
كتب المحلل السياسي الياس الزغبي، “لم يعُد خافياً أن الصراع السياسي في لبنان يكتسب المزيد من الوضوح والحسم على عنوانَين يشكّلان شرطَين لازمَين وضروريَّين للانقاذ الاقتصادي المالي الاجتماعي، ونجاح الحملة على الفساد والفاسدين، وإعادة بناء الدولة على أسس عصرية علمية سليمة”.
العنوان الأوّل إستعادة السيادة وتحرير القرار الشرعي من ربقة سلاح “حزب اللّه” ومحور الفقر والموت والتخلّف والعزلة الذي تقوده “الثورة الإسلامية”.
والعنوان الثاني وجوب إجراء الاستحقاقَين الانتخابيَّن النيابي والرئاسي في موعدَيهما الدستوريّن:
15 أيّار للنيابي وأيلول أو تشرين للرئاسي.
وعنوانا المواجهة يفرزان الفريقَين المتقابلَين فرزاً عميقاً.
فمن جهة الفريق السيادي الذي تتقدّمه بكركي ومعها تشكيل سياسي واسع من الأحزاب والقوى والشخصيات المستقلّة التي جمعها سابقاً إطار “١٤ آذار”، وبعده إطار ” 17 تشرين”، ولو ظهرت اليوم كأنها متباعدة ومتناحرة في لوائح متواجهة.
وقد حسمت بكركي أمس وجوب إجراء الاستحقاقَين، الرئاسي بعد النيابي، ما وضعها في مواجهة مباشرة مع ” عهد عون” الساعي إلى أحد اتجاهين: التمديد أو التوريث، بإسناد مباشر ومكشوف من “الحزب” وامتداده السوري والإيراني.
من جهة ثانية، هناك “فريق الممانعة” الطارد للسيادة والاصلاح برأسه وأطرافه، يتحرّك بين حدَّين: الاتجاه إلى خوض الانتخابات بشرط ضمانه المسبق للأكثرية النيابية عبر نجاحه في تعويم أذرعه وغرقاه لدى المسيحيين والسنّة والدروز، وتبييت ذرائع تعطيل الانتخابات بشقَّيها، في حال فشل مخططاته لتعويمهم.
ولا يخفى أن توجّس البطريرك بشارة الراعي ممّا تبيّته ضاحية “حزب اللّه” وضاحيتها في قصر بعبدا لجهة نسف الانتخابات النيابية ثمّ الرئاسية إذا استشعرتا مسبقاً خسارتهما الأكثرية، دفعه إلى رفع التحذير العالي المجلجل والمكرّر من هذا التوجّه التفريغي الخطير للمؤسسات الدستورية تحت ستار التمديد.
ولا ضَير في أن تحدث مواجهة سياسية وطنية بين بكركي وبعبدا، طالما أن الانحراف عن الدستور بات ماثلاً وداهماً لدى المرجعية التي أقسمت يمين حمايته. ولا يضير المسيحيين أولاً، كما سائر اللبنانيين، أن تلتزم بكركي موقعها التاريخي ورسالتها الوطنية في إنقاذ لبنان من خطر الزوال، متجاوزةً ما كان يُعرف بتكامل الصرحَين. إذ لم يسبق أن خرج رئيس جمهورية عن السياق الوطني وحيادية التكوين اللبناني إلى الحدّ الذي بلغته الحال الآن.
فصحيح أن بعض رؤساء الجمهورية اللبنانية انجرفوا سابقاً، بفعل طغيان المصالح، إلى أخطاء جسيمة في ممارسة الحكم، لكنّهم لم يتجرّأوا على ضرب هويّة لبنان وزجّه في نقيض ذاته وتاريخه ودوره وانتمائه وحياده ورسالته، أو على الأقل لم يتمكّنوا من ارتكاب هذه الخيانة العظمى، في تسليط السلاح غير الشرعي على الدولة.
ومن هنا، تأخذ المواجهة السياسية المتصاعدة عنوانها الوطني العميق بين محورَي السيادة والتبعيّة، وتصبح كل العناوين الأخرى فرعيّة على أهميتها، وقابلة للمعالجة بعد تثبيت ركائز السيادة.
فالأولوية هي للوجود والحياة،
على القاعدة السائرة: “عِش أوّلاً ثمّ تفلسف”!