منذ 21 آذار الماضي تاريخ صدور بيان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الرافض اي تدخل في شؤون الدول العربية والخليجية والمتمسك بأفضل العلاقات معها، والرد الخليجي الايجابي السريع المرحّب بمضمونه، بدأت الساحة المحلية تتهيّأ لعودة سفراء دول مجلس التعاون الى بيروت. فكان الاعلان عن هذه العودة مساء الخميس قبل ان يفتتح مسارَها العمليّ السفيران السعودي وليد بخاري والكويتي عبدالعال القناعي، أمس الجمعة.
وتكشف مصادر دبلوماسية، لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، عن أن اختيار هذا التوقيت بالذات لم يأت من عدم، بل إن العواصم الخليجية رأت في توقيع اتفاق اولي بين لبنان وصندوق النقد الدولي، بما يحمله من نوايا لبنانية ايجابية بالاصلاح والمحاسبة (ولو أنها لا تزال حتى الساعة في الاطار النظري) فرصةً مناسِبة للعودة الى بيروت، اذ تحمل رسالةً الى “الدولة اللبنانية” فحواها أنه “كلّما أبديتم مؤشرات توحي بأنكم عازمون على الإقلاع عن فسادكم السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والسيادي، فإننا سنلاقيكم في منتصف الطريق”.
لكن وفق المصادر، هذه العودة ليست أبداً اعترافاً بالمنظومة الحاكمة، اي اننا لن نرى السفير السعودي قريباً في قصر بعبدا مثلاً، ولا أموالاً تُرسل من الخليج الى “المركزي”! فخلفياتُها وأهدافها واضحة وقد حدّدها بيان خارجية المملكة، فهي حصلت “استجابةً لنداءات ومناشدات القوى السياسية الوطنية المعتدلة في لبنان، وتأكيداً لما ذكره رئيس الوزراء اللبناني من التزام الحكومة اللبنانية باتخاذ الإجراءات اللازمة والمطلوبة لتعزيز التعاون مع المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي ووقف كل الأنشطة السياسية والعسكرية والأمنية التي تمس المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي”.
وذلك يعني بما لا يرقى اليه شك، أن السعودية والكويت واليمن والدول التي أرسلت وسترسل تباعاً من جديد، سفراءها الى لبنان، لم تتخلّ عن مطلبها “ضبط حزب الله وحروبه اللفظية والعسكرية والاجتماعية (عبر تصدير الممنوعات) على قياداتها وشعوبها وأمنها”، والذي لم يتحقق بعد. الا انه، وبعد مشاورات مع عدد من العواصم العربية وبعد مساع حثيثة بذلتها باريس في شكل خاص، يبدو المملكة ودول مجلس التعاون، ارتأت تغييرَ “تكتيك” مواجهة اعتداءات الحزب، لتُصبح “من كثب” ومن الميدان اللبناني مباشرة، بعدما كانت عن بُعد وعبر “القطيعة” مع لبنان الرسمي. أما هدف هذه المواجهة فـ”عودة جمهورية لبنان إلى عمقها العربي متمثلةً بمؤسساتها وأجهزتها الوطنية، وأن يعم لبنان الأمن والسلام، ويحظى شعبها بالاستقرار والأمان في وطنه”، كما جاء أيضاً في بيان خارجية الرياض.
المملكة ودول مجلس التعاون تعتبران ان الانتخابات المقررة في أيار المقبل، يُفترض ان تشكّل أفضل “وسيلة” لا بل الوسيلة “الفضلى”، لتحقيق الهدف المُحدّد أعلاه ولمواجهة الحزب وحلفائه، ورهانُهما كبيرٌ على الشعب اللبناني ليقول “لا” للعزلة والانهيار اللذين أغرقهما فيهما تحالفُ الميليشيا والمافيا، دائماً وفق المصادر.
من هنا، وانطلاقاً من خوف الرياض من ان تستغلّ إيران وحزبُ الله المسلّح بالمال والبنادق، غيابَ العرب من جهة وفقرَ اللبنانيين لشراء اصواتهم ببعض الدولارات وغالونات البنزين والمازوت، من جهة ثانية، فهي قرّرت العودة الآن الى بيروت، لعدم تركها ساحة سائبة لطهران. ذلك لا يعني أبداً ان الرياض ستقوم بما يفعله الحزبُ مع اللبنانيين لناحية استغلال عَوَزهم، بل هي ستلعب دوراً “توفيقياً” بين القوى السياسية السيادية من الطوائف والمذاهب كافة، لترصّ صفوفها من جديد ولتستنهض هممها، فتخوضَ الاستحقاق بأفضل صورة وبأوسع مشاركة، بما يعزز فرصَ فوزها بالانتخابات. وتزامناً، فإن سفيرَها سيشرف من خلال وجوده في المناطق المحتاجة والمؤسسات المعنيّة، على عملية توزيع المساعدات الانسانية التي اتفقت السعودية مع باريس، على تجييرها للشعب اللبناني، منذ اسابيع.
وبعد، وفي حال أفرز الاستحقاق الانتخابي اكثرية جديدة، كان به، وسار قطار تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية والسياحية، بين “لبنان الرسمي” والخليج، قدماً.. أما إذا لم يفعل، فعندها لكل حادث حديث، تقول المصادر.
