
لا يَغُرَّنَّكَ الإنفتاحُ الإصطناعيُّ لصُنّاعِ الإستقواءِ، عندَنا، في موضوعِ الحريّات، فهؤلاءِ الذين سَوَّقوا، تمويهاً، أنّ المواطنين، جميعاً، متساوونَ في الحقوق، كان انهيارُ منظومةِ حقوقِ النّاسِ على أيديهم، وجرّاءَ ممارساتِهم التي انتهكَت الحريّات، وأَقصَت الفئاتِ الوطنيّةَ عن المشاركةِ في صنعِ القرار. وما ذلك، في الحقيقة، إلّا خطّةٌ ترويجيّةٌ لديمقراطيّةِ المجموعةِ المُهَيمِنة، وهي ديمقراطيّةٌ مزَيَّفةٌ تَخفي ديكتاتوريّةً منغلقةً، ذات استراتيجيّةٍ سافرة، قوامُها فَرضُ الرأيِ الواحدِ على الجميع، طَوعاً أو قَسراً.
لا تزالُ الديمقراطيّةُ، في بلادِنا الحزينة، رَخوةً، هشَّةً، ولا تزالُ الحريّاتُ، وفي مقدِّمِها حريّةُ التّعبيرِ، وحريّةُ الإختيار، تنتظرُ فرصةً لتَناميها في أرضٍ مهدورةِ الحقّ، تنحسرُ، فيها، إمكانيّاتُ التّكافؤِ، ما يضمنُ استمرارَ عنصريّةِ الإستقواء، ومحاولاتِ تهميشِ دَورِ الوطنيّينَ، والإطباقِ على حقوقِ الشّعبِ، وكأنّ المواطنينَ رَعايا.
وبالرّغمِ من تفاقمِ مؤشِّرِ الإختلافِ في التّعاطي مع قضايا الوطن، وتَعَدُّدِ مصادرِ التوتّر، وعدمِ الإستقرار، وسلوكِ التّهويلِ والتّرهيب، لإعادة عقربِ الزّمنِ الى عصورِ الإنحطاط، لم تَغِبْ عن بعضِ الشّرائحِ، في النّسيجِ الوطنيّ، مكوِّناتُ عناصرِ المواطنة، فهذا البعضُ لم يَعتبرْ نفسَه، يوماً، حالةً مُقيمةً لِأَجَل، أو مجموعةً بحاجةٍ لحمايةٍ، أيّاً يكنْ مصدرُها. أمّا الجَدَل، فيُثارُ حولَ العلاقةِ بالوطنِ، انتماءً وولاءً، وحولَ مشروعيّةِ التمتُّعِ بالحقوقِ والحريّات، وهذه، بالذّات، قضيّةُ التزامٍ لا قضيّةَ امتياز.
إنّ استعراضاً مُعَمَّقاً لِما يدورُ في المشهدِ الدّاخليّ، يُبَيِّنُ، وبما لا يحتملُ الشَكّ، أنّ الحريّةَ هي عنوانٌ بلا مضمون. فالحريّةُ شريدة، محكومٌ عليها أن يتحوَّلَ اسمُها الى قَمع، أو الى تَبعيّة، أو الى هُتافٍ آلِيٍّ تؤَدّيهِ الحناجرُ بصوتٍ واحد: ” لَبَّيك “. والمُسَبِّبُ الواضحُ لهذا الإنقلابِ على مفهومِ الحريّة، هو السّلاحُ الخارجُ عن الأُطُرِ الشرعيّة، الذي يفكِّكُ الرّابطَ مع الوطن، ويُبقي البلادَ في عُنُقِ الأزمة، ويُحكِمُ القبضةَ على القرارِ وعلى المَصير، كرافِعةٍ لتمريرِ مشروعٍ غريب، ومشبوه، ينقضُّ على الكيانِ، باعتبارِهِ لبنانَ بِدعَة.
أيُّ تفسيرٍ يمكنُ أن يَفِيَ بمسألةِ التّهديدِ الذي تَعَرَّضَ له المُرَشَّحون، في بعضِ الدّوائرِ المحسوبةِ على المُستَقوين، فارِضاً عليهم الإنسحابَ من اللّوائحِ المُنافِسَة ؟؟ أينَ حُرّاسُ الدّستورِ الذين عليهم أن يحرصوا على الحريّات، ويتولَّوا حمايةَ النّاسِ من عمليّاتِ ترهيبِهم، وضَربِ حقوقِهم ؟؟
كنّا نتعلَّمُ، ونُعَلِّمُ أنّ الحريّةَ مُصانَةٌ بالدّستور، ومكفولةٌ بالقوانين، وهي تمثِّلُ البَندَ الأساسيَّ في شرعةِ حقوقِ الإنسان، ما يعني أنّ الأُمَمَ في عُمومِ أرضِ الناس، تعترفُ بإِلزاميّةِ أن يتمتَّعَ الفَردُ بحريّاتِه وبحقِّه، فهذا الحقُّ مرتبِطٌ، حتماً، بالكرامةِ الإنسانيّة. لكنّ أسلوبَ المُضايَقَة، والإعتداءِ على الحريّاتِ، عندَنا، والذي لم يَعُدْ غريباً عن مسلكيّةِ الأَحادِيّينَ الذين تَضَخَّمَ في جُبلاتِهم الإستقواءُ، لن يذكِّرَنا هذا الأسلوبُ إلّا بحكايةِ “لافونتين ” المُتعلّقَةِ بالضّفدَعِ الذي أرادَ أن يُصبحَ بضخامةِ البقرة، فكانت نهايةُ انتفاخِهِ انفجاراً مُدوِّياً.
إنّ السّلوكَ الإندفاعيَّ في قَمعِ الحريّة، بقَدرِ ما هو هَوَسٌ سالِبٌ يُعتَبَرُ من العاداتِ البَغيضة، هو، أيضاً، ضَربٌ مَقيتٌ لصورةِ لبنانَ، ليصبحَ وطنُنا رخيصَ الثَّمنِ لانحجابِ حَقَبَةِ الحقوقِ عن زَمَنِه. لقد كانت الحريّةُ مركزَ الثِّقَلِ في كُنوزِ لبنان، مهَّدَت لارتقائِهِ درجةَ الرّيادةِ في عالَمِنا المشرقيّ، لكنّها، وبسببِ ممارساتِ فوّهةِ الإستقوائيّين، أُفرِغَت من قيمتِها، واغتيلَت حيثيّتُها، خصوصاً بمحاولاتِ تَدجينِ أصحابِ الرأيِ الحرّ، وتزكيةِ خطِّ الرأيِ المُعَلَّب، بمختلفِ أنواعِ الأسلحة.
ولكن، ولمّا كانت الحريّةُ مشروعاً يتجاوزُ النسبيّةَ، أو الصِّراعَ على السّلطة، لأنّها فلسفةُ وجودٍ وبَقاء، لنا، اليومَ، في الانتخابات النيابيّة، وهي انتخاباتٌ مصيريّة، إمكانيّةٌ على مستوى الإعدادِ لتشكيلِ جبهةٍ سياديّةٍ تحدِّدُ توجهّاتِ المستقبل. لذا، فالخيارُ هو بين الحريّةِ وبين قَمعِها، بين الديمقراطيّةِ وبين البروتوتيبيّةِ الممقوتة، بين مواطِنٍ حُرٍّ مُصانةٍ كرامتُهُ وبين مُواطِنٍ ” عَبْدٍ ” خاضِعٍ لِما يُملى عليه. من هنا، علينا أن نُقبِلَ، وبكثافة، على صناديقِ الاقتراع، نُدلي بأصواتِنا للسياديّين الحقيقيّين، حتى لا نقولَ، آسِفين، وداعاً أيتها الحريّة.