كثيرون من المُتعاطين بالشّأن العامِ، عندَنا، وخصوصاً في زمنِ الانتخابات الرّاهن، يسترسلون في طَلّاتِهم الإعلاميّة، بطَلعاتٍ أَلمَعِيّةٍ فيها من المُبتَكَراتِ المُستَهجَنَةِ ما يُثيرُ السّخط، والسّخرية، واستصغارَ أصحابِها. وهؤلاءِ، يغزونَ الشّاشاتِ والميكروفونات، بهيئاتٍ مُستَنفِرَة، وبكلامٍ مختومٍ بإفلاسِ آلةِ الرّشد، وإِنْ هلَّلَ له بعضُ مَنْ لم يُبَلِّلْ مُخَّه رَذاذُ المنطق.
من هنا، وانطلاقاً من الضَّرَرِ الذي يطاولُ سلامةَ عقولِ الناس، تَشويهاً، وتناقضاً، وتلفيقاً مُؤَكَّداً، وغربةً عن الموضوعيّة، كان لا بدَّ من لَفتِ النَّظرِ، والسَّمع كذلك، الى قيمةِ الإصغاءِ السّليم، والى صحّةِ اختيارِ مَنْ يمكنُ متابعتُهم في حديثِهم، ابتغاءً للصدّقِ، والحقّ، والحقيقة.
لذلك، وأمامَ مَسخِ التّعريفات، والابتعاد عن محجّةِ الصَّواب، والزَّوغانِ الفارغِ من المقبوليّة، نعودُ، في هذا المجال، الى التّذكيرِ بقياسَين، أو معيارَين موجِبَين للعصمةِ من الخطأ، ولتفادي الانجراف خلفَ رَصفٍ للكلامِ فيهِ تناقضٌ فاضحٌ بين التّنظيرِ والسّلوك. والمِعيارانِ المقصودان هما: المنطق، والإصغاء.
أمّا المنطقُ فهو المرجعُ المأمونُ الذي يستندُ الى قواعدَ توصِلُ الى التّفكيرِ السّليم، وتُهدي الى نتائجَ صحيحة، وهو الذي ينظّمُ تصرّفاتِ القوّةِ العقليّةِ بتربيةِ مَلَكَةِ التّفكيرِ، وتحصينِها استدراكاً لوقوعِها في الزَّلَلِ، والخطأ. وإذا كان المنطقُ يتعاطى مع ما وراء الكلامِ من عمليّةٍ عقليّة، فإنّنا نشهدُ في ما نسمعُ على أفواهِ القيِّمين على السّلطةِ، والبعضِ من خارجِها، انتهاكاتٍ موصوفةً للتعريفِ العقليِّ للمنطق، وكأنّ هؤلاءِ في غفلةٍ عن عملِ الوَعي، يأتون هلوساتٍ مَقيتة، ويعانون من انهيارٍ على مستوى التّوازنِ الموضوعيّ. لذلك، فالثَّباتُ الفكريُّ، عندَهم، معدومٌ بالكامل، بحيثُ يصبحُ المنطقُ، معهم، جثَّةً، وتُكابِدُ أقوالُهم هزيمةً نَكراءَ في المصداقيّةِ، والقَبول.
أمّا الإِصغاءُ فهو الاستماعُ بانتباهٍ، أو حُسْنُ الإِنصاتِ لحيثيّاتِ التّحاور، وذلك يَنتجُ عن موهبةٍ وإرادة. وإذا كان البعضُ قد أَساءَ، الى حَدٍ واسعٍ، التَّعاطِيَ مع سَمعِهِ، فاندلعَتْ علاقةٌ نزاعيةٌ بينهما، كان من الطبيعي أن يُصبحَ ما تتلقّاه أُذُناه شيئاً منَ الضّجيجِ الصّاخب. من هنا، جاءَت ردود الفعلِ تُجاهَ ما تتلقّاه الآذانُ، جُملةً من الارتكاباتِ الشّنيعةِ ضدّ المنطقِ، والمعقول، وأصبحَت الإجاباتُ بعيدةً عن مسؤوليّةِ العقل، ليتَحَوَّلَ المستمِعُ، هكذا، الى مأساةٍ موضوعيّةٍ متنقّلة. وليس ذلك سوى جزءٍ منَ الأَضرارِ الوخيمةِ التي يُخَلِّفُها إدمانُ الثرثرةِ، أو “كترة الحَكي” السائدُ على ألسنةِ زُمرةٍ مُهَرِّجةٍ، في مجتمعِنا اليوم.
لقد غابَت عنّا مقاييسُ المنطقِ، وثقافةُ الإصغاء، لنبتليَ بأَصحابِ شأنٍ، جعلوا من أنفسِهم قَيِّمين على مصيرِ البلادِ والعِباد، وكان من المُفترَضِ أن يُشكّلوا نموذجاً لِفَنِّ التَواصلِ الرّاقي، غيرَ أنّ الواحدَ منهم يَصدرُ عن مجموعةِ عِقَدٍ، أقلُّها الانحطاط الفكريّ، ما جعلَ البعضَ مِمّن يصفِّقُ بغيرِ صواب، يتكَيّفُ معَها، ويتقبَلُها، ويُدافعُ عنها، باندفاعٍ أَرْعَنٍ فيه من الأذِيّةِ للقِيَمِ العقليّةِ ما يَندى له الجَبين. وبَدَلاً من أن تكونَ الآذانُ جُسورَ عُبورٍ للعقل، لكي يَكونَ ما يُسمَعُ مُفيداً، وبعيداً عن أعراضِ التخبّطِ، والهذيان، أصبحَ طَرَبُ الآذانِ المحتاجةِ الى صيانة، مُشَوَّهاً بأَصواتٍ زاعِقةٍ يُفجِّرُ، فيها، غيرُ المُبارَكين بالمنطقِ، مواهبَهم ” الرّاقيةَ ” بِخُطابٍ مُسِفٍّ، وكأنّهم لا يتمتّعون حتى بأدنى احتياطي العقل.
نحن بحاجةٍ ماسّةٍ لإعطاءِ امتيازٍ للعمليّةِ الذّهنيّةِ، وكذلك، لفنِّ السّماعِ، وبحاجةٍ للسَّعيِ الى تحريرِ العقولِ والآذان من عصورِ الرِقّ، بحَربِ رَدَّةٍ تَنعتقُ، فيها، هذه العقولُ والآذانُ من إقطاعِ برابرةِ السّخافةِ، واللّامنطق، وذلك لتحقيقِ نقلةٍ نوعيةٍ من هوّةِ الهلوسةِ والضّجيج، الى ظروفِ الموضوعيّة، والتَلذّذ السّماعيّ الرّاقي.
عسى أن يُفَعَّلَ العقلُ، هذه الماكينةُ الفكريّةُ النّاشطة، وأن يُعطى صَكَّ براءةٍ منطقيّة، وعسى أن تستعيدَ الآذانُ كرامتَها السَّماعية، حتى لا تدورَ طواحينُ الألسنةِ على فَراغ، وذلك، لتُعادَ قراءةُ الواقعِ بِتَنَوُّرٍ، فينعكسُ هذا الوَعيُ، إيجاباً، بالمَضِيِّ الى صناديقِ الاقتراع استرجاعاً لكرامةِ لبنان.