#adsense

العقل واللّسان في خدمة المؤامرة

حجم الخط

إذا راجَعنا عِلمَ النّفسِ المعرفيّ، في مقاييسِه، يلفتُ انتباهَنا تركيزُه على أنّ التفكيرَ هو أعلى الوظائفِ الإدراكيّة، لأنه يُحيطُ بكلِّ العمليّاتِ الذهنيّةِ التي يؤدّيها العقلُ الذي يُقيمُ، على أساسِها، مبادئَ نهجِهِ الفكريّ. واستناداً، ينقسمُ التفكيرُ الى نوعَين هما: التفكير المنطقيّ المُنَظَّم الذي يَعمدُ الى التّعليلِ، والتّدليلِ بحِجَجٍ مُقنِعة، وصولاً الى الاستنتاج أو الموقفِ المنهجيِّ الذي لا لُبسَ فيه، والتفكير التَخَيُّلي أو الهوائيّ الذي لا يمتُّ بصِلةٍ الى الموضوعيّةِ، والى مَسارِ الفكرِ العلميّ، وصولاً الى أحكامٍ عشوائيّةٍ بعيدةٍ عن الوَعيِ المستنير.

أمّا الّلسانُ فهو صوتُ العقل، يترجمُ، تماماً، ما يسطعُ في قريحةِ الفكرِ من ديناميّةٍ نابضةٍ، بأقوالٍ إمّا مُشَرَّبةٍ بالوعي، والعمق، والرؤيةِ القويمة، وإمّا بتلويثاتٍ بعيدةٍ عن المنهجيّةِ، والمعرفةِ، والسويّةِ في طبيعةِ التّفكير. لذلك، ينقسمُ الناس، بين مُتَحَلّين بأنوارِ العقلِ، وفضائلِ الذّهنِ الصّافي، وبين نَفورِينَ من بريقِ الفكرِ، يحتطبونَ أعاصيرَ الهلوسةِ، وليسَ عندَهم، من عُروقِ الفَهمِ، عِتاد.

أصحابُ السّلطةِ، في بلدِنا المَنكوبِ بهم، ومُرَشَّحوهم الظِّلال، لا يتدحرجُ عنهم إلّا قبيحُ المَقال، لِضَعفِ أركانِ النّباهةِ في جماجمِهم التي تَصَرَّفَ فيها الجهلُ كلَّ مُتَصَرَّف. فهم، لا يَغربُ من لساناتِهم سوى الهَزلِ السَّمِجِ، فحَفَروا ذِكرَههم، مُؤَبَّداً، في بالِ التّضليل، وفي رُقَعِ الكَذِبِ، وفي نَسلِ الإبتذال. وجاءَت طلّاتُهم عَجِقَةً بمهاوي الإسفاف، يظهرُ كلُّ بيانٍ لهم ذا محصولٍ فكريٍّ ضئيلٍ، وكأنّه حديثٌ مُعادٌ عن وعودٍ خياليّةٍ خانوها، وسيحقّقونها مستقبلاً، وهذا إسرافٌ في الهَوانِ، وفي السّلوكِ المجرمِ الذي عَملَ في حَتْفِ الوطن. فالطّافِحُ في ظهوراتِهم، بَصَراً وسَمعاً، كَدٌّ في تَبييضِ سوادِ صفحاتِهم، ونَحتٌ لابتساماتٍ لئيمةٍ مّذاقُها تلفيقٌ، وفساد، وتَدبيجٌ لتهريجٍ خالٍ من أيِّ مدول، حتى يكونَ لهم حَظٌّ في مادةِ الإثارةِ الرّخيصة، وهذا، بالذّات، هو الشَّنيعُ من السّفاهة.

في كلامِ أصحابِ الحكمِ الأَجوَف، ومرشَّحيهم المهووسين، يقعُ الحسابُ، ويُرفَعُ الحجابُ، أمّا العجيبُ فانسياقُ الذين يعفِّرونَ لهم جِباهَهم في الثَّرى، عازِمين معهم حتى على دخولِ النّار. بالتّأكيد، هذا ليسَ موهبةً، أو أصالةً، إنّه ظرفٌ عابِرٌ سيقَ إليهِ بعضُ النّاس، فمن المستحيلِ البقاءُ في أكنافِه، وتسجيلُ المدائحِ في وصفِه، والدّفاعٌ عن صلاحِه، فلا بُدَّ للزّمانِ الآتي من أن يفضحَ وصمةَ الفسادِ، وسلاسلَ السيّئات، في منظومةٍ التزَمَت جانبَ الشرِّ في تعامُلِها مع الوطنِ وأهلِه. ولن يُطيلَ المُصَفِّقون التَّنقيبَ عن حقيقةِ الفاسدينَ الذين أُودِعَت في جُبلاتِهم رذائلُ الدَّنَسِ بِحَقِّ الوطن، وكان لهم في نَسجِ الأكاذيبِ مَواهِب، ساعتَذاك، يعودُ المُضَلَّلون الى صفاءِ وطنيّتِهم، ورُقِيِّ مقاماتِهم، فتَغدو صالاتُ حَفلاتِ الكَذَبَةِ من دونِ جمهور.

ولمّا كانتِ العصمةُ من شِيَمِ الكِبار، والحكمةُ من مَزايا النّفسِ الغالية، كان، من الأَسَفِ للوطن، أن يدخلَ الوسطَ السياسيَّ، عندَنا، غيرُ الكِبارِ، والحكماء، والصّادقين في وطنيّتِهم، وتُرِكَتِ السّاحةُ لمَنْ لَبّوا دعوةَ نزواتِهم، وأَطرقوا لأَصداءِ مصالحِهم، وانساقوا الى صَهرِ البلادِ في أَتونِ اليأسِ، والخيبةِ، والتّراب. لذلك، لا بدَّ من تصحيحٍ إلزاميٍّ، وبجرأةٍ غيرِ مسبوقة، لصورةِ لبنانَ المُزَوَّرة، بهزّةٍ نوعيّةٍ تنقلُ البلادَ من الانحطاط، وتَرَدّي الحال، ودوّامةِ الفساد، وخطرِ الزّوال، وترسمُ آليّاتِ الدّفاعِ عن الحقِّ في السيادةِ والحريّة، وذلك بمشاركةٍ كثيفةٍ في الانتخابات القادمة، تكونُ نتائجُها في صناديقِ الاقتراع نجاحاً لإشراقةِ لبنان، وتضميداً لنُدوبٍ عدوانيّةٍ عمَّقَها الحكّامُ والطّارئون في جسدِ الوطن، وعودةً لموقعِهِ في أعلى سُلَّمِ الترقّي.

إنّ الانتخابات المُقبِلةَ، إذا أحسَنّا التّعاملَ معها، وخرجْنا من خوفِنا، وأحقادِنا، ومحسوبيّاتِنا، وهروبِنا من المسؤوليّة، بإمكانِها أن تُبَدِّلَ في أوضاعٍ قاتمةٍ لطالما شهَّدَتنا اليأس، وقصَّرَت فينا الرّجاء، وعَرَّت حياتَنا في بلادِنا، فلم تَعُدْ تُستَطاب. من هنا، ولكي يسريَ الأملُ في شريانِ غَدِنا، وتطمئنَّ أجيالُنا الى مصيرِها، ويعودَ إرثُ الوطنِ في الحريّةِ والكرامةِ الى عهدِه وميثاقِه، علينا، جميعاً، أن نُهَلِّلَ لصَخَبِ الدّعوةِ للمشاركةِ الكثيفةِ في الاقتراع للسياديّينَ الحقيقيّين، فكلُّ صوتٍ لسواهم، أيّا كانوا، هو خيانةٌ موصوفةٌ لحقِّ الوطنِ علينا بعودةِ الحياةِ الى أنفاسِه، وهو، في الوقتِ ذاتِهِ، إعطاءُ صَكِّ تمليكٍ للأرضِ، والشّعبِ، والكيان، والمصير، لمتآمِرين على الهويّةِ، والنّظام، لا يعترفون بلبنان، ويسكنُ غيرُهُ في انتمائِهم وولائِهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل