#dfp #adsense

لبنانيو بيروت بين “الليرة” والـ”فريش دولار”

حجم الخط

يقول جبران خليل جبران “لكم لبنانكم ولي لبناني”. وفي الحرب، كانت هناك بيروتان، واحدة غربية وواحدة شرقية. وفي السلم كانت هناك طبقة ثرية وطبقة متوسطة وطبقة الفقراء والمعدمين.

اليوم وبعد كل ما جرى في بيروت، من انهيارٍ اقتصادي، وتراجع سعر الليرة في شكل دراماتيكي، صار هناك أكثر من بيروت وأكثر من طبقة، فولدت من رحم المأساة الاقتصادية، جزرٌ متفرّقة تشكل قلب العاصمة وضواحيها.

من الحمرا إلى شارع الجميزة وبدارو، إلى شارع صبرا والضاحية الجنوبية، لا يمكن الكلام عن صورة واحدة لبيروت، بل عن مجموعة من “بيروتات” متنوّعة على ضفاف الفقر والثراء، لا تشبه بعضها ولا تعرفها الذاكرة القديمة… هي نتفٌ من بيروت القديمة تتوزّع وسط متغيّراتٍ اجتماعية، وذاكرة جديدة يبْنيها سكان جدد، منهم طارئون وآخرون “من أبناء البلد”.

والوصف الاجتماعي لبيروت، بعد انهيار الوضع المالي والاقتصادي، ليس له تصنيف محدّد. هناك تصنيفات أولية تحتاج إلى مزيد من قراءات لعلماء الاجتماع والاقتصاد حول حقيقة ما يجري في العاصمة وما يعيشه اللبنانيون. إلا أن الثابت ان لبنان “الذي كان” تغيّر، وتبدّلت أحوال أهله، ولم تعد العاصمة وضواحيها تشبه أي صورة من زمن… تحوّل.

ففي غياب الطبقة المتوسطة، صار يوجد “لبنانيو الليرة”، و”لبنانيو الفريش دولار”. وهذا ليس تبسيطاً، بل حقيقة مؤلمة يعيشها كل أصحاب المهن الخاصة، من أساتذة وأطباء ومهندسين وإعلاميين وأصحاب مهن حرة.

لبنانيو الليرة هم موظّفو القطاع العام والكثير من القطاع الخاص بعدما تدنّت قيمة رواتبهم. أما لبنانيو الفريش دولار، فهم الذي يتقاضون رواتب بالدولار الأميركي أو الذين لهم عائلات أو أبناء خارج لبنان، أو الذين هرّبوا أموالهم الى خارج الحدود اللبنانية.

هؤلاء لهم نظامهم الاقتصادي الخاص، المطاعم، المحال التجارية، المستشفيات وشركات التأمين.

كل ذلك ليس نظرياً. فالواقع الحالي انعكس على المشهدية العامة لبيروت، وأصبح للبنانيي الليرة أمكنتهم ومجالات لهوهم، وللبنانيي «الفريش» أمكنتهم. فصارت هناك أكثر من بيروت، واحدة لأثرياء الازمة الاقتصادية، وواحدة للمعدمين، وواحدة لا تمتّ الى اللبنانيين، فيها نازحون سوريون وعراقيون وفيها عمال أجانب من جنسيات آسيوية.

في جولةٍ ميدانية تبدأ من الحمرا، ترصد العين سيدة عجوز تمشي في أحد المتفرعات الأساسية من الشارع الذي يحمل بصمات الحرب والسلم.

ليست طارئةً على المكان، بل هي من سكان الحمرا القدماء الذين عاشوا ذكرياتهم في الشارع الذي عرف العزّ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، واحتضن «النهار»، «السفير»، وزارة الاعلام، والسرايا الحكومية قبل أن تصبح وزارة للداخلية، أكشاك الصحف، والمسارح ودور النشر والمقاهي.

كله كان يا مكان. اليوم، مطاعم العراق المفتوحة على أصناف وأصناف، مقاه سورية ونراجيل وقدود حلبية، بغداد والشام وسوق الحميدية… وكأن الحمرا صارت موازييك عربية، فيها تقدمّ حلويات بنكهة أهل البلد الآتي من حربٍ الى سلم، فقصدوا الحمرا، وحلّوا فيها بعدما هجرها أهلها. عراقيون وسوريون استوطنوا، اشتروا او استأجروا شققاً ومحالاً تجارية.

محال كثيرة أقفلت في الحمرا. والأبواب الحديد تغلق على هجرة سكان وعلى انتقال مؤسسات إلى مناطق أخرى. متسوّلون بالعشرات، ومن بقوا في الحمرا لا يكفون لإضفاء صبغة لبنانية صافية على الشارع الأكثر شهرة في بيروت ما قبل الحرب وبعدها.

الحمرا اليمينية واليسارية والقومية والشيوعية، تغيب وتنحسر واجهتها الثقافية. المحال المطبوعة في الذاكرة أقفلت منذ زمن، ومن عاند لسنواتٍ رزح تحت وطأة الأزمة فجاء تاجر عراقي أو سوري واستأجر منه أو اشترى أو استثمر. نماذج هجينة من حال مأسوية تملأ الشارع عجقة، وروائح المشاوي ودخان النراجيل. وكثافة الحركة توازي كثافة اللهجات المسموعة، الشامية والعراقية وغير اللبنانية.

ليست الحمرا إلا أحد أبرز الأماكن المتغيرة، وجهاً من وجوه المدينة الضائع. ومنها شرقاً نحو الجميزة، الشارع الذي أصابه انفجار المرفأ (4 اغسطس 2020) بأضرار فادحة، وفيه قتل أبناء وزوار، وتحطمت منازل ودمرت محال ومطاعم ومقاه.

بعد سنة ونصف السنة دبّت الحياة مجدداً في الجميزة. ألوان الأبنية الزاهية تعود لتعطي مساحة فرح. وهذه المنطقة الواقعة على مسافة قصيرة من الحمرا، تبدو جزيرة منعزلة.

العجقة تبدأ من أولها الى آخرها. سيارات حديثة، رياضيون ودراجات هوائية، حركة تجارية ومطاعم لافتة، وكأن الشارع لم يشهد نكبة ولا ودّع ضحايا.

مجموعة شابات وشبان تقف في الصف أمام أحد المطاعم المعروفة، منتظرةً شغور إحدى الطاولات للدخول و«خرق» الازدحام.

تكلفة الطعام للشخص الواحد تقارب المليون ليرة، في عدد من مطاعم الجميزة وصولاً إلى بدارو والاشرفية.

المشهد واحد. مقاه ممتلئة، بعضها فتح حديثاً، والشبان الذين انتظروا الشمس، بعد أيام باردة، يجلسون على الطاولات الممتدة على الرصيف.

لا يخلو مطعم من الجميزة إلى بدارو من رواد، نهاراً وليلاً. كأن لا انفجار ولا انهيار اقتصادياً ولا رواتب بالليرة. بعض المطاعم يشترط «الفريش» وبعضهم يحتسب الفاتورة بحسب سعر الدولار. ومع ذلك الحركة الاقتصادية تبدو قوية في المنطقتين، والفاليه باركينغ عاد مجدداً إلى لعب دوره.

في بدارو الواقعة على تخوم الضاحية الجنوبية، يظهر رواد من طبقات رجال الأعمال والديبلوماسيين وسيدات المجتمع.

حياةٌ مختلفة لمنطقة سكنية تماماً كما الجميزة، تحولت ملتقى للخارجين من عجقة بيروت ووسطها، فصارت مقصداً.

من أحد متفرعاتها، مطعمان أميركيان واحد يملك حديقة أطفال ويعجّ بالحركة التي لا تتوقف، وواحد عاد الى العمل حديثاً. ينتظر الزبائن بالصف من أجل الحصول على البيتزا الخاصة.

مشاهد بدارو والجميزة، عبارة عن حياة رفاهية كاملة. السيارات الفارهة، والماركات الأجنبية، ونظارات الشمس الإيطالية والفرنسية، كلها تعطي لحياة المقاهي والمطاعم واحدة من صور بيروت التي لا تنام ولا تعيش إلا تحت الضوء ولا تنام.

وكأنها مدينة أوروبية، لا تعرف أزمة اقتصادية ولا أسعار النفط العالمية ولا انقطاع المولّدات. أسعار لوائح الطعام خيالية لمن يتقاضى راتباً بالليرة اللبنانية، والحجوز بعضها يتمّ قبل ثلاثة أيام.

حياة منفصلة عن واقع لبنان، تعيشها المنطقتان، وكأنه على بعْد كيلومترات قليلة لا يوجد شارع صبرا ولا توجد منطقة الرحاب ولا الكيوسكات تحت الجسور ولا عجقة عربات الذرة والسندويشات والعصائر.

على الطريق إلى الضاحية الجنوبية، أفرانٌ صغيرة ومطاعم مليئة بالزبائن، محال تجارية تشهد عجقة، منها للتجزئة ومنها عادية.

وفي الضاحية أيضا طبقتان، الميسورون من الذين يقبضون بالفريش، ولبنانيو الليرة الذين يصطفون أمام الأفران ومحال السندويشات.

في شارع صبرا متبطلون لبنانيون وسوريون وفلسطينيون وعمال أجانب، إلى حد أن المشهد يوحي بأن الشرق الأدنى انتقل فجأة إلى المنطقة التي تمتد فيها أسواق شعبية على مساحات لا تنتهي.

كل ما يريده فقراء لبنان يجدونه في تلك المساحة… من البضائع المستعملة والثياب والأدوات المنزلية، إلى اللحوم والخضر.

هنا لا مجال للعطور الباريسية، فروائح النفايات تطغى، وعلى الأرصفة ينتشر الصرافون بالعشرات، ويتوزّع بائعو كل شيء، كما المتسوّلون من جنسيات مختلفة… فقر مدقع وعجقة لا تكلّ، سيارات وعربات نقلٍ صغيرة ودراجات نارية بالمئات.

في هذا الشارع، صورة نمطية عن حالات الفقر، تختلف 180 درجة عن صورة بدارو والجميزة، لكنها تختلف جذرياً أيضاً عن شوارع في الضاحية حيث ترتفع أسعار الشقق والمحال التجارية والبضائع والمطاعم، وحيث هناك شبه حياة مستقرة لعائلات تقبض بالدولار أو يعيش أبناؤها في أفريقيا أو الولايات المتحدة.

لم تعد بيروت تملك هوية واحدة. هوياتها مختلطة، ولكل شوارعها الفقيرة والثرية ألف حكاية وحكاية، لنسيجٍ يتغيّر، وسكان هجروا منازلهم وأحياءهم وسكان شهدوا حروباً وصمدوا بوجه أهوالها، لكن الأزمة الاقتصادية هي التي «طحنتْهم» وحولتهم فقراء أو أكثر فقراً، فيما الأزمة نفسها أنعشت أحياء راقية وأضافت إليها ألواناً وكأنها ألوان العيد.

… إنها بيروت بكل تناقضاتها، التي لم تعد ثقافيةً وأدبية وسياسية، بل صارتْ اجتماعيةً تتعلق بالهوية والتاريخ والمستقبل… درّة الشرق وعروسه دار عليها الزمن، و«اللؤلؤة» لم يبْق منها إلا «بريق مزيّف» على وهج لهيب النكبة المالية – الاجتماعية.

 

المصدر:
الراي

خبر عاجل