.jpg)
تعصفُ في أروقةِ الوطنِ أزمةٌ إستراتيجيّةٌ حادّةٌ تتناولُ قضيةً كيانيّةً بامتياز، هي وجودُه. وهذه القضيّةُ، بالذّات، تشكّلُ النقطةَ الأكثرَ أهميّةً، وخطورةً، في الإختلافِ البُنيَويّ، أو التَّبايُنِ القانونيّ، بين طَرحِ السياديّين الوطنيّين، وبين سواهم من الطّارئينَ على الوطنِ والوطنيّة.
إنّ الوطنَ، كما يحدّدُه القاموسُ السياسيُّ الدّولي، هو الشخصيّةُ الحقوقيّةُ المعنويّةُ التي تنصهرُ فيها جُموعُ المُنتَمينَ إليها بالولاءِ، والوفاءِ، والإخلاص، وهو حالةُ تعبيرٍ عن تَرَقّي الفردِ، والجماعة، على مستوى الوعي الإنتمائي، سَعياً الى الإستقرارِ، والتّفاعلِ الإجتماعيّ، والنّظام، ما يؤدّي الى الأفضلِ أو الخيرِ العام. من هنا، فقد اعتبرَ علماءُ الإجتماعِ أنّ الوطنَ هو النّاظمُ الأساسيُّ للتّشكيلِ المُجتَمَعي، وهو الجهةُ المُؤتَمَنَةُ على إضفاءِ نوعٍ من السّلامِ، والأمانِ، والبقاء، والمصالحِ المشترَكَة، ما يوحّدُ الناسَ، ويجسِّدُ طموحاتِهم.
في مرحلةِ النِّقاشِ، أو المواجهة، حولَ ماهيةِ الوطن، تنكشفُ نوايا الذين يسعَون الى تحقيقِ حالةِ اللّاوطن، أو الوطن البديل، في حِراكٍ مشبوهٍ يرمي الى إضعافِ النّسيجِ الوطنيِّ ليصبحَ غيرَ قادرٍ على حمايةِ نفسه، فيُفسحُ في المجالِ لحمايةٍ مشبوهةٍ، وبوسائلَ غيرِ مشروعة، هدفُها امتلاكُ السّلطةِ مقدِّمةً لانهيارِ بُنى الوطن، وإقامةِ مشروعِ وطنٍ بديلٍ يُعيدُنا الى زمنِ الإنحطاطِ البَغيض.
إنّ زمنَ اللّاوطنِ، كما يأملُهُ وَثَنِيّو الهمجيّةِ وأذنابُهم، ليس طرحاً عفويّاً، بقَدرِ ما هو تلبيةٌ لدعوةٍ مؤامراتيّةٍ لا هوادةَ فيها مع مَنْ يسيلُ عشقُ الوطنِ في شرايينِهم، وتفوحُ في نفوسِهم طيّباتُ الكرامةِ المُصانةِ من دَنسِ الخضوع. فالنِّيوفاشِيّون أصحابُ الخطّةِ التّفكيكيّة، يغرزونَ التشّظّيَ في نسيجِ النّاس، وفي نموذجٍ يعتبرونَه خُرافة، ليؤسِّسوا لواقعٍ ممقوتٍ يجعلُنا نودِّعُ قِيَمَ الحريّةِ والعدالةِ، ومبادئَ الحقوق. واستناداً، لا بدَّ من اعتِصامِ اللبنانيّين بالوطنيّة، فهي، وحدَها، العَضَدُ الذي يُؤْوى إليه، ولا بدَّ من التَعَزُّزِ بالنّضالِ والإنتصارِ به، فهو، وحدَه، جسرُ العبورِ من المُمكِنِ الى الفِعل.
إذا لم يكنْ لبنانُ، في قلوبِ أهلِهِ وعقولِهم، خَفقَةَ قلبٍ، وثورةَ إيمان، يمتازُ برسوخِهِ في النّفوس، لا تحجبُهُ عنهم ضَباباتٌ، فإنّ ذلك يحفِّزُ أصحابَ الكِنياتِ الصَّدِئةِ على التَّحامُلِ، وتعكيرِ صفاءِ البلاد، وضَربِ بُنيَتِها الكيانيّة، وتهشيمِ هويّتِها، وساعتذاك، لا يَصعبُ عليهم إعلانُ انقلابٍ سافرٍ، وفَرضُ استعمارٍ يستولي على الدولةِ. إذاً، نحن أمامَ مشروعٍ مشبوه، تبدو فيه بَصماتُ انتدابٍ إيديولوجيٍّ، وسياسيٍّ، وأمنيّ…يقضي على صيغةِ لبنانَ الحضاريّة، ويُلقي به في نَفَقِ التَخلّف، وفي مَجاهلِ الإمبراطوريّاتِ البائدة، ونظامِ الخلافةِ الرّاكِد.
لقد أثبتَ البديلُ المفروضُ، منذُ عُقود، ومن خلالِ ما اتَّضَحَ من خلفيّاتِه، ومن أداءِ المُهَلِّلين له، وسلوكيّاتِهم، على مختلفِ الصُّعُد، بأنّه أَخطَرُ ما يُحاكُ للبنان، باستبدالِ ديمقراطيّتِه، وحريّتِه، ورفاهِهِ، ورُقيِّهِ الإنفتاحيّ، بحيثيّةٍ رجعيّةٍ دَمَويّةٍ، هي ثيوقراطيّة طواها الزّمن، تجرُّ البلدَ الى شِدقِ ثقافةِ الموت، وتهدمُ مكتسباتِهِ الحضاريّة، وتزجُّ به في أتونِ جهنّم. فأمامَ هذا الخطرِ الدّاهمِ الذي لا يحتملُ شكّاً، من الجُرمِ الوطنيِّ أن يكونَ الولاءُ شريداً، يحتاجُ لِإعادةِ تأهيل، فلبنانُ الى زَوالٍ مُحَتَّمٍ إذا لم تَهتِفْ حناجرُ نضالِنا، بصوتٍ واحد:” لَبَّيك”.
إنّ السَّيرَ ببطءٍ، في هذه المسألةِ المفصليّة، ليس، أبداً، مُنتهى الحكمةِ والحَذَر، لأنّه يعني السَّيرَ الى الخَلف. فالجرأةُ والتّماسكُ هما المطلوبانِ في ظلِّ الهجمةِ التي انتهجَتها قبائلُ الرجعيّةِ المُستَشريةِ فَتكاً بالوطن، وبهما، فقط، يمكنُ تسطيرُ ملحمةٍ مطلوبةٍ تشكّلُ حلقةَ اتّصالٍ بين الخطرِ والخلود، وهذا أداءُ الرِّجال. إنّ التَّقاعسَ عن مناصرةِ القضيةِ الإستراتيجيّةِ، أي القيام بالدَّورِ الوطنيِّ المسؤولِ باندفاعٍ عنفوانيٍّ ليبقى لبنان، هو وَصمةُ عارٍ، وخَيبةٌ تحفرُ في قلبِ الوطنِ أَثلاماً من الحزن.
إنّ البكاءَ على أطلالِ وطنٍ، ليس من شِيَمِ الأبطال، وإنّ التّدجينَ هو سِمَةُ العبيد، وإنّ تَفَلُّتَ البلادِ من بين أَصابعِ أهلِها، بالإغتصاب، خسارةٌ من دونِ تَعويض، وإنّ اتّهامَ القَدَرِ بجَفوةِ الحظّ، هزيمةٌ مريرة، وإنّ تخليدَ البكاءِ على كرامةِ الكيان، هو أَجرَحُ أدواتِ الذلّ. من هنا، فالمُرتَجى هو الإنخراطُ في معركةِ استعادةِ الوطنِ من المأزقِ المصيريِّ الذي يُعَدُّ له، ويكادُ أن يُبرَم، وذلك بالإطاحةِ بالإلغائيّينَ المُستَقوينَ والمُنقَلِبينَ على الوطنِ، وبِمَن يوفّرونَ لهم التّغطيةَ والدّعم، وذلك، بالمبادرةِ الى المشاركةِ الكثيفةِ في الإنتخاباتِ النيابيّة، واختيارِ المَوثوقينَ من المرَشَّحين الذين يؤمنونَ بأنّ الوفاءَ للبنانَ حتى الشّهادة، إذا فُرِضَت، هو السُنَّةُ الوجوديّةُ في طبيعةِ كيانِهم.
