#dfp #adsense

الإنفاق الإنتخابي يضخ الحياة في قلب الإقتصاد… نقطة نقطة!

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1727

الإنفاق الإنتخابي يضخ الحياة

في قلب الإقتصاد نقطة نقطة!

رهان موسمي لا يؤسس لنمو واعد

لطالما عُرف عن الإقتصاد بأنه صيّاد الفرص. في زمن الإزدهار يصبو إلى فرص النمو، وفي زمن الإنحدار يتطلع إلى فرص النهوض من رماده. هكذا هو وضع الإقتصاد اللبناني اليوم، مترنّح متدحرج ويتطلّع إلى فرصة الإنتخابات النيابية علّه يلتقط من الإنفاق المتوقع فيها، سواء من الحكومة أو المرشحين، بعض أنفاسه على أمل النهوض من كبوته. وهذا الإنفاق ليس تفصيلًا بحسب الخبراء الإقتصاديين، ففي الدورة الإنتخابية الماضية للعام 2018 بلغ عموم الإنفاق الإنتخابي المعروف حوالى مليار ونصف المليار دولار. وهذا الرقم كفيل بدفع الإقتصاد لتسجيل بين نصف وواحد في المئة بمعدلات النمو. طبعًا في الدورة الحالية الوضع يختلف بكل المقاييس. فربما لن يكون الإنفاق بهذا الحجم نظرًا لتبدُّل سعر الصرف، وربما لن تكون له النتائج نفسها في رفع النمو بسبب الإنهيار الكبير والفوضى وسوء إدارة الدولة. فبماذا يعلّق الخبراء؟

يتحضّر لبنان للإنتخابات النيابية بعدّتين: عدّة التشغيل وعدّة التعطيل. ولهذا الواقع تداعياته الكارثية، ليس فقط على الإنتخابات بذاتها، بل على نسبة الإنفاق المقدّرة لها. فالعاملون على تعطيل أو تأجيل الإنتخابات ليسوا مستعدين لإنفاق من غير آفاق. والخائفون من ذلك مترددون ويمارسون إنفاقًا مضبوطًا ريثما تكون قد توضّحت الصورة أكثر. يبقى بين هذا وذاك، مريدو الإنتخابات والمصرّون على إجرائها والمؤمنون بحتمية حصولها، وهؤلاء يتصرّفون وكأنها حاصلة حكمًا، سواء على صعيد الترشيحات وترتيب التحالفات واللوائح أو على صعيد الإنفاق الإنتخابي. لكن لا شك في أن الجو العام يفرض نفسه ويتحكّم بأداء المتنافسين.

فقبل أسابيع من إقفال باب الترشيحات كانت وتيرة الحملات الإعلانية للمرشحين والجهات الحزبية وغير الحزبية بدأت تتسارع. وهذا كان بمثابة الترياق لشركات الإعلان ولبعض المؤسسات والشركات ذات الصلة كشركات الإحصاء والمطابع وشركات التسويق الإنتخابي وغيرها. وطبعًا مع تقدّم الوقت بدأت تظهر أكثر الحملات الإعلانية على الطرقات وفي المحطات الإذاعية والتلفزيونية والصحف. ومن تاريخ إقفال باب تشكيل اللوائح وتسجيلها حتى الإنتخابات، من الطبيعي أن تتنامى هذه الحملات، رافدة السوق بكتلة مالية كبيرة على أمل أن تمنحه الأوكسيجين المطلوب إلى أن يمنّ الله بفرجٍ عساه ألا يكون بعيدًا.

 

بين القانون والواقع

بدأت ملامح الإنفاق الإنتخابي تظهر مع توالي الإستحقاقات الممهِّدة للإنتخابات. وكانت وزارة المال حوّلت مبلغ 15,474 مليون دولار لتغطية مصاريف العملية الإنتخابية. وينقسم هذا المبلغ إلى قسمين: قسم بالليرة ويبلغ 198.275 مليار ليرة، أيّ ما يوازي 7.931 ملايين دولار وفقاً لسعر الصرف 25 ألف ليرة للدولار، وقسم بالدولار ويبلغ 7.143 ملايين دولار. كما أن هناك العديد من النفقات الأخرى والتي تصل قيمتها إلى 4.5 ملايين دولار. هذا من قبل الدولة ويمكن أن يشغّل عددًا من المؤسسات كما يذهب القسم الأكبر منه إلى العاملين في تنفيذ وتأمين سلامة العملية الإنتخابية.

في المقابل جمعت الخزينة مبالغ لا بأس بها من المرشحين كرسوم لترشيحاتهم تفوق ال 30 مليار ليرة. وكانت المادة 58 من قانون الإنتخاب وفي باب النفقات الانتخابية ذكرت أنه «تُعتبَر نفقات إنتخابية بمفهوم هذا القانون مجموع النفقات المدفوعة من قبل اللائحة أو المرشح وكذلك النفقات المدفوعة لحساب أو مصلحة أي منهما برضاهما الصريح أو الضمني من قبل الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين أو الأحزاب أو الجمعيات أو أي جهة أخرى، شرط أن تتعلق مباشرة بالحملة الانتخابية وبعملية الإقتراع وبتحقيق الإتصال المشروع بين اللائحة أو المرشح والناخب».

وجاء في المادة 60 ضمن باب الإنفاق والتمويل أنه يجوز للمرشح أن يُنفق من أجل حملته الانتخابية مبالغ من أمواله الخاصة على ألّا تتجاوز سقف الإنفاق الانتخابي كما هو محدد في المادة 61 من هذا القانون. وقد حدّدت المادة 61 «سقف المبلغ الأقصى الذي يجوز لكل مرشح إنفاقه اثناء فترة الحملة الانتخابية وفقا لما يأتي: قسم ثابت مقطوع قدره 750 مليون ليرة لبنانية، يُضاف إليه قسم متحرك مرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية الكبرى التي ينتخب فيها وقدره 50 ألف ليرة لبنانية عن كل ناخب من الناخبين المسجلين في قوائم الناخبين في تلك الدائرة. أما سقف الإنفاق الانتخابي للّائحة فهو مبلغ ثابت مقطوع قدره 750 مليون ليرة لبنانية عن كل مرشح فيها.»

هذه المبالغ ستضخ حتمًا في السوق. ويعلم الجميع أن المبالغ المتوقع إنفاقها ستتخطّى السقف المحدد في القانون وذلك لسببين: أولا لأن المرشحين غالبًا ما يلتفّون على القانون بوجوه إنفاق كثيرة إما مباشَرةً من المرشح للناخب، أو بطرق غير خاضعة للمراقبة، خصوصًا أن الوضع المادّي للبنانيين ضاغط وخانق. والسبب الثاني أن حجم الإنفاق بالليرة متدنٍّ لناحية القوّة الشرائية بعد هبوط سعرها مقابل الدولار الأميركي خلال. وهذا الأمر سيحفّز المرشحين المقتدرين على المزيد من الإنفاق، خصوصًا أن المعركة محتدمة والمنافسة شديدة وعدد المرشحين مرتفع مقارنة بما كان عليه في الدورة السابقة.

 

آمال بغير الأموال

يرى معظم خبراء الإقتصاد ولا سيما من يتابعون فترة الإنتخابات وإنفاقاتها، أنه بغض النظر عن حجم الكتلة النقدية التي ستدخل السوق، إلا أن أي إنفاق في هذه الفترة هو إيجابي وأي قطاع تذهب إليه الأموال هو في حاجة ماسّة إلى هذه الجرعة من الأوكسيجين. ويؤكدون أن التمويل الانتخابيّ بات واضحاً أنّه اليوم غير متوفر كما كان في السابق، والسؤال الأبرز هو كيف يمكن لمبلغ 750 مليون ليرة تغطية نفقات المرشّح، فيما هو لا يكفي لظهور إعلاميّ واحد وفقاً لتسعيرة القنوات التلفزيزنية بالدولار؟

ويعتبرون أنه في الإنتخابات الحالية لا يمكن الإستناد إلى رقم محدد فعلي وواقعي للإنفاق الإنتخابي، ولا يمكن البناء على الرقم المحدَّد في القانون لأنه غير واقعي قياسًا لما هي عليه أسعار الصرف أو لما يمكن أن تكون عليه من اليوم وحتى موعد الإنتخابات. ولذلك فسوف يضطر المرشحون إلى تخطي السقف المحدد في القانون بمبالغ قد تقل أو تكثر بحسب كل مرشح أو لائحة. من هنا لا يمكن معرفة المبلغ الذي سيدخل السوق وبالتالي تحديد تأثيره في الإقتصاد.

المستشار المالي والإقتصادي غسان أبو عضل أجاب لـ»المسيرة» عن حجم المبلغ المنتظر إنفاقه ومدى تاثيره في الإقتصاد، بتأكيد عدم إمكانية تحديد الكتلة المالية التي ستدخل السوق كإنفاق إنتخابي، لأنه إذا اعتبرنا أن متوسط إنفاق المرشح في دورة العام 2018 عن أمر ما هو 10 آلاف دولار أي ما كان يوازي 15 مليون ليرة، فمن غير المنطقي أن يكون في هذه الدورة 240 مليون ليرة على سعر الصرف الحالي للدولار، وطبعًا لن يكون 15 مليونا كما في السابق. ويضيف: «في تقديري علينا أن نعتمد نسبة 40 في المئة من الإنفاق السابق كرقم تقريبي لما يمكن أن يكون عليه الإنفاق هذا العام».

ويستدرك أبو عضل لافتًا إلى أن «أي إنفاق مهما كان كبيرًا أو قليلًا قد يحرّك بعض القطاعات والمصالح، لكنه لا يمكن أن يحل الأزمة». ويشدد على أن «الأزمة الحالية تحلّها الإنتخابات ولكن ليس بالإنفاق السابق بل بالتشريع اللاحق. فإذا صوّت اللبنانيون بوعي وإدراك لكيفية خلاصهم ووصلت إلى المجلس أكثرية نيابية وازنة تريد فعلًا إنهاض البلد وإعادة زمن عزّه، عندها يمكن أن نستبشر خيرًا بالإنتخابات. وهذا يتم عبر مستويين: تشريع سياسي يعيد الهيبة إلى المؤسسات والسلطات الشرعية وحدها ما يوحي بالثقة الخارجية بالبلد، وتشريع مالي إقتصادي يرمّم ما تهدّم ويضع خارطة طريق واضحة لنهوض مستدام».

ويكشف الخبير الإقتصادي الدكتور جاسم عجاقة لـ»المسيرة» أنه «بالمبدأ أي إنفاق إقتصادي لا يمر بالقطاع المصرفي ليست له تداعيات على صعيد الإقتصاد. والسبب بكل بساطة أن يطال ضخ المال أكبر عدد ممكن من اللاعبين الإقتصاديين من القطاعات إلى المواطنين. أما ما سيتم اليوم فهو استفادة بعض الشركات والناس الذين سينفقون ما يصلهم على الأمور الأساسية كالأكل والشرب وسواهما. وبالتالي نحن أمام إحتمالين: فإما أن تكون هذه الأموال أتت من الخارج، وهي تكون بالعملة الصعبة وتؤدي إلى دعم صمود المواطن اللبناني والشركات. وإما أن تكون هذه الأموال من الداخل وبالتالي لن يكون لها تأثير فعلي لأنها لن تغيّر في الواقع شيئا».

ويعتبر عجاقة أن «الطامة الكبرى هي أن كل هذا التعامل سيكون بالكاش، أي أنه لن يمرّ بالقطاع المصرفي فلا تمكن مراقبته من جهة ولا يستفيد منه الإقتصاد ككل من جهة ثانية. وبالتالي حتى لو استفادت منه شركات أو جهات بعينها، إلا أنه بالتأكيد لن يكون كافيًا لتحريك الإقتصاد الذي بات مجمّدًا».

ويُلفت إلى «أن الإنتخابات في النظرية الإقتصادية هي عامل من عوامل الثقة. فتداول السلطة عنصر أساسي ويعطي الأمل بالمستقبل». ويضيف: «إذا لم تُخرِج هذه الإنتخابات أكثرية نيابية تحمل رؤية إقتصادية موحّدة لن نتمكّن من فعل أي شيء، أي كما يقال مطرحك يا واقف. أما إذا أفرزت مثل هذه الأكثرية المنشودة والتي ستنبثق عنها حتمًا حكومة تنفّذ الرؤى الإقتصادية للمجلس، فعندها يمكن أن نأمل بالخروج من الأزمة».

 

خشية بين رهانين

يخلص المعنيون والمتابعون لسير الإنفاق الإنتخابي ونتائجه المرجوّة في الإقتصاد، إلى أمور عدّة، أبرزها أن هذا الإنفاق لا بد إلّا أن يحرّك قطاعات بعينها ومؤسسات وأفراد، لكنه يبقى محدودًا في تأثيره الإقتصادي وفي مدّته الزمنية، فهو موسم لبضعة أشهر وينتهي، ما لا يعوَّل عليه لحركة إقتصادية منتظرة بعد ركود قاتل. فمهما كان حجم هذه الكتلة النقدية لن تخلق فرص عمل مستدامة ولا أسسًا لاقتصاد واعد بالنمو، وإن كانت تعطي جرعة أوكسيجين لبعض المؤسسات والأفراد.

الأمر الثاني والأهم، كما يقولون، هو أن تسفر الإنتخابات عن مجلس جديد بأغلبية سيادية وحاملة لمشروع نهوض إقتصادي. فبحسب الخبراء مشكلتنا ليست إقتصادية بنيوية بل هي سياسية سيادية في الأصل. ويعتبرون أن لا فائدة من معالجة النتائج إذا لم تعالَج المسببات، مشددين ألّا اقتصاد مزدهرًا من دون سلطة تمتلك قرارها ومؤسسات قادرة وثقة كاملة تستقطب الودائع والإستثمارات، وبعد، فكل إنفاقٍ إنتخابيًا كان أم غير ذلك، يصبح إضافة وعامل دفع للإقتصاد لا مالًا مرميًّا في هوّة سحيقة مفقودة القعر.

وثمّة مِن هؤلاء مَن يشدِّد على مراقبة تطوّر الأزمة، فربما يكون هناك من سيستخدم سعر الصرف الذي بدأ يتفلّت صعودًا كعامل ضغط نفسي وعملي ربما لتطيير الإنتخابات. فإقفال المصارف يعطّل عملية مراقبة الإنفاق الإنتخابي ما يعرّض الإنتخابات برمتها – في حال حصولها – لاحتمال الطعن بها أمام المجلس الدستوري لمخالفتها موادَّ في القانون. ومن ناحية، ماذا مثلًا لو تذرّعت الحكومة بعدم قدرتها على تمويل الإنتخابات في الخارج؟ أو عملت جهات قادرة على التلاعب بالدولار ورفع سعره إلى مستويات مُربِكة، ثم التذرّع بذلك لنسف الإنتخابات التي يجري العمل على تطييرها بشتى الوسائل؟

في أي حال، يعلم الجميع بأن الإقتصاد هو سلسلة كاملة ومتكاملة بحيث أن المال ينتقل من شخص الى آخر، وعليه أن يكون شاملًا ليحرّك الوضع الخانق، ويؤسس لانطلاقة تؤتي ثمارها المرجوة. وحتى يتحقق ذلك، يبقى الرهان ليس على حجم الكتلة النقدية التي ستدخل السوق، بل على حجم الكتلة السيادية التي ستدخل البرلمان!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل