#dfp #adsense

حرب أوكرانيا وآثارها على لبنان: مسارات النظام الدولي الجديد

حجم الخط

كتب السفير د. هشام حمدان في “المسيرة” – العدد 1727

لم يفاجئني نبأ المساعي الروسية لتجنيد مرتزقة سوريين للقتال في أوكرانيا. فقد حصل ذلك سابقا في ليبيا. السوريون أصبحوا الآن، وتحت مسمّى مرتزقة، جنود احتياط للنظام الروسي الذي يسيطر على ذلك البلد العربي، يستخدمونهم في حروبهم أينما كانت. كما أنّ ما يبرز في وسائل الإعلام الأميركية والدولية من حملات على روسيا، والحملات الروسية المقابلة، هي أيضا أمر متوقع في مثل هذه الحالة. الصّراع الدولي على أشدّه. الصّراع بين الإتحاد الروسي والمعسكر الغربي، تحوّل الآن من صراع بين شركاء في النظام الدولي القائم إلى حرب في ما بينهم.

حتّى الآن تبدو هذه الحرب باردة. لكن مجرياتها تدل إلى أنّها لا بدّ أن تتحوّل إلى حرب ساخنة.

نحن في الواقع، في مرحلة دولية، مفصلية وتاريخية، يفترض بشعبنا اللبناني أن يتنبّه إليها. شعب لبنان مشغول عن هذه الحرب الآن، بموضوع الإنتخابات النيابية المقبلة. وهذا الواقع هو نموذج لحالة هذا الشعب طوال خمس وأربعين سنة. فقد كنّا دائما منشغلين بأمورنا الداخلية، الساخنة والحامية، وغائبين عن التحوّلات الجارية من حولنا، مما سمح بخداع الرأي العام طويلا، وإخضاع تصرّفاته لمصالح القوى الفاعلة خارجيا. أصلّي أن تخدم الوسائل التكنولوجية وعي المواطن، فلا يُخدع أحد لاحقا فيندفع للقتال كمرتزق أيضا في هذه الحرب.

ما هو الفارق بين «الصراع بين الشركاء في النظام الدولي» و»الحرب بينهم»؟ ولماذا «تدلّ مجريات الحرب في أوكرانيا على أنّها لا بدّ أن تتحوّل إلى حرب ساخنة؟

من تابع مسار النظام الدولي الجديد، يمكنه بالتأكيد أن يدرك معنى هذا الفارق. فمنذ انهيار الإتّحاد السوفياتي عام 1991، وانعقاد قمّة لمجلس الأمن لأوّل مرّة في تاريخ الأمم المتّحدة عام 1992، بدأ مسار تعاونيّ بين مختلف تشكيلات المجتمع الدولي. سقط مفهوم الغلبة الذي كان قائما بين تشكيلات المجتمع الدولي في صناعة القرار الدولي، وبرز مفهوم التوافق في ما بينها بشأن مثل هذه القرارات. شمل هذا التحوّل كلّ الجوانب التي تعني العلاقات الدولية: الأمنية، السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية، القانونية وغيرها. وكانت الولايات المتّحدة وحلفاؤها قبلوا سريعا أن يكون الإتّحاد الروسي شريكا في صناعة القرارات في كل هذه الجوانب، بما فيها الأمنية والسياسية. وقد تمّ قبول الإتّحاد الروسي خليفة للإتّحاد السوفياتي، كعضو دائم في مجلس الأمن. كما توافق الإتّحاد الروسي والولايات المتّحدة وكذلك الصين، على إلغاء قرار الجمعية العامة رقم 3379 عام 1975، الذي قضى بمساواة الصهيونية بالعنصرية، واعتبارها شكلا من أشكالها. كما أنّهما تعاونا على إنتاج مجموعة إتفاقيات دولية لمكافحة الإرهاب، ومن دون تعريف للإرهاب مما جعلها إتفاقيات سياسية أكثر منها قانونية. وعملا على إضعاف دور المحكمة الجنائية الدولية، وتعاونا على صياغة مضمون القرارات الحاسمة بشأن الشرق الأوسط.

قامت روسيا في آذار 2014 بضمّ جزيرة القرم التي كانت جزءا من الأراضي الأوكرانية منذ عام 1954 ضمن الإتحاد السوفياتي. بدا أنّ هذا الإحتلال قد خلق صدمة في العلاقات الدولية. فقامت مجموعة الثماني حينها بتعليق عضوية روسيا في المجموعة، ثم طرحت حزمة أولى من العقوبات ضدّها. وجرى حديث متزايد عن الحاجة لتخلّي أوروبا عن الغاز الرّوسي. فأوروبا تستورد نحو 40% من احتياجاتها من النفط والغاز، من روسيا. وتُعدّ ألمانيا واحدة من أكثر دول الإتّحاد الأوروبي، إعتمادًا على تلك الواردات. وقد شاركتُ عام 2015 في مؤتمر دوليّ عُقد في المكسيك برعاية الإتّحاد الدولي للغاز، حضره وزير النّفط السّعودي، كضيف شرف. وكان النّقاش منكبّا على كيفية تحرّر أوروبا من الغاز الروسي. وتمّ الحديث كثيرا عن الإعتماد على الغاز المسيّل. غير أنّه كان لافتا، ليس غياب الإتّحاد الروسي عن المؤتمر، بل عدّة دول منتجة للغاز، ومنها إسرائيل. في حينه، أبدى الغرب إنزعاجا من الصّمت الإسرائيلي بشأن الغزو الرّوسي للقرم.

بالرّغم مما سبق، فقد تمّ استكمال المفاوضات بين إيران والمجموعة 5+1 (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا.) ففي 14 تموز/ يوليو 2015، تمّ الإعلان عن الإتفاق النووي الإيراني بعد خلافات حادّة إستمرّت أكثر من عشر سنوات. شمل الإتّفاق تقليص النشاطات النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الإقتصادية المفروضة على طهران بشكل تدريجيّ. كان الإتفاق رسالة تهدئة من الحزب الديمقراطي برئاسة أوباما سمحت لروسيا وإيران بتعزيز سياستهما خاصة في سورية والشرق الأوسط. كما أنّ أوروبا وجدت طريقا بديلا عن الخطّ الروسي المباشر للغاز عبر أوكرانيا، يسمح باستمرار تدفّق هذا الغاز الروسي إليها. فكان الإتّفاق الذي تمّ بين تركيا العضو في الحلف الأطلسي، وروسيا خلال قمّة الطاقة التي عُقدت في إسطنبول عام 2016، والذي قالت تركيا في حينه، أنّه يضمن «أمن طاقة الاتّحاد الأوروبي».

عادت أسهم الرئيس الأسد إلى الإرتفاع في سوريا. أمّا في لبنان فقد زاد الضّغط الفرنسي والأميركي والروسي على قادة لبنان لكي يخرجوا من النفق المسدود بشأن رئاسة الجمهورية. فتمّ انتخاب الجنرال عون رئيسا. الأمر الذي أكّد رجحان كفّة إيران وحزبها في لبنان. وبالطبع خضعت القيادات السياسية اللبنانية «المعارضة» لهذا التحوّل، فكانت حكومة الرئيس سعد الحريري بمشاركة كافّة الأطراف من مؤيدي حزب إيران ومعارضيه. وبرزت المحاصصة بشكلها العريض. لبنان خضع لسياسة إيران وحزبها. وهكذا ضمنت أوروبا عدم إنتقال حمى «الفوضى الخلّاقة» إلى لبنان.

من الواضح أنّ المعارضة الإسرائيلية وكذلك الخليجية للإتّفاق النّووي مع إيران ونتائجه، أثارت عوامل قويّة سواء داخل روسيا التي صارت حليفا موازيا في الأهمّية بالنسبة لإسرائيل كالولايات المتّحدة، وأيضا داخل الدوائر الأميركية الفاعلة. فسوء العلاقات بين نتنياهو وأوباما كان واضحًا تمامًا. الأمر الذي ترك ولاشك، أثره في اللّوبي الإسرائيلي. وباعتقادي فإنّ هذه العوامل كانت أساسية في تحقيق النّصر للرّئيس ترامب بوجه السيدة كلينتون. وكلّنا يذكر الضجّة الكبيرة في حينه، حول ما قيل عن تدخّل روسي في مسار الإنتخابات لمصلحة ترامب. لكن من المؤكّد، أنّه خلال فترة حكم الرئيس ترامب، كان التنسيق بين الإدارة الأميركية وروسيا وإسرائيل على أوجه، وخاصّة لجهة تعزيز موقع إسرائيل في المنطقة، وتقليص دور إيران في سوريا، وإخراجها من الدّول العربية المجاورة لإسرائيل. ترامب أعلن عن مواقف غير مسبوقة لخدمة إسرائيل، لم تعارضها روسيا. كما عُقد في القدس في حزيران/يونيو عام 2019 لقاء بين مسؤولي الأمن القومي في روسيا، والولايات المتّحدة، وإسرائيل، رشحت من بعده معلومات عن توافق على إنهاء الوجود الإيراني في سوريا. وهكذا بدأنا نرى الضّربات العسكرية الإسرائيلية ضدّ الأهداف الإيرانية في سوريا من دون تدخّل روسيا.

مواقف الرئيس ترامب خارج الشرق الأوسط: ألإنسحاب من الإتّفاق النووي، المواجهة مع المكسيك وبناء جدار بين البلدين، ألإصرار على إعادة النّظر باتّفاق النافتا بين أميركا وكندا والمكسيك، الإنسحاب من المجموعة الإقتصادية عبر الباسفيك،  شكّلت تأثيرا كبيرا على الأمن والعلاقات الدولية، وأضعفت دور النظام الرأسمالي الليبرالي في مسيرة العولمة.هذه المواقف دفعت عدّة دول كانت حليفة إقتصاديا للولايات المتّحدة، إلى إعادة النّظر والتّموضع في علاقاتها الإقتصادية الدولية. كلّ ذلك في حينه كان لمصلحة روسيا والصين. أمّا الآن، فإنّ الحرب في أوكرانيا تمنح الغرب فرصة تاريخية لاستعادة هذا الدور. الجميع يلعب على وتر دقيق. فهل تنفجر حرب عالمية جديدة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل