
بخطى متعثرة، يجهد لبنان، في الشكل أقله، للخروج من أتون أصعب أزماته غير المسبوقة تاريخياً. المسيرة طويلة وشاقة، فهل ستنجح السلطة السياسية، وهي التي تقود مرحلة الانهيار من دون ان تجيد حسن إدارتها، في السباق لحجز مواقعها في تركيبة ما بعد الاستحقاقات النيابية والحكومية والرئاسية، ولو على حساب الانهيار والسقوط الاخير؟
يقرّ الجميع بأن فترة الشهر التي تسبق انتخابات 15 أيار، لن تكون مثمرة على اي صعيد، على الرغم من الحاجة الى معالجات حكومية عاجلة لحلول ازمات طارئة على أكثر من جبهة. وقد ضاق الانتاج السياسي إلى درجة أنه لم يفض ِإلا إلى اتفاق أوّلي مع صندوق النقد الدولي من دون أن يتوسع الى اقرار خطة التعافي المالي التي يفترض أن ترسم خارطة طريق لخروج لبنان من نفق الأزمات المتشعبة، وأيضاً من دون اقرار الاصلاحات الموعودة التي وسعت دائرة الأضرار وعمقها.
وهذا يعني أن المشهد السياسي الذي دخل البازار الانتخابي على حماوة لافتة، أُصيب بخمول انتاجي كان يفترض أن يدفع الحكومة والعهد والبرلمان الى تلقف فرص عودة الانتعاش الحذر إلى العلاقات اللبنانية ـ الخليجية بغية تعويض ما فات البلاد من منافع كانت حتماً لتخفف حدة تداعيات الانهيار الذي يفرض لوضع لبنان على سكة التعافي، بحسب ما قال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في جلسة مجلس الوزراء، إقرار أربعة ملفات أساسية، هي الموازنة العامة وقانون الـ”كابيتال كونترول” وتعديل السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف.
صحيح أن هذا ما طلبه صندوق النقد من لبنان، لكن الحاجة الى الالتزام بتلك الشروط إنفاذاً للوعود المقطوعة امام المجتمع الدولي، لا تبرّر المعارضة الشعبوية التي تظهّرت أخيراً في مجلس النواب، وتكاد تطيح ما بقي من بنية تحتية اقتصادية، واجب الحفاظ عليها من أجل مرحلة إعادة النهوض.
وتتحفظ أوساط اقتصادية، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن التناقض الفاضح في الخطاب السياسي، إذ يلهث الجميع لخوض المعركة الانتخابية، من دون بذل أي جهد لحل أي من الازمات المعيشية التي يعانيها الناخبون، وهي التي تبدأ من انعدام فرص العمل على الرغم من انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع التضخم إلى معدلات غير مسبوقة، وتمر باستحالة الحصول على الخدمات الاستشفائية والدوائية الضرورية، وصولاً إلى انعدام خدمات حيوية تدخل في صلب قطاع الأعمال، أبرزها الكهرباء والانترنت. ويأتي مشروع قانون الـ”كابيتال كونترول” ليحرم المودعين حقهم من الحصول على مدخراتهم، إذ يعفي بالشكل المطروح للنقاش والاقرار، الدولة ومصرف لبنان من كامل مسؤولياتهما، ليحمل القطاع المصرفي والمودعين الخسائر المالية التي قدّرتها الحكومة بنحو 72 مليار دولار.
وفي ظل المعارضة المتنامية للمشروع، تتوقع الأوساط عينها، أن يبقى الـ”كابيتال كونترول” عالقاً إلى ما بعد الانتخابات، خشية من استثارة غضب الجمهور الانتخابي وحرصاً على خطة تقاسم المغانم في العهد الجديد. وهذا ما ينسحب أيضاً على مشروع قانون موازنة 2022 الذي لا يحمل خطة ورؤية إنقاذية، بل يقتصر على جدول إيرادات ونفقات نُسخت طبقاً للأصل من موازنات سابقة اعتمدت سقف الـ1515 ليرة لسعر الصرف الرسمي للدولار. كذلك، تضمن تضخيماً لأرقام الواردات لزيادتها على سعر الدولار بـ20 ألف ليرة، واحتسبت النفقات أيضاً بـ20 ألف ليرة، مثل الدولار الجمركي والدولار الخليوي وغيرها من النفقات التي تعتمد كلفة استيرادها من الخارج على “الفريش” دولار. وبقيت الرواتب والأجور على حالها كما قبل تاريخ 17 تشرين 2019، في مقابل زيادة عشوائية للضرائب بغية زيادة الإيرادات، ما يُفضي إلى عجز فادح لدى المواطن عن تحمّل أعباء زيادات اضافيةّ، وتالياً سيؤدي إلى انكماش اقتصادي كبير. وربما الأهم، أقرّت الموازنة باستمرار العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، اذ أعطيت سلفة خزينة طويلة الأجل بحد أقصى 5250 مليار ليرة (3 مليارات و465 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي) لتسديد عجز شراء المحروقات وتسديد فوائد وأقساط القروض لصالح المؤسسة.
وما ينطبق على الـ”كابيتال كونترول” وموازنة 2022 ينسحب على ملفات ساخنة أخرى، بينها ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، ولكن من قناة انهيار التفاؤل الذي حاول بعضهم إشاعته مع تجدد وساطة آموس هوكشتاين، إلى حد غيّبت السلطة أي حديث في الملف الذي حذر مؤسس مركز “ميديس واير” للبحوث نيكولاس نو وفقا ًلمعطيات واقعية، من “انهيار تام، قد يفضي إلى عواقب وخيمة”. وعزا المشهد الجديد إلى “سوء فهم” لدى هوكشتاين الذي باقتراحه مشاركة لبنان وإسرائيل في حقل قانا، “دُفِنت أيّ صفقة تحت التراب”.
وبعد اضاعة أكثر من عام ونصف العام، عاد لبنان إلى “اتفاق الاطار” الذي أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري التوصل إليه مطلع تشرين الأول 2020، أساساً للتفاوض. ولم يتكلف لبنان رسمياً تبرير تعليق المفاوضات، ولم يحدد نهائياً موقفه من خيارَي هوكشتاين: إمّا تلقُّف مبادرة الخطّ المتعرّج بموازاة الخطّ “23” الذي يضمّ حقل “قانا”، وإمّا توقُّف المفاوضات وتعليقها لسنوات. كذلك، لم يبادر إلى تعيين لجنة تفاوض جديدة بعد انتهاء مهمة اللجنة العسكرية، ولم يبادر إلى إجراء اي اتصال لتفادي انهيار المفاوضات، بما يُبقي ثروة لبنان النفطية مدفونة في قعر المياه، فيما تسرّع إسرائيل الخطى لاستخراج ما اكتشفته من نفط وغاز في حقل “كاريش”، بما يؤهلها لتعزيز موقعها كدولة مصدّرة وعضو في منتدى غاز شرق المتوسط.
خبير النفط الدكتور ربيع ياغي يقول لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، من الواضح أن عملية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، في إجازة أي لا مفاوضات… الكل ينتظر الوسيط الأميركي ليحمل معه إجابات وإيضاحات… ولا يبدو، أقله في المدى المنظور، أنه سيعود إلى بيروت، كما أن لبنان ليس على سلّم أولويات الولايات المتحدة ولا حتى أوروبا.
ويُضيف، المفاوضات مجمَّدة إلى ما بعد الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة، وقد تمتد إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية. فلا نرى في الأفق أي بصيص اتفاق سيحسم الأمر. فمن جهة إسرائيل، تمارس نشاط الاستكشاف والتنقيب بشكل طبيعي، وبدأت تقريباً منذ أواخر الشهر الماضي الاستكشاف والتنقيب وتطوير بعض الحقول المتصلة بشمال حقل “كاريش” القريب من الحدود اللبنانية. أما بالنسبة إلى لبنان، فمكانك راوح، ولن تأتي أي شركة أجنبية إلى لبنان طالما الوضع على ما هو عليه.
غيض من فيض غبار ساخن يضرب لبنان، ويزيده لهيباً سقف الدولار المفتوح على ارتفاع غير محكوم بضوابط تقنية، بما يوسّع الهوة ما بين الانهيار والنهوض.
عشية الانتخابات النيابية، يقف اللبنانيون عند باب الثقة لاختيار ممثليهم، على أمل ان تخلص عملية التصويت إلى طبقة جديدة قادرة على استشراف الازمات، وكفوءة لإدارتها وتطويق ذيولها. رهان سيتبلور بوضوح فجر 16أيار المقبل.