وبقائِهم، في وجهِ مَنْ مرّوا غُزاةً، وفاتِحين، ومُنتَدِبين، وأوصياءَ، ولَو كان بعضُ هؤلاءِ من ديانتِهم نفسِها، كالصليبيّين. وهم، اليوم، أيضاً، ليسوا بحاجةٍ لحمايةِ أَحَدٍ، بَلَدِيّاً كانَ أمْ من خارِج، فقِوى الدّولةِ الشّرعيّةِ كفيلةٌ برَدِّ أيِّ اعتداءٍ، والقانونُ مُتَكَفِّلٌ بصيانةِ أَيِّ حَقّ. وعَدا ذلك، لن يستطيعَ أحدٌ أن يُجبرَهم على الرّكوع، أو على تَسطيحِ رِقابِهم، وعسى، نَعَمْ عسى، ألّا يُضطَرّوا الى عَقْدِ ” الإِصبَعِ ” إحياءً لقاموسِ مشاويرِ البطولة.