#adsense

“طريق آلام” استغرق 30 عاماً بأمر “القادة المقدّسين”

حجم الخط

في الأساطير والروايات كملحمة “أغنية الجليد والنار” أو “لعبة العروش”، يضطر البشر الراغبون “بالارتقاء”، إلى بذل جهد كبير وتجاوز اختبارات عسيرة بُغية تحقيق حُلم التحوّل إلى أشخاص مُنعدمي الهوية، أو “بلا وجوه” بما يوفره ذلك التحوّل من مزايا… العراقيون خلال نصف قرن لم يكونوا مضطرين لخوض تلك المعركة، فالملايين منهم وُلدوا بالفعل بلا وجوه ولا هوية.

صباح السابع من أيار عام 1980، استفاق رئيس النظام السابق، صدام حسين، على نزوة جديدة من أحلام حكام العراق، حين قرر سحب الجنسية العراقية من الكرد الفيليين، لأنه اعتقد أن هذا المكوّن العراقي ليس موالياً بما يكفي “للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة” كما في نص القرار الجمهوري رقم 666.

رأى قائد النظام، أن “الأصول الأجنبية” لهؤلاء، تخدش ولاءهم، رغم عدم وجود دليل على أن سكان القرية التي انحدر منها صدام نحو بغداد، قد وصلوا إلى قريتهم قبل بقية العراقيين ذوي “الأصول الأجنبية”.

زفاف “قم”

في ذلك الصيف غادرت الطفلة ذات الـ 14 عاماً “صباح” مدينتها الأم “العمارة” جنوبيّ العراق، ضمن قوافل العراقيين الذين “اكتشف” النظام أنهم لم يعودوا كذلك، وأن عليهم “العودة” إلى إيران، رغم أن معظم مَن سُمّوا لاحقاً بـ “المسفّرين” لم يعرفوا وطناً غير العراق. في مسارٍ موازٍ قبل عام من انطلاق الطفلة “صباح” في رحلة التيه، كان الشاب “عباس” قد غادر مدينته “كربلاء” وسط البلاد، متخفياً، قاصداً أية بقعة على الأرض لا يحكمها “الحزب والقائد الضرورة”، بعد أن بدأ العسس بملاحقة كل مَن نبت له شارب من الشوارع والمنازل، للتحقق من براءته من “جريمة المعارضة”، أو زجّه لاحقاً في مفرمة بشر أُطلِق عليها حرب “قادسية صدام”.

وسط مدينة “قمّ” الإيرانية، تكدست آلاف العوائل العراقية التي غادرت بلادها لأسباب متعددة، ينتمي أفرادها إلى مدن وثقافات ولغات مختلفة، لكنهم سيتشاركون جميعاً صفة “لاجئ عراقي” للمرة الأولى في حياتهم، وربما في التاريخ الحديث للشعب العراقي.

اللاجئة “صباح” في قمة الإيرانية في شتاء 1988.

ستصل “صباح” من العمارة، و”عباس” من كربلاء، وسيجمعهم منفى اللاجئين العراقيين الجديد، مدينة “قمّ” الإيرانية، التي يتوسطها ضريح ديني، اعتاد العراقيون الشيعة على الإقامة حول أشباهه.

سيلتقي اللاجئان اللذَان لم يكونا ليحظيا بفرصة مماثلة حين كان يقيم كلّ منهما في مدينة تبعد عن الأخرى 400 كم (العمارة وكربلاء)، وسرعان ما سيتزوّج اللاجئان اللذين أصبحا عاشقين، وينجبان “جعفر” أواخر العام 1986. بعد 37 عاماً من رحلات لجوء متكررة بدأت منذ ما قبل ولادته، سيكون “جعفر” على موعد مع “النهار” ليس للحديث عن انجازاته أو همومٍ تشغل أقرانه، بل ليسرد قصص “لجوءاته” المتعددة، وهي القصص الوحيدة التي يُمكنه سردها من شريط حياة، كل ما فيه لجوء يتلو بعضه.

اللجوء المتعدد لا يزال “فخر الصناعة العراقية”

إنها ليست قصائد وخواطر عن الحزن والفقر والاضطهاد، فأسباب حزن البشر قضية أكثر تعقيداً، تماماً كما أن ملف اللجوء واللاجئين قصة عابرة للجوانب الإنسانية المعروفة، فهي -على نحو أدق- الجريمة الأكثر بطءاً، بحق الضحايا الأكثر تجاهلاً، والأهم، أنها أيضاً القنابل التي لا تنفك تنشطر وتتكاثر وتنفجر بهدوء في طريق مستقبل شعوب المنطقة العربية، حقبةً بعد أخرى.

في الحالة العراقية، تبدو عوامل اللجوء فريدة، فالناس يهجرون وطنهم “الثري” -أو يُهجّرون منه- ليس بحثاً عن وظائف أكثر دخلاً كما هو حال المهاجرين واللاجئين من بقية الدول المجاورة والمشابهة، بل انطلاقاً من مصالح حاكم تغلفها الشعارات الآيديولوجية، إن كانت “بعثية صدامية” أو “حشدية إيرانية”. وإلى جانب ذلك، يمكن اعتبار العراقيين، روّاد اللجوء في المنطقة، فقد سبقوا أقرانهم، قبل أن تبدأ عاصفة أحداث العام 2011، وتتعرّف شعوب جديدة على اللجوء بشكل أوسع، كما في الحالتين السورية والليبية وغيرهما.

ليس هذا فحسب، فقد سجّل العراقيون اسم بلادهم على اللوائح القياسية للجوء المجنون أو المُخضرم، إذ لا تنازع شعوب كثيرة العراقيين في “قدرتهم!” على كسر عدد مرات اللجوء خلال العمر البشري الواحد.

“أطردوا العملاء”

حين وصل رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين من قريته إلى العرش، بدأ المهمة المُعتادة والمألوفة، وهي تحديد “الأعداء والعملاء” ثم التخلص منهم، قتلاً أو تهجيراً. وقد افتتح النظام السابق حقبته بتهجير عائلة “صباح” ضمن عدد غير متفق عليه من العوائل العراقية، بدعوى أن أصولهم إيرانية، وأن ولاءهم لعراق البعث قد لا يكون “صميمياً”، وقد جرى طرد تلك العوائل بشكل مفاجئ ومُهين، ثم صودرت ممتلكاتهم، التي شغلها فيما بعد أزلام البعث وحواشيه، وقد قُدّرت أعداد هذه الشريحة بعشرات الآلاف على الأقل، وصولاً إلى مئات الآلاف وفق مصادر أخرى.

بعد سقوط النظام، افتتحت الميليشيات الولائية المدعومة من إيران حقبتها هي الأخرى بالانتقام من “العملاء”، ولم تمضِ أشهر حتى وصلت جحافل المسلحين العقائديين من القرى البعيدة، إلى المدن ذات السكان العُزّل، وأطلقت فصلاً جديداً من حملات “الاستبدال الديمغرافي” والاستيلاء الجشع الذي قد يصعب تمييزه عن أساليب القبائل البدائية حتى مع تغليفه ببضعة شعارات مقدسة.

كافأ النظام العراقي الحالي أفراد تلك الميليشيات بمنحهم رتباً عسكرية متقدمة مجانية، ثم قرر إرضاء رغبتهم بمحو تاريخهم، وحقنهم بجرعة “برستيج” حين أطلق على أولئك المسلحين تسمية “هيئة الحشد الشعبي”، التي تُلحقها الفصائل دائماً بعبارة “.. وهي هيئة عراقية تتبع القائد العام العراقي” على طريقة “كاد المريب”.

عبر تاريخ العراق، وفي النظامين السابق واللاحق، كان يُمكن دائماً الاستيلاء على أملاك الناس وحياتهم بنقلتين سريعتين، الأولى نعت الضحية بالعمالة للأعداء، والثانية ادّعاء أنك أنت من محور مقاومة أولئك الأعداء، قبل تصويب سلاحك إلى رأس هذا “العميل”، وسلبه ما يملك بكل رتابة.

مَن نحن؟

يرفض “جعفر” خلال حديثه مع “النهار” اعتبارَه “بطل القصة”.. يقول إنه لا يعرف تحديداً ماهي البطولة، أو ما قيمتها حين يقضي البشر “العاديون” حياتهم حتى الممات بين منزلين أو ثلاثة، بينما يعدد “بطل القصة” 28 منزلاً تنقّل بينها منذ أبصر النور لاجئاً.

وُلد جعفر في إيران لاجئاً بالولادة، لأبوين لاجئين، ثم اضطرت عائلته للمغادرة، بعد ضغوطات السلطات الإيرانية على العراقيين.

للحصول على “الكرت الأخضر” -وهو بطاقة إقامة شرعية محدودة المزايا- كان على أفراد الجالية الانضمام إلى الميليشيات الولائية الناشئة آنذاك، والتي كان يقودها أبو مهدي المهندس وهادي العامري ومحمد باقر الحكيم وغيرهم، وحينها سيتمكن الآباء اللاجئون من تعليم أطفالهم على سبيل المثال.

رفضت عائلة “جعفر” -كما مئات العوائل وجميعهم من معارضي نظام صدام حسين- الانخراط في النشاطات العسكرية للميليشيات، انتمى رب الأسرة إلى إحدى الجهات المعارضة، وتولى مهام مدنية، لكنه قرر المغادرة بأطفاله إلى دولة لجوء ثانية، سوريا، وهناك كبر الطفل اللاجئ ليكتشف تدريجياً أنه “بلا وجه”.

يقول “جعفر” إنه تعرّف على الإسم الحقيقي لوالده بعد سقوط نظام صدام، فالآباء اللاجئون كانوا يُخفون أسماءهم ومعلومات أخرى عن أطفالهم، خشية فلتات لسان قد تظهر أمام “شخص خطأ” وتؤدي إلى معاقبة أقارب اللاجئ في الداخل.  وخلال مرحلة الطفولة، لم يعرف هذا اللاجئ الطفل، معنى الجنسية والانتماء “كنت أعتقد أني سوري، لكن المُعلّمين وأقراني يذكّروني دائماً بأني عراقي، مهما أتقنت اللهجة السورية، وبعد عقد ونصف، حين اضطررت لمغادرة سوريا، تحت نيران الحرب، وبدأت أُكمِل تعليمي في العراق، كان التعامل معي مختلفاً، بوصفي (الطالب السوري) الذي (لا ينتمي جداً) لبقية الطلبة العراقيين”.

كانت تُهمة “جعفر” أنه ليس سورياً “صميمياً” وليس عراقياً “صميمياً”.. وفيما بعد ستعود الميليشيات التي تأسست في إيران لتعتبر أن “جعفر” ليس شيعياً “صميمياً”.. وكما في قرار صدام حسين تهجير الكرد الفيليين لأنهم “ليسوا صميميين”.. فإن كل سلطة مسلحة أو اجتماعية تشكك بـ “صميميّة” هويّة شخص أو جماعةً ما، ستنتج في النهاية قصة لجوء جديدة.  إنه ليس أمراً مسلياً، فتعدد الجذور، لا يجعلك مجرد فرد متعدد الثقافات (مالتي كالتشر)، فأنت تنمو بجذور كثيفة لكن هشة ورقيقة، ليس بينها جذر رئيسٌ صلبٌ غليظ،  وفي حالة جعفر وأقرانه من اللذين نشأوا في مناطق مزدحمة بعدد كبير من شرائح اللاجئين أو المهاجرين، كالفلسطينيين والأفغان واللبنانيين والطاجيك والباكستانيين والهنود، كان هؤلاء الملايين، مجرد أفراد متعددي اللجوء، أكثر من كونهم متعددي الثقافات.

تفكيك البندقية

على خُطا رحلة جلجامش في أسطورته، من شرق النهرين، إلى غابات الأرز، سلك لاجئون عراقيون طريق الغرب، عائلة “جعفر” كانت إحدى العائلات التي حطت رحالها في محطة اللجوء الثالثة قرب إحدى ضواحي بيروت.  “كنا مضطرين لعدم التحرك، اكتشفتُ هناك أن اسم الشرطة الذين اعتدنا على تحاشيهم في محطات لجوئي السابقة أصبح “الدرك”، لكن الأشخاص الذين يلبسون رتباً على أكتفاهم، ويحملون سلاحاً، كانوا بالنسبة لي جهة واحدة، مهما كانت أسماؤهم أو دولهم، لأنهم كانوا يعنون شيئاً واحداً، وهو أن عليّ تحاشيهم”.

نجح لاجئون عراقيون كثر بالفرار من الشرق الأوسط، عائلة “جعفر” لم تكن محظوظة، وعادت في تجربة لجوء رابعة من لبنان إلى سوريا، لتبدأ من جديد.

“بعد فشل محاولة الهروب من لبنان إلى أوروبا أو “الخارج” كما كنا نسمي تلك القارّة، عدنا إلى سوريا، ليكون عليّ للمرة الأولى مواجهة ما حاول والدي تفاديه طيلة عقدين ماضيين، وهو امساك السلاح، حيث تفرض المدارس على تلاميذ المرحلة المتوسطة (إن كانوا سوريين أو عرب)، تعلّم تفكيك البندقية “التشيكية”، وذلك عبر حصة أسبوعية لمادة “العسكرية”.

تعرّض اللاجئون العراقيون إلى ضغوطات نفسية ومحاكمات مجتمعية كانت تتغير بتغيّر موقف الدولة المستضيفة من النظام العراقي، وكان يصعب إقناع الكثير من سكان الدول المستضيفة أن أفراد الجاليات العراقية اللاجئة ليسوا سفراء لبلادهم، وممثلين لسياسات بلادهم. “صفع أحد المعلمين زميلاً عراقياً لاجئاً، إثر جدل حول الموقف من نظام صدام، بعد سقوطه عام 2003”.

يمنح كثير من الناس في الدول المستضيفة الحق لأنفسهم بمحاكمة الجاليات على مواقفهم من أنظمة بلادهم، وبالنسبة للاجئين العراقيين “المخضرمين” الذين عاصروا نظامين، فقد اضطروا لمواجهة “عشق الشعوب العربية لقائد العروبة” وحزنهم على سقوطه.

اللجوء إلى الوطن

عام 2012، ومع احتدام المعارك بعد أحداث الثورة السورية، غادر معظم اللاجئين العراقيين إلى بلادهم أو وجهات أخرى، وبعد عامين (2014) أعلنت الميليشيات الولائية التابعة لإيران، ما يُشبه الأحكام العرفية في المدن العراقية، ونفذت عشرات الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، كما أعمَلت أسلحتها وصواريخها لاحقاً في مناطق العراقيين السنّة، وتسببت بموجة نزوح ولجوء كبيرة وجديدة، في مناطق لم تنل حصتها من اللجوء إبان حكم النظام السابق.

أغلقت الميليشيات الولائية المتحالفة مع الحكومة العراقية الأفق في وجه الشبان العراقيين، ورَكَزَتْ لهم بين اثنتين، الانتماء إلى الأوساط الميليشياوية، أو الحياة المُذلة، وقد سبق لمعظم اللاجئين العراقيين أن جربوا هذين الخيارين في ثمانينيات القرن الماضي، حين حصرت الحكومة الإيرانية بطاقة “الكارد الأخضر” بالعاملين مع الميليشيات التابعة لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.

“لستَ لاجئاً بما يكفي”

عام 2016، ركب آلاف الشبان العراقيين بحر إيجة، متجهين إلى أي مكان خارج هيمنة الميليشيات.  غادر “جعفر” وآخرون، غرق كثير منهم، ونجا “بطل القصة”، ورغم أن زورقه غرق في الرحلة الأولى، إلا أنه عاود المحاولة بعد أسابيع، ثم شق طريقه من اليونان نحو الشمال دولة بعد أخرى، وصولاً إلى سقف العالم، فنلندا، وجهة اللجوء السادسة للشاب الثلاثيني.  هناك، كان على اللاجئ للمرة السادسة، أن يواجه التعسّف الذي واجهه عشرات آلاف العراقيين وغيرهم، حيث موظف هجرة، يضع كأس فودكا من يده، ويكتب هامشاً على القصة، مفاده “ليس لاجئاً صميمياً”.. وكما في كل مرّة، يعرف “غير الصميمي” هذا، أن ما بعد هذه العبارة، لن يكون سوى رحلة لجوء سابعة، تُكمل الرحلة التي بدأت عام 1980 بقرار “السيد الرئيس” طرد العراقيين غير الصميميين من “بلاده”.

جمهورية الخوف واللاجئين.. موجة كل عقد!

أواخر الثمانينيات، ألّف الباحث العراقي المعارض كنعان مكية، كتاب “جمهورية الخوف”، الذي نشره باسم مستعار هو “سمير خليل”، ولاحقاً، كان مكيّة أحد أعلى الأصوات المدافعة عن ضرورة إزاحة نظام صدام حسين عسكرياً، وليس عبر المقترحات الأخرى التي كانت تناقشها المعارضة.

بعد سقوط النظام، لم يعد مكيّة، أو سمير خليل، مضطراً للكتابة تحت اسم مستعار، لكنه من أجل ذلك، كان مضطراً للبقاء خارج “جمهورية الخوف” لأنها بقيت كذلك! وربما ليس بعيداً عن هذه الصفحة، مازالت الأسماء المستعارة تتوالد..

“لم نفعل شيئاً”.. يقول لسان حال معارضي النظام السابق، تم استبدال مجموعة قرويين سفّاكين متدنّي التعليم، يرسلون العراقيين إلى المنافي عبر موجات لجوء متكررة، بمجموعة قرويين آخرين مشابهين، لا يجيدون غير ما كان يجيده سلفُهم، إلا أنهم جاؤوا هذه المرة من قرى أخرى.

تقع المرحلة الزمنية الحالية (خريف 2019 صعوداً) ضمن ما يُمكن اعتباره موجة اللجوء السادسة للعراقيين خلال القرن الماضي، حيث غادر ويحاول العديد من الشبّان وعوائلهم الفرار من المدن التي تسيطر عليها الميليشيات ومجاميع الحشد الشعبي الموالية لإيران والأجهزة الأمنية الرسمية المسيطر عليها من قِبَل الميليشيات، بعد حملة اغتيالات واختطاف وتعذيب هستيرية تعرض لها النشطاء المناهضون للنفوذ الإيراني.

شهد العام 2016، واحدة من أكبر موجات الهجرة واللجوء للشرائح التي وجدت نفسها بين نارَي سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من العراق، ثم سيطرة الميليشيات رسمياً على معظم المناطق العراقية، حتى تلك التي لم تشهد اجتياح التنظيم الإرهابي مابعد حزيران 2014. وتشير الإحصائيات إلى مغادرة أكثر من 160 ألف عراقي لغرض اللجوء خلال ذلك العام وحده، وهي تقديرات للأعداد التي تمكنت المنظمات من إحصائها فقط.

إبان استعار العنف الطائفي عام 2006، غادر ملايين العراقيين أيضاً منازلهم، نزوحاً إلى محافظات أخرى، أو لجوء إلى دول مجاورة أو بعيدة، ضمن موجة واحدة بدأت بعد فوضى العام 2003 التي خلفها سقوط نظام صدام حسين.  بعد اغتيال المرجع الديني محمد صادق الصدر، وما رافق ذلك من احتجاجات عام 1999، لجأت شريحة من العراقيين تُقدّر بالآلاف إلى إيران وسوريا.

عام 1991، وإثر انتفاضة آذار المسلحة، وما تلاها من حملات قمع جماعي، تأسست فعلياً مجتمعات المنافي العراقية التي بدأت تضم جاليات واضحة في مخيمات شمال السعودية، وإيران وسوريا، وكردستان العراق وأوروبا وأميركا واستراليا. وقد شكّلت موجة اللاجئين العراقيين الذين غادروا البلاد في الثمانينات -بالتزامن مع وصول صدام حسين إلى السلطة- نواة تلك المجتمعات.

وبينما تشير تقديرات إلى أن عدد اللاجئين إبان حكم نظام البعث تجاوز مليوني عراقي، فإن تركيا تضم وحدها اليوم أكثر من 700 ألف عراقي، فضلاً عن أعداد مماثلة في الأردن ودول الخليج ومختلف بقاع الكوكب، تُقدّر أعدادهم اليوم بعدة ملايين.

في الجمهورية العراقية الحالية، التي تلت “جمهورية الخوف” مازالت منظمات حقوق الإنسان وحماية الصحفيين والنشطاء، تضخ رسائل الاعتذار لطالبي اللجوء العراقيين بسبب الزخم الكبير الخارج عن قدرتها على الاستيعاب.

المصدر:
النهار العربي

خبر عاجل