لا تشبه الانتخابات في بلاد العالم الانتخابات في لبنان ومع هذا يتورّط اللبنانيّون في المشاهد الانتخابيّة في دول مؤثّرة في لبنان كالمشهد الإنتخابي الفرنسي، وليس سرّاً أنّ هناك فريقا لبنانيا يؤيّد المرشّحة اليمينيّة المتطرّفة مارين لوبان المنتقلة لخوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة في مواجة الرئيس ايمانويل ماكرون، المشهد يشبه عشية انتخابات العام 2002 ولكن فرنسا نفسها تغيّرت جدّاً لم تعد هي نفسها ولا الشعب الفرنسي كذلك الذي أصيب عام 2002 بصدمة وصول لوبان الأب ـ قبل الإبنة ـ إلى الجولة الثانية والأمتار الأخيرة من قصر الأليزيه فخرج الفرنسيون المستنكفون عن المشاركة في التصويت ليقترعوا للرّئيس جاك شيراك وإن كانوا غير راضين عن سنواته الخمس الأولى في الحكم ومع هذا حوّلوه إلى ثالث رئيس يحكم فترة رئاسيّة ثانية بعد شارل ديغول وفرنسوا ميتران ومنع الشعب الفرنسي بانتخابه اليمين المتطرّف من الوصول إلى سدّة الحكم فهل يعيد التاريخ الفرنسي نفسه؟
الانتخابات هي الشّكل الدّيموقراطي للتّغيير الكُلّي في كلّ دول العالم على الأقلّ، لكنّ هذا الأمر أصبح مستحيلاً في لبنان فلم تعد الانتخابات على الأقل في الشكل وعلى مستوى البرلمان وأيضاً على مستوى الرئاسات الثلاث لتكون طريقة التّغيير، هناك فريق واحد يتحكّم في كلّ مفاصل الدّولة يفرض رؤساء المؤسسات الرئاسية ويعطّل نتيجة الانتخابات إن فاز فريق غيره ويكرّس فوزه فيها بإعلانه من العاصمة الإيرانيّة لا من العاصمة اللبنانيّة! في الانتخابات يجب أن تتكافأ وتتساوى فرص الجميع وعلى جميع المستويات ولكن هل هذه الفرص المتكافئة والمتساوية متوفّرة لكلّ المرشّحين في لبنان وعلى جميع أراضيه فيحضر حزب الله ومرشحوه في عكار على سبيل المثال ومن يتجرّأ على خوض الانتخابات في الجنوب يتمّ تأديبه على مجرّد تفكيره في هذا الأمر!
عاش اللبنانيّون منذ العام 2005 ثلاث تجارب إنتخابية فشلت في تغيير حرف من السيناريو الذي فرضه حزب الله على اللبنانيّين، على الأقلّ هذا أمر أكّدته كلّ الاغتيالات التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وإصرار حزب الله على تعطيل التّحقيق في كلّ هذه الجرائم أوّلاً ثمّ عدم اكتراث حزب الله باتهامه بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مروراً بغزوة 7 أيّار إلى حدّ جعل بعض أطراف فريق 14 آذار انهار خوفاً بعد فوز هذا الفريق بانتخابات العام 2009 خوفاً مذعوراً إلى حدّ كاد فيه أن يعتذر عن هذا الانتصار، وصولاً إلى تفجير مرفأ بيروت وتدمير نصف العاصمة وتعطيل عملية التحقيق فهل نحتاج إلى تجربة رابعة للانتخابات تؤكّد لنا المؤكّد، لبنان يحتاج إلى تغيير جدّي وجذري لكن هذا أمر لن تحدثه أي إنتخابات إلا بعد تطبيق القرارات الدوليّة وعلى رأسها القرارين 1559 و1701.
يدرك اللبنانيون جيّداً أنّه ليس بمقدورهم التغيير بوجود فريق يمتلك السلاح، ويسيطر على القرار، ويُعلن أنّ لديه مئة ألف مقاتل وهذا رقم لا تمتلكه الجيوش، ويمتلك تمويل دولة تمدّه به دولة أمضت 40 عاماً وهي تبدّد أموال الشّعب الإيراني على هذا الحزب حتى تمكّنت بواسطته من احتلال لبنان وتمكّنت أيضاً في إضعاف دولته وتدمير إقتصاده ورفعت وتيرة الهجرة بين أبناء شعبه إلى حدّ بلغ فيه إحساسهم بالخيبة إلى حدّ التيقّن أنّ الأمل مقطوع نهائياً من إمكانيّة إحداث أي تغيير عن طريق إجراء انتخابات نيابيّة تحت وطأة سلاح يسيطر على مساحة واسعة جداً من الأرض اللبنانيّة!
