.jpg)
إنّ الأسلوبَ التّنكيليَّ الذي اعتمدَه مَنْ يتحكّمون بالوطنِ، يُثبتُ، ومن دونِ أيّ شك، بأنّهم أعداؤُه، ويُقحمونَ أهلَه في ظلامِ جهنّم، من دونِ أن يرفَّ لهم جَفن. وهذا، إنْ دلَّ على شيء، فعلى مستواهم المهشَّم في الحسِّ الوطني، وعلى قيمتِهم المُتَدَنِّيةِ في كفالةِ الحريّاتِ، وحقوقِ النّاس، وعلى ترسيخِهم دولةَ العصاباتِ المَقيتةِ التي أحكمَت قبضتَها على مصيرِ لبنان، ما عمَّقَ الإقتناعَ بتجذُّرِهم في رتبةِ الخَوَنَةِ الذين نَهبوا خيراتِ النّاس، واختلسوا ثرواتِ البلد، وأَتَوا تدابيرَ ملتويةً في استغلالِ النّفوذ، فشَحَّ الإيمانُ بغَدٍ أفضل، وتفسَّخَ تطلُّعُ الأجيالِ الى مستقبلٍ واعِد…
ما يدفعُ إلى الإستهجانِ، بل الإشمئزاز، ادّعاءُ النّزاهةِ والوطنيّةِ من جماعةِ السّلطة، ومن المرشَّحين منهم، وباسمهم، والحقيقةُ أنّ هذا الإدّعاءَ الفارغَ يغتالُ مبدأَ النّزاهةِ ومفهومَ الوطنيّة. فأينَ من النّزاهةِ الرّشوةُ، والإختلاسُ، وحمايةُ أنشطةِ غَسلِ المالِ، والإتجارُ بالممنوعاتِ، وترويجُ الفاسدِ من بضاعاتِ الإستهلاكِ الأساسيّة ؟ وأينَ من الوطنيّةِ قتلُ الإقتصادِ بسَحقِ مقوّماتِه، والهيمنةُ الكاملةُ على قيمةِ النّقد، وسرقةُ مدَّخراتِ عَرَقِ الجَبينِ، ودَعمُ الإرهابِ الآتي لِسَحقِ الوطنِ، والتآمرُ لتمريرِ صفقةٍ قوامُها مشروعٌ إنتدابيٌّ يعيدُنا الى زمنِ الخلافة ؟
إنّ حياةَ النّاسَ، عندَنا، تلذعُها نارُ الجحيمِ، ولا مَن يَأبَه، فالأخطبوطيّونَ نُزَلاءُ الفسادِ، ينحرونَ الأملَ بلا نَدَم، بِسوءِ إدارةٍ، وعَجزٍ صارِخ، ولامبالاةٍ موصوفة. وهذه السَّقطةُ لم تكن مفاجِئةً، بِقَدرِ ما كانت مُتوَقَّعةً في بشاعتِها التي تُشبِهُ بشاعةَ مَن أتاها من الحكّامِ، هؤلاءِ الذين شوّهوا، بممارساتِهم العَوراء، يافطةَ لبنانَ في عَصَبِها النّابضِ بالإنفتاحِ النّاشِطِ على الدّنيا، وعَرقَلوا، بأنانيّتِهم، واستئثارِهم، وفسادِهم، قفزةَ الخلاصِ الى حيثيّةٍ قابلةٍ للحياة.
في مقابلِ هذا الوضعِ المترَدّي، ليس الموسمُ موسمَ إذعان، أو خوف، أو تَراخٍ في تَحَمُّلِ المسؤوليّة الوطنيّة، وَلَو في ظلِّ السّكاكينِ المُلامِسَةِ للرِّقاب، والتّرهيبِ المتمادي بإشاعةِ ما يُنسَجُ مِن اعتداءاتٍ سوف تُرتَكَب في ساحةِ السياديّين… كلُّ ذلك يدعو الى هزّةٍ نوعيّةٍ توقِظُ التَمَرُّدَ الرّافضَ لمشروعِ انتهاكِ الحياة، وتُجهضُ مؤامرةَ قرصنةِ الوطن، وتُحَفِّزُ على قَهرِ القَهر، وتُخَلخِلُ نَمطيّةَ الرّضوخِ، والإذلالِ المُتَوَحِّش. وحتى لا نرضى بالنّخاسةِ التي يمارسُها، في أسواقِ الرِقّ، أولئكَ الذين يعرضونَ كرامتَنا للمُقايضةِ بأَذَلِّ ثَمَن، وحتى لا يستمرَّ التَسَتُّرِ على الذين سَيَّبوا حقوقَ بلادِنا، ولَطَّخوا هويَّتَنا بِعارٍ لا يتجرَّعُ مرارتَهُ سوانا، نحنُ السياديّين الأَحرار، وحتى لا تُمَرَّرَ مؤامرةُ تَصديقِ تُرَّهاتِ سلطةِ الموبِقات، السّاقطةِ وطنيّاً، وأخلاقيّاً، وسياسيّاً، وحتى نعملَ على إنهاءِ مفعولِها المُتحالِفِ مع العَمالةِ، والخيانةِ، ليسَ لنا إلّا الإنتخاباتُ التي وُصِفَت، عن حقّ، بالمفصليّة.
إنّ السّلطةَ، إنْ لم تَنجحْ في إلغاءِ الإستحقاقِ الإنتخابيّ، بتأجيلٍ يُسقطُ التَّغييرَ بالضربةِ القاضية، سوف تعمدُ الى سلوكِ التّرهيب، والقمع، وكَتْمِ الكلمةِ بالعنفِ، وضُروبِ المراوغةِ والإِكراه… وتُشعِلُ حرباً باردةً تؤدّي الى نَحرِ ديقراطيّةِ الإنتخاباتِ، بِقَلبِ نتائجِها، بالتّزوير، لتَصُبَّ في مصلحتِها، كمنظومةٍ فاسدة، واستبدالِ النّظامِ بنسخةٍ ممسوخةٍ عن أوتوقراطيّةٍ دينيّةٍ بائدة، تقضي، حُكماً، على لبنانَ الرّسالة. لذلك، فالإقبالُ الكثيفُ على الإقتراعِ للوائحِ السياديّين الحقيقيّين الذين بإمكانِهم، وحدَهم، الوقوفُ في وجهِ الإنقلابِ الخطيرِ على كيانِ الوطن، ووجودِه الحرّ، نعم، إنّ فكَّ الإرتباطِ بالخوفِ، واللّامبالاة، وإنّ الإقبالَ الكثيفَ على صناديقِ الإقتراع، يُفضِيان الى ولادةِ حالةٍ جديدةٍ للوطنِ، يُسعى إليها بثَبات، مُقايضةً للقمعِ بالحريّة، وللخيانةِ بترسيخِ ثقافةِ الإنتماء، وللحَذفِ من جغرافيةِ البلادِ بالتَجَذُّرِ في أرضِها المقدَّسة.
من هنا، لمّا كانتِ المؤونةُ الكيانيّةُ، في أَوجِها، في قلوبِ الذين لا يزالون يَصونونَ رابِطَهم الحَيَويَّ بالوطن، وعلاقتَهم القُدسِيّةَ به، فإنّهم، بإقبالِهم على الإقتراعِ للسياديّين، لن يسمحوا بأيِّ تمريرٍ مؤامراتِيٍّ يريدُ المَساسَ بمحيطِ كيانِهم الوجوديّ، وبمصيرهمِ، وبحقِّهم في مشروعِ الدولةِ القادرة.
إنّ قَلبَ الموازينِ بالنَّبضِ الوطنيِّ الذي يتبدّى في كثافةِ الإقتراع، لا بدَّ من أن يُفشِلَ محاولاتِ تَجميلِ قُبحِ مَنْ حكموا البلدَ ولايةً نهبوها، ويُطيحَ بقُطّاعِ الطُّرُقِ الذين مرَّغوا كرامةَ الوطنِ بالتّراب، وسَحقوا أهلَهُ بالقَهرِ، والظُّلمِ، والتّرهيب، ويقفَ حائلاً دونَ استمرارِ خطّةٍ إستعماريّةٍ، وإِن بقوّةِ السّلاح. وطالما أنّ فينا إيماناً بأنّ الإنتخاباتِ حالةٌ حتميّةٌ ضدَّ الطّغيانِ والإستئثار، للوصولِ الى الأَفضَلِ والأَعدَل، ومَنعِ السّقوطِ في جهنّم… فالموسمُ، اليوم، ليسَ موسمَ تَخاذُلٍ، وإذعانٍ، وتَهَرُّبٍ، وإكراميّاتٍ شخصيّةٍ وعائليّة، وأحقادٍ، إنّه موسمُ السّيادة، موسمُ صرخةِ ” إنّ لبنانَ لنا “.
