![]()
![]()
![]()
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1727
المال السياسي والرشوة أول الناخبين… برطيل!
وطنك للبيع؟… صوتك بتنكة مازوت
من المحاولات مع القديسين تبدأ الرشاوى في لبنان. حتى القديسون لم يظمطوا من رشوة اللبنانيين لهم، وحسناً أنهم على الأقل يعرفون نوايانا الحقيقية، وإلا لتحوّلت الارض الى جحيمنا النهائي… لحظة، قلتم الجحيم؟؟ ألا يعيش المواطنون اللبنانيون جحيمهم الفعلي في ظل سلطة مماثلة واحتلال إرهابي مماثل؟ أو ربما لدينا الآن فرصة لنقتنصها ونحقق أرباحًا لا ع البال ولا ع الخاطر. فالانتخابات موسم مواسم الربح المجاني، ورشاوي رشاوي…
في 15 أيار المقبل سيُمتحن اللبنانيون، إما أن يكونوا أصيلين ويختارون نوابًا شرفاء لإنقاذ بلادهم، أو يكررون انتخاب جحيم السلطة إياها، وعندها لن تنفع لا الدعاوى ولا الإغراءات الحارة للقديسين، ولا الضربات الحارة على صدور النساء المترّجيات، ولا حتى ملايين الرشاوى التي تتدفق في مرحلة الانتخابات على بيوت اللبنانيين وجيوبهم، وكأنها مطر السماء بعد طول مواسم محل وجفاف، لإنقاذهم من جحيم ما اختاروه.
إذاً، هو موسم الغلال بالنسبة لبعض اللبنانيين، إذ تنهمر الخدمات فيضانات وفي الإتجاهات كافة، من قِبل المرشحين. فجأة يتحوّل هؤلاء الذين غابوا طيلة فترة نيابتهم عن أنظار ناخبيهم، الى حواتم طي بالجملة، ويتدفق كرمهم «ونبلهم» المستجد، ويصبحون حناين ولا حنان الأمهات على الشعب اللبناني «الحبيب»، ويبدأون بالخوف عليه كالخوف على أولادهم، من البرد والحر، وحتى من نسمة الهواء أن تلفح وجوههم وتلقحهم في البيت لا حول ولا قوة، فلا يتمكنون من آداء «واجبهم» الوطني، والواجب الوطني إياه لا يتعدى عتبة انتخاب «الزعيم» إياه «الشاب» ما غيرو، المتربّع من عشرين أو ثلاثين أو أربعين عامًا على الكرسي النيابي إياه!!
فجأة يتذكَّر المرشحون أن اللبنانيين هم مواطنون محروقون منكوبون مديونون، فيفتحون جيوبهم التي ملأوها أساسًا من خيراتنا وغلالنا وأموالنا، فيغرفون ويضعون في خوابينا الفارغة البعض القليل مما نهبوه منا. إنها وقاحة الرشوة، إنها منا وإلينا تعود، كما تلك العبارة القاتلة «أذكر يا إنسان أنك من التراب والى التراب تعود».
شو حقك؟ كرتونة إعاشة؟ أم لعل أغلى بقليل، بلكي مئة دولار للصوت الواحد؟ مين قال أنا ومين باع ومين اشترى؟! «حقنا ربطة خبز»، تقول مواطنة من بلدة غزة البقاعية، في إشارة الى أن مرشحًا على لائحة «حزب الله»، يوزع ربطات خبز، ويغرق المراسل الذي كان يصوّرها بالضحك بينما تقول هي بمرارة «هالقد صرنا رخاص بهالبلد؟».
توزيع الخبز والإعاشات التي تسبق الانتخابات بشهور، صارت فكرة بائخة بالنسبة للبنانيين، الذين وبحسب آخر الإحصاءات، من بعد الحرب العالمية الأولى والمجاعة التي أصابت البلاد آنذاك بسبب حكم الأتراك، لم يصنّف اللبنانيون كشعب فقير إلا في السنتين الأخيرتين بسبب الإنهيار المالي والاقتصادي، والتدني الهائل في المستوى المعيشي للأسباب التي نعرفها جميعًا. لذلك، وبحسب خبراء في مراقبة الانتخابات، فالمنخّب الرئيس لهذه السنة هو المال السياسي والرشاوى في الدرجة الأولى.
يقولون إن الفينيقيين الأوائل أبدعوا في ممارسة الرشوة، وهم من أطلقوا فكرة الرشاوى، حين أرسل ملك جبيل موفدًا إلى فرعون مصر، ينقل إليه إستعداده لمنح مصر خشب الأرز في مقابل أن يُرسل الفرعون فرقة عسكرية لتأديب ملك مدينة صور. بعض المحللين يرفض تسمية عرض ملك جبيل بالرشوة بل اعتبروا أنها تدخل في باب المفاوضات، أما زمن الرشاوي الذهبي فكان على أيام الإحتلال العثماني، الذي أدخل الى أدبيات اللبنانيين فكرة البرطيل، الذي كان يوزع على جواسيسهم، ليراقبوا مناطق نفوذهم، وليبثوا روح التفرقة والفتنة لتبقى لهم السيادة والحكم المطلق.
على مر الزمن تطورت أفكار الرشاوى لتصبح رائدة في زمانها وأكثر إبداعا وابتكارا، مثلاً توصَّل بعض المرشحين في لبنان الى اعتماد أسلوب تسديد ديون الناخب في الدكّان أو في المستشفى، أو ربما، تعبئة المازوت إذا كان الناخب من أهل القرى، وما شابه. ولعل أسوأ أنواع الرشاوي على الإطلاق والذي اعتمد في الأعوام العشرة الأخيرة، خصوصًا في بعض الوزارات المدهنة مثل الطاقة والإتصالات، حيث شهدت تلك الوزارات أكبر نسبة توظيف عشوائي من قبل الوزير السابق جبران باسيل، وكذلك الأمر في وزارة المال من قبل الوزير علي حسن خليل. توظيفات انتخابية عمدت الى «وضع» الموظفين غير الكفوئين غالبا، فقط لاستعمالهم في الإستحقاق الانتخابي، ولا يهم ما أذا كانوا أرهقوا خزينة الدولة الى درجة الإفلاس والإنهيار التام.
«برطيل برطيل أمان الله برطيل» يقول الرحابنة في مسرحية «يعيش يعيش»، وليعيش الصوت الانتخابي في صناديق المرشحين، تنهال أيضًا الخدمات التي لطالما كانت عصيّة على المواطنين، كأن تعمد مثلاً وفجأة وبوحي ربّاني عالي القداسة، مرشحة في منطقة كسروان، الى تجهيز الطرقات بالطاقة الشمسية بعد أن كانت حجبت الكهرباء لشهور وشهور عن لبنان يوم كانت وزيرة طاقة، وأكثر من ذلك مرّرت خطوط التوتر العالي فوق رؤوس المواطنين في برمانا ومحيطها على رغم إعتراض الأهالي واعتصامهم واحتجاجاتهم المتواصلة، لعلها يومذاك لم تكن تحسب حساب النيابة، ولما فعلت تنبّهت الى حاجتها الملحة لاسترضاء الناس، هيك بالصدفة ومن دون أية خلفية بالتأكيد!!
برطيل برطيل، أو لعلها أصبحت ثقافة شعبية عامة عادية تنهار أمامها القضايا الكبيرة مثل الحفاظ على سيادة الوطن، أو كيان الوطن، أو التخلّص من الفاسدين المفسدين للدولة ومؤسساتها، علمًا أن أكثر كلمة يستعملها السياسيون في لبنان هي عبارة «مكافحة الفساد»، ويبنون خطابهم الانتخابي على تلك العبارة التي أصبحت متل طبخة المجدرة كل يوم جمعة، يريدون مكافحة الفساد ويلجأون الى أكثر الأساليب الواضحة والمباشرة في ممارسة الفساد أي الرشوة. أهو التناقض أم التحايل؟
«العام 2018 أجرينا إستطلاعًا للرأي على 1200 شخص، تبيّن أن 47 في المئة منهم إما أن تُعرض عليهم الرشوة، أو أنهم يعرفون كثرًا عُرضت عليهم الرشاوى. الوضع الاقتصادي اليوم أسوأ بكثير من الأعوام السابقة ومن المتوقع أن تكون الرشوة المنخّب الرئيس في الكثير من المناطق، خصوصًا الأشد فقرًا، حتى لو كان يعلم هؤلاء أن الرشاوى الآنية لن تخرجهم من «الجورة» ولا من واقعهم المزري، لكن حاجاتهم المعيشية ستتغلّب على المعتقدات السياسية والسيادية فيقبلون الرشوة ويبدّونها على الانتخابات السياسية. والمخاطر عالية جدًا لأن المال الانتخابي سيكون المنخّب الرئيس في الكثير من المناطق» يقول جوليان كورسون.
وضع اقتصادي منهار، وضع سياسي يرزح تحت وطاة السيطرة الإيرانية من جهة، وسطوة سلطة غير مسبوقة بفسادها من جهة ثانية، وشعب أصبح في غالبيته تحت مستوى الفقر، ودولة غافلة تمامًا عن إحتياجات مواطنيها، وغياب تام لأبسط الخدمات مثل الكهرباء والإستشفاء وحتى الغذاء والماء، إضافة الى أداء بعض السياسيين الذي كرّس مفهوم الرشوة الذي تحوّل الى ثقافة عامة معتمدة من جيل الى جيل، فهل سينتخب الفقير إلتزامه الوطني تجاه بلده أم سيبيع صوته للأغلى سعرًا؟ «الإلتزام السياسي هو تحدٍ كبير عند الناخبين، والوعي السياسي ليس من أولويات الشعب عمومًا، إنما أولوياتهم أصبحت الحاجات الأساسية الحياتية، لذلك تضاعف عامل الرشوة الانتخابية كبير جدًا، علمًا أن القانون يُعاقب عليها لكن من يطبق القوانين في لبنان؟ بمعنى آخر الإنتماءات السياسية تضعف أمام الحاجة المادية، لذلك وبحسب الدراسات الأخيرة فإن المخاطر عالية جدًا أن يغلب المال السياسة ونخسر فرصتنا في التغيير الفعلي» يقول كورسون.
على فكرة، ألا يوجد في لبنان ما يُسمّى بهيئة الإشراف على الانتخابات؟ نعم يوجد. برافو وما دورها إذن؟ بحسب القانون، على هيئة الإشراف رصد نفقات المرشحين ومراقبة حسابات الحملة الانتخابية، وهي آلية تمكّن من ضبط الرشاوى المستشرية عموما لكن لا يمكنها ضبط مخالفة شراء الأصوات ورصدها بشكل دقيق. وحتى لو ضُبط الراشي والمرتشي فلا أحد يُعاقب «لا أحد يُعاقب في لبنان لا الراشي ولا المرتشي، منشان هيك الشباب بياخدوا راحتن أكتر وأكتر. وثمة شعور بأن هالانتخابات لن تأتي بثمارها لناحية التغيير لأن الرشوة هي المنخّب الأول بحسب الإحصاءات بالتاكيد، إلا إذا حصلت مفاجآت وغلب الحس الوطني لدى الناخب، إضافة الى أصوات المغتربين التي ممكن أن تقلب المعادلة» يقول كورسون.
امممم… وبناء على ما تقدم ماذا يمكن الإستنتاج؟! «قباض منو وما تصوّتلوا» ينصح البعض اللبنانيين، «ضِحكوا علينا كل هالعمر وسلبونا أموالنا، جاء الوقت لنرد لهم الصاع صاعين»، يقول آخرون. لكن ما لا يعيه الكثير من اللبنانيين أنهم إذا انتخبوا المئة دولار وتنكة المازوت، وفاتورة السوبرماركت، وأفرزوا الطبقة السياسية إياها، ستكون آخر فرصة ديمقراطية لهم ليعبّروا عن ميولهم السياسية لأن البرلمان المقبل سيكون ليس للجمهورية اللبنانية بل لولاية الفقيه وليس أقل.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
