هذا ما حصل في زحلة نيسان 1981 بقيادة بشير الجميل والرفاق

منذ أواخر صيف 1980، أصبحت زحلة هدفاً تحت المجهر السوري الذي ارتأى إخضاعها تحسّباً لظروف اقليمية غير طبيعية، فزحلة هي المفتاح إلى الداخل السوري، والبقعة البشرية والإقتصادية والصناعية الأساسية في البقاع التي يعتبرها السوريون منطقة أمنية حساسة.

دخل السوريون إلى البقاع، تحت غطاء قوات الردع العربية، وفي مخيلتهم ألف هدف وغاية، وفي اعتقادهم انهم، بعد احتلال المدن والقرى والتلال والأودية والطرقات، يستطيعون أن يمتلكوا نفوس البقاعيين وأن يبدّلوا تفكيرهم وتطلعاتهم ليضموا على الأقل هذه المنطقة، إذا فشلوا في احتواء لبنان كله… ولكن سرعان ما تبدلت الآية، بعدما لمسوا بأن الزحلاوي هو صعب المراس متشبّث بأرضه وبمعتقداته وحريص على عاداته وتقاليده التي ورثها وعاشها جيلًا بعد جيل.

فخيبة الأمل هذه دفعت السوريين إلى شنّ الحرب ضد الزحلاويين، علّهم بذلك يتمكنون من إذلالهم وقتل روح العنفوان فيهم ومنعهم من السير قدمًا على دروب الحق والحرية. ولأن منطقة البقاع هي منطقة في غاية الدقة، ولأن زحلة هي عاصمة البقاع وقلبه النابض لم يكن مستغربًا أن تهبّ “القوات اللبنانية” للدفاع عنها شبرًا شبرًا مع تصميم أهالي زحلة على تحمّل مسؤولياتهم تجاه مدينتهم، من القطاع الشرقي، إلى وادي العرايش، إلى قاع الريم والقطاع الغربي وحوش الأمراء والمعلقة والبقاع عموماً.

ما أنجزته القوات اللبنانية بقيادة مؤسسها بشير الجميل عام 1981 كان دعم الزحلاويين للبقاء في أرضهم في وقت تتصاعد فيه رائحة البارود وتتوالى التعزيزات العسكرية السورية واليسارية.

عسكرياً كانت مدينة زحلة بالنسبة إلى السوريين منطقة استراتيجية مهمة، إذ اعتبروها شوكة مسيحيّة “عميلة” متداخلة في خغرافية أمنهم “الطبيعي في البقاع اللبناني”، الملاصق لحدودهم، وخوفهم من عملية “التفاف اسرائيلية” عبر زحلة باتجاه العاصمة السورية. إذاً منذ خريف 1980، أضحت زحلة هدفاً تحت المجهر السوري الذي ارتأى إخضاعها تحسبًا للظروف الإقليمية غير الطبيعية. فكما ان اسرائيل تسعى إلى تثبيت أقدامها في الجنوب، إرتأت دمشق تقوية نفوذها على كامل البقاع والإنتهاء من “عائق” زحلة المتواصل مع المناطق الشرقية الحرة عبر الجبال. لذلك، بدأت التحضيرات السورية العملانية، لتضيق الحصار على المدينة الآبية، والعمل على اجتياحها عند أول فرصة سانحة. ومنذ بداية عام 1981 بدأت حلقات الحصار تشتد على خناق زحلة. وأقام السوريون السواتر الترابية والمواقع المحصّنة والحواجز على تخوم المدينة، معززة بأرتال من الدبابات وكتائب “الوحدات الخاصة”، ونشروا مئات الدبابات والعربات المصفّحة بشكل دائري، من تمثال السيدة العذراء حتى كسارة، ومن الكرك إلى حزرتا، ومن جسر زحلة إلى المعلقة إلى خط السكة، وعشرات المواقع الأخرى. وقامت كتائب عديدة من وحداتهم الخاصة بالتموضع على التلال المحيطة بشكل أصبح فيه التحرك في زحلة نهاراً، مكشوفاً ومحفوفاً بالأخطار. عملياً نجح السوريون بتطويق المدينة من جهاتها الأربع، مع بقاء بعض الثغرات والمسارب الصعبة من الجهة الغربية. وفي السهل المترامي قرب زحلة ربض السوريون العشرات من راجماتهم الصاروخية ومدفعيتهم الميدانية.

وخوفاً من ارتكاب مجزرة “دامور ثانية” بدأت تلوح في الأفق، طلب قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل من اثنين من القادة العسكريين في “القوات” بطرس خوند وفؤاد أبو ناضر، التوجّه إلى زحلة عبر الجبال، لدرس وضعها ميدانياً وتنسيق عمليات الدفاع عنها مع الفعاليات السياسية والدينية والحزبية في المدينة.

انتهت مهمة أبو ناضر وخوند في 8 كانون الثاني 1981، وفور وصول أبو ناضر إلى بيروت، سلّم بشير الجميل تقريرًا مفصّلًا عمّا شاهده في المدينة وعن حاجاتها للصمود. فباستثناء عزيمة وتصميم أهلها، كانت زحلة تفتقر إلى كل شيء تقريبًا: أسلحة، ذخائر، شبكات اتصال، أدوية ومواد غذائية. تمّ انشاء شبكة اتصالات بين زحلة وبيروت، وجُهّزت الخطط العسكرية الدفاعية واللوجستية لتحسين أوضاع المنطقة، ونُقِلَت المجموعات الزحليّة التي تألفت من 400 شاب إلى كسروان لتدريبها وتجهيزها.

وفي منتصف كانون الثاني 1981، قرّر بشير إنشاء قيادة عسكرية في زحلة بآمرة جو إده الذي كان قد شكّل وحدات المغاوير بعدما اختار عناصرها من مختلف القطعات العسكرية، الذي انطلق إلى المدينة مع مجموعة مختارة من قادة المجموعات منهم: ابراهيم حداد، جورج قزي، جوزف اسطفان، سليمان الحويك وسليمان الحاج موسى.

كانت مهمة مجموعة المغاوير العمل على تجهيز هذه القطاعات بالأسلحة والأعتدة وبوسائل الاتصال الميدانية السلكية واللاسلكية وتحضير المجموعات القتالية وتوزيع مهامها وحفر خنادق وإقامة التحصينات والدشم ودراسة الخرائط وخصوصًا زرع الألغام ليلًا على مقربة من المواقع السورية وسواتر الدبابات وخيم الجنود. وقامت مجموعة المغاوير بالإتصال بمجموعة الأحزاب في المدينة، وكان هدفها اقناعهم بما تقوم به ليتجاوبوا معها. كانت كل الأعمال تتم ليلًا وفي السرّ، وكانت احدى المجموعات تنام في منزل يبعد 100 متر عن الحاجز السوري قرب تمثال العذراء وذلك لكي لا يتبادر إلى ذهن أحد انها تعمل سرًا لتنظيم وتدريب شباب زحلة.

من جهة أخرى، سعت قيادة “القوات اللبنانية” في صنين وعيون السيمان، وتحت خطر قنص الراجمات السورية والظروف المناخية الصعبة، إلى شق طريق من تلة عرمتا باتجاه “الغرفة الفرنسية” في أعالي الجبال الغربية، وتأمن عمليًا “طريق الوصول”، حيث انتشرت مجموعات قتالية على تلال نيحا والنبي ايلا وتمنين الفوقا وعرمتا وجبل العريس لحماية هذا الشريان الإستراتيجي، وبدأ العشرات من المقاتلين يصلون إلى زحلة سيرًا على الأقدام، وينقلون بواسطة البغال، الأسلحة والمعدات والذخائر والأدوية والمؤن، في حركة لا تهدأ.

كان المقاتلون يسلكون الأودية والهضبات غير المكشوفة على السوريين الذين كانوا يطلقون صواريخ الراجمات من وقت إلى آخر عند رؤيتهم دخان المازوت المنبعث من عوادم الجرافات، فكانوا يوقفون العمل ويختبئون ومن ثمّ يتابعون. واستمروا هكذا بلعبة القط والفأر حتى شقوا معظم الطرق، وبداية الإنزالات السورية.

وعلى الصعيد المدني والشعبي، تولى جوزف الياس إعداد المدينة للمواجهة، حيث أقام المستوصفات وانشأ اللجان الشعبية.

كان المقاومون مكشوفين تماماً داخل زحلة، فأي تحرك من قبلهم كان على مرآى من الجيش السوري الذي انتشر على معظم التلال المحيطة بالمدينة، كما تمركزوا في مبنى تمثال العذراء على التلّة، بينما تمركز عناصر “القوات” في مستشفى تلّ شيحا وأقاموا خنادق ومتاريس في المدينة الصناعيّة التي تطلّ على السهل. وعملت “القوات” إلى وضع عدد كبير من ألغام الآليات في السهل حول المدينة، وخصوصًا على الخط الممتد من تمثال زحلة حتى آخر المعلقة، ما أجبر الآليات السورية على سلوك الطرقات المعبّدة، وهكذا تمكّن الشباب من حصرها وتوقيف تقدّمها بقذائف الميلان وقذائف الـ”ب7″.

بعد تطويق المدينة، ضايق الجيش السوري الأهالي، فتوالت عمليات خطف الزحلاويين وسط تحضيرات متبادلة وأجواء معركة صامتة، إلى أن أصبح الظهور العسكري لشباب زحلة علنيًا، وكان الناس يعملون نهاراً ويستنفرون ليلاً، حتى انفجر الوضع في تلة الحمّار المعلّقة وكانت الشرارة الأساسية لحرب زحلة الطويلة.

كان السوريون متواجدين عند مدخل المدينة بحجم سرية من سرايا الدفاع موزعة على 3 بنايات: بناية الرهبان، وبناية معلوف وبناية غُرّة عند مدخل المدينة الصناعية، إضافة الى انتشارهم حول تلال زحلة ما عدا خط الشير الأحمر ـ عرنطة ـ قاع الريم. أما “القوات اللبنانية” فكانت تسيطر على مرتفعات الجرد من الغرفة الفرنسية مروراً بقواميع العبد وصولاً الى الشير الأحمر التي شكلت نقطة الانطلاق في اتجاه زحلة.

في 31 آذار 1981، انفجرت الحرب في زحلة، عندما تقدّمت جرافتين سوريتين بحماية بضعة دبابات بإتجاه تلة الحمّار وتلة حرقات لإقامة مواقع وسواتر بهدف فصل المدينة عن الجرد، واحكام الطوق عليها بشكل كامل، ومنعًا لتحقيق ذلك توجهت مجموعة من “القوات اللبنانية” بقيادة جوزف اسطفان(الماريشال)، دمّرت جرافة أصيب حولها عدد كبير من جنود الإحتلال، فاندلعت اشتباكات على تلّة الحمّار، وبدأ السوريون يقصفون زحلة بالدبابات والراجمات والهواوين.

وقامت مجموعة من المدينة الصناعية بقيادة جان أوهانيان Cobra بتطويق القوة السورية على منطقة الجسر بينما قامت مجموعات أخرى بتطويقها من المعلقة وحوش الأمراء. سارع السوريون الى إرسال دعم قوامه 4 دبابات نوع T55 وملالات نوع B.R.DM من الكرك في اتجاه الجسر لمساندة سرايا الدفاع فقام Cobra بإطلاق قذيفة B2 على دبابة المقدمة فأعطبها، بينما استهدفت الدبابات التي كانت خلفها بقذائف B7 من المعلقة والمدينة الصناعية على السواء حيث تم تدمير القوة السورية بكاملها وسقطت واحدة تحت الطريق وبقي محركها يعمل حتى فرغ خزانها من الوقود. منظر رهيب وانتصار عظيم لـ”القوات اللبنانية”: جثث الجنود السوريين خارجة من طاقات الدبابات المشتعلة. صرخات النصر بدأت تُسمع في الفضاء مع زخّات الرصاص. لقد حوصرت الدبابات بين نيران المعلقة ونيران المدينة الصناعية من جهة سكة الحديد. ودار قتال شرس بين مشاة “القوات” ومدرعات العدو ما لبث أن أصبح اشتباكًا بين المشاة ووحدات المغاوير والوحدات الخاصة السورية التي تقدمت في المعلقة باتجاه الدبابات المحترقة في محاولة لسحبها، فتصدت لها مجموعات قتالية قواتيّة في زواريب المعلقة واشتبكت معها من رجل الى رجل. سليمان الحاج موسى وحبيب نمّور ومجموعتهما وجورج القزي مع جان أوهانيان والشباب السريان المردينيين (نسبة إلى مردين) من المدينة الصناعية.

شاهد مقاتلو “القوات اللبنانية” بالعين المجردة دبابتين معطوبتين تركهما ضابط سوري وعناصره وحاولوا الهجوم باتجاه الكرك، فأطبقت عليهم مجموعة من “القوات” بقيادة بيار الحاج وسليمان الحويك وطوقوهم قرب بناية “شيبان”.

في 3 نيسان 1981، اشتد القصف على زحلة واستعمل السوريون المدافع المضادة للطائرات للقنص في كل الإتجاهات. وعاودوا هجومهم المدرع باتجاه الجسر الذي يربط حوش الأمراء بالمعلقة، فتصدى لهم شباب المقاومة ودمّروا لهم ثلاث دبابات بواسطة صواريخ “ميلان” أحرقتها بالكامل، ولدى إرتدادهم لاحقتهم مجموعة من “القوات” ودمّرت لهم دبابة رابعة قرب محطة محروقات “عماد الدبس”. هاجمت المجموعة القواتية بنايتي “صخر” و”غرّة”، فاستشهد يوسف الحسن وجُرِحَ خمسة من رفاقه المقاتلين. لكن عدد الدبابات المدمّرة بلغ ثماني.

كانت أوامر القيادة تقضي بالدفاع عن المدينة لا مهاجمة مواقع القوات السورية. من جهتهم استقدم السوريون وحدات خاصة تمركزت في البنايات التي هوجمت وبقيت فيها طيلة الحرب.

في ذروة المعركة تمكنت إحدى الدبابات السورية من التقدّم باتجاه المعلقة حتى مفرق المستشفى حيث عالجها المغوار بيار جريج بقذيفة صاروخية، وتمكنت مجموعة خاصة من “القوات” من قتل الجنود المختبئين وراءها.

دمّر مقاتلو “القوات اللبنانية” عشرة دبابات في المعلّقة، إذ كان السوريون يتقدّمون بالدبابات والجنود يختبئون في داخلها… لم يكن مع الدبابة عناصر مشاة لحمايتها من قذائف الـ ب7، مما سهّل ضربها، بل بالعكس كان الجنود يتركونها ويهربون بإتجاه الكرك.

هكذا استولت “القوات” على المتاريس التي كانت قوات الردع السورية قد أقامتها على المحاور الرئيسية الكبرى لزحلة، وكانت نقطة اللارجوع قد جرى تجاوزها، وسهولة سيطرة “القوات” على هذه المتاريس جعلت الأركان السورية تعتقد بأن بعض الإسرائيليين كانوا يقاتلون إلى جانب مسيحيي زحلة.

من ناحية أخرى، ومع اشتداد الضغط السوري إلى حد اللاعودة، قررت قيادة “القوات اللبنانية” دعم المدينة المحاصرة بوحدات مركزية قتالية جديدة، فتشكلت عدة مجموعات مميزة من ثكنة أدونيس، ومجموعة من وحدات بيروت، ومجموعة من المغاوير، ومجموعة من البقاع تابعة لمفوضية البقاع في بيروت ومجموعة المضاد للدروع.

كانت التقارير تصل الى غرفة العمليات المركزية في المجلس الحربي في زحلة عن حشود سورية مدرعة على تلال زحلة وقصف عنيف على شوارعها ومنازلها فقرر الشيخ بشير دعم المقاتلين الموجودين في المدينة بالعديد والعتاد، فأوكل المهمة الى الدكتور سمير جعجع قائد جبهة الشمال حينها للصعود الى زحلة ودعم العمليات الحربية ضد السوريين

وصلت القوة وكان الصباح قد حلّ الى مشارف الشير الاحمر في جرود عيون السيمان، مما فضح تحركاتهم من جانب السوريين الذين رأوهم من منطقة رياق حيث هناك مجموعات كبيرة تراءت لهم على شكل بقع سوداء على الثلج.

فجأةً انهمر القصف العنيف بالهواوين والراجمات على المجموعة، وقد استشهد في هذا القصف رفيقان هما نجا الخوري من بلدة المغيري جبيل وكان قائداً لثكنة اللقلوق ونبيل رحمة من بشري وهو مرافق جعجع. وبقيت جثتهما حتى 8 نيسان 1981 حيث تم سحبهما.

ولكن جعجع تبلّغ أمرًا بالرجوع مع القوة الى الشمال لأن السوريين بدأوا بالتحرك على جبهة الشمال. وخوفًا من اختراق الجبهة، أوعز الشيخ بشير الى جعجع بالعودة.

وفي ليل 10 و11 نيسان 1981 وجّه قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل، عبر الأجهزة اللاسلكيّة البرقية التالية إلى المقاتلين في زحلة: “أيها الرفاق، أمامكم ساعة واحدة لتتخذوا قرارًا تاريخيًا، فأما أن تظلّوا في زحلة أو أن تغادروها، لأن الطريق لا تزال مفتوحة لبضع ساعات فقط. إذا غادرتم زحلة حافظتم، ولا ريب، على حياتكم، ولكن سقوط المدينة يصبح حقيقة أكيدة. وهذه تشكّل نهاية ملحمة المقاومة. وإذا بقيتم ستجدون أنفسكم بلا ذخيرة، بلا خبز وبلا ماء. وستكون مهمتكم تنظيم المقاومة الداخلية، والدفاع عن هوية البقاع اللبنانية، وهوية لبنان المسيحية. إنني أفوّض إليكم كل الصلاحيات لتقرروا ما ترونه مناسباً. لا أريد أن أتفلسف من بعيد. إن مكاني هو إلى جانبكم في زحلة، وكنت أود أن أكون معكم. لأني بين الموت بقذيفة عشوائية في بيروت، أو الموت حاملاً سلاحي في زحلة، أفضّل الموت في المعركة. إذا قررتم أن تبقوا فاعلموا شيئًا واحدًا وهو: أن الأبطال يموتون ولا يستسلمون”.

وكان الجواب: “واعون وصامدون والباقي على الله!”. ويروي الكسندر الجميل أحد المقربين من بشير، ان الأخير راودته لحظات ضعف حقيقية خلال معركة زحلة، وقد شاهد عينيه دامعتين وفي حالة شديدة التأثر لما يعانيه أهالي زحلة، مشككًا للحظة واحدة بقراره الاستراتيجي في خوض معركة الصمود. لكن خلال هذه المعركة تحوّل بشير إلى مكّوك حقيقي محليًا واقليميًا ودوليًا، ولم يكن ينام خلال الـ24 ساعة، باذلًا  كل جهد لإنهاء المعركة لمصلحة المسيحيين وإن عبر الصمود فحسب.

استنفرت وسائل الاعلام المحلية والدولية وجعلت من زحلة “آخر مدينة مسيحية في الشرق”، فتحوّل الهجوم السوري حربًا باردة، وبدأت عندئذ استراتيجية بشير المدينية (حرب الشوارع) تعطي ثمارها.

فضاعف اتصالاته بالقادة التقليديين ونسّق جهوده مع الدولة اللبنانية وحوّل معركته معركة وطنيّة. كذلك ضاعف من إطلالاته الإعلامية التي كانت مفيدة جدًا خلال المعركة، وكان يتحدث بمضمون يثير العواطف الانسانية وخصوصًا عندما روى قصة المقاتلين اللذين كانا مكلفين بحراسة نقطة عسكرية في زحلة، إذ وجدا في اليوم التالي، عندما حان وقت المناوبة، متعانقين، يحضنان أسلحتهما، وقد استشهدا بسبب الموت من جراء الجليد وهما يحرسان احدى التلال. وروى كذلك كيف كان المقاتلون يضطرون إلى السير 48 ساعة على الثلج، حاملين على ظهورهم ذخائر ليزوّدوا بها رفاقهم.

استمرت الحرب حتى أواخر حزيران، بعدها، تكثّفت الاتصالات والتحركات ونضجت التسوية، وقضت بوقف اطلاق النار وسحب جميع الوحدات الخاصة السورية التي تحاصر زحلة، وتسليم قوى الأمن الداخلي مواقع على طريق حوش الامراء والمعلّقة ومنطقة الجسر وتمثال العذراء. وفي المقابل، يتمّ نقل مقاتلي “القوات اللبنانية” بواسطة باصات قوى الأمن.

لكن ما حصل بعدها أن الجيش السوري لم يحترم الاتفاق ولم يسلّم مواقعه إلى قوى الأمن الداخلي، ولا سيما على مفرق كسارة وحوش الامراء وتمثال العذراء، فحرص جوزف الياس على ابلاغ بشير بذلك. وتأكد للجميع أنه لا مجال للإستكانة والإطمئنان إلى اي اتفاق مع السوريين الذين امتهنوا الغدر والإنقلاب على الإتفاقات مهما كانت أهمية الجهة الضامنة.

على صعيد خسائر الفريقين، أفادت مصادر الصليب الأحمر الدولي في جنيف، ان المواجهات في زحلة والقصف الذي دام مدة 90 يومًا، أدت إلى 200 قتيل وزهاء 260 جريحًا. أما قيادة “القوات اللبنانية” فنعت 33 من مقاتليها استشهدوا في زحلة وعلى تلالها. وبالنسبة إلى الخسائر في صفوف الجنود السوريين، فقد تطابقت الأرقام التي سرّبتها المخابرات الفرنسية مع تلك التي تكلمت عنها التقارير الأمنية ومصادر المستشفيات التي أجمعت أن السوريين فقدوا زهاء 350 من جنودهم وجرح لهم قرابة الـ400. كما تمّ اعطاب 32 دبابة وناقلة جند سورية، وإصابة سبع راجمات من نوع “ب.م21″، وأربعة مرابض مدفعية من عيار 122 ملم و160 ملم في محيط القرى البقاعية المحتلة. كما تمّ تدمير قيادة جيشهم في شتورة، ومواقع تجمّعات في بعلبك وقرب الحدود السورية والمصنع وجديتا وسعدنايل والكرك ووكسه ورياق وقب الياس وتعلبايا.

كسب بشير المعركة معنوياً وسياسياً، فكانت زحلة جسر عبور له إلى المحافل الدولية، وجعلت منه قائداً بلا منازع على كل مسيحيي لبنان. إضافة إلى ان قضية الصواريخ السورية التي تزامنت مع معركة زحلة، منحته ثقلاً معنوياً على “الأرض”، واعطته حجماً دوليًا. بعدها انتقل إلى واشنطن حيث صادقت ادارة الرئيس رونالد ريغن على مشروع بناء دولة لبنانية قوية يسيطر عليها المسيحيون. وعند عودته إلى لبنان، أطلق شعار الـ10452 كيلومتراً مربعاً.​

المصدر:
akhbarkum-akhbarna.com

خبر عاجل