
وسط الغبار الذي ينثر في أجواء الاستحقاق الانتخابي، وبمعزل عن الحديث المُسبق عن أنّ نتائج الانتخابات لن تغيّر شيئاً في الواقع السياسي والنيابي وانها ستُعيد استنساخ الواقع القائم، ينبغي الانتباه الى مجموعة نقاط، على ما أكد مسؤول سياسي كبير لـ”الجمهورية”.
أولاً، ما نراه انّ وزارة الداخلية قد باتت جاهزة لإجراء الانتخابات، والمطلوب من الحكومة ان تُتمّم ما تبقى من تدابير وخطوات لا تزال عالقة على خط الانتخابات. وفي المقابل انّ محاولة تعطيل الانتخابات تُعادِل الخيانة العظمى. لأنّ ذلك سيجرّ البلد الى خراب حتمي، يبدأ بالفراغ النيابي ولا ينتهي بالفراغ الرئاسي. وما بينهما قد لا يكون في مقدور أحد ان يلحق بالانهيارات التي قد تحصل، وعلى كل المستويات. وحتى الآن أستطيع ان اقول إنني أثِق بما اسمعه من القيادات والمسؤولين من التزامات، الى ان يثبت العكس.
ثانياً، انّ إجراء الانتخابات ليس فقط امراً ملحاً ومطلوباً لإعادة إنتاج حياته السياسية والنيابية، بل هو ضرورة وأكثر لتجنّب الوقوع في الفراغ الفَوضوي بالدرجة الاولى، لأن لا احد “فاضي” للبنان، في ظل البراكين المتحركة من حوله، سواء في المنطقة او على المستوى الدولي وما استجَدّ مع الحرب الروسية الاوكرانية، التي شَدّت كل العالم اليها وباتت العيون على القضايا الكبرى، امّا الأمور الصغرى فمؤجّلة حتى إشعار آخر، ما يعني انّ موقع لبنان في أجندات الاهتمامات الدولية قد انحدر الى مستويات دنيا امام التطورات المستجدة، وهذا يعني انّ لبنان ليس مرئيّاً اليوم في العين الدولية. وبالتالي، فإنّ الانتخابات تشكّل في موازاة هذه البراكين فرصة للحفاظ على الستاتيكو القائم، وإبقاء البلد في حالٍ من الهدوء والاستقرار السياسي والنيابي.
ثالثاً، لا شك انّ ثمة اطرافاً في الداخل تُضحّي ببلد واهله من اجل مقعد نيابي، وهو حال اصحاب الخطاب التوتيري بأبعاده السياسية والطائفية والمذهبية، الذين يتعمّدون كل يوم نكئ جراحات الماضي وإثارة العصبيات. ولكن الملاحظ في موازاة ذلك، انّ قرارا قويا داخليا وخارجيا متّخذا للنأي بلبنان عن اية توترات واحتقانات من اي نوع كانت، ولذلك يبدو اصحاب الخطاب التوتيري وكأنهم يصرخون وحدهم، ولا يماشيهم في هدفهم ايّ طرف سواء من الداخل او الخارج.
رابعاً، خلافاً لِما يروّجه بعض الجهات السياسية من اجواء تفيد عن تشكيك دولي بنتائج الانتخابات إذا ما غير مُلبّية لطموحات اللبنانيين بالتغيير الجذري، فإنّ الاولوية الدولية، سواء الاميركية او الاوروبية وكذلك العربية، هي الحفاظ على الاستقرار في لبنان، ومَنع انزلاقه الى منحدرات خطيرة. وبالتالي، فإنّ الانتخابات باب لتعزيز الاستقرار. وتبعاً لذلك، إنّ المجتمع الدولي متحمّس لإجراء الانتخابات النيابيّة، ودعواته تتوالى لإجرائها في موعدها. وحتى ولو كانت رغبته احداث انقلاب بالصورة النابية والسياسية القائمة، الا انه في نهاية الامر، وانطلاقاً من اولوية استقرار لبنان، سيسلّم بنتائج هذه الانتخابات أيّاً كانت ويُماشي الامر الواقع الذي ستفرضه. وفي هذا السياق، ينبغي التعمّق ملياً في اعلان الفاتيكان عن زيارة البابا فرنسيس الى لبنان في حزيران المقبل بعد إتمام هذه الانتخابات ونتائجها.
خامساً، أيّاً كانت نتائج الانتخابات، فإنّها ستفرز واقعا نيابيا وسياسيا جديدا في لبنان، سيرسمه اللبنانيون بأصواتهم، وسيحكم لبنان لأربع سنوات. امّا من حيث الاكثرية والاقلية، فهذا تحدّده التحالفات بين الكتل النيابية. وبالتالي، من الخطأ القول مسبقاً انّ الاكثرية محسومة في هذا الجانب او ذاك.
