هيهات منكم الذلّة؟

بحثت كثيراً عن المصدر التاريخي لصاحب هذه العبارة من دون جدوى، ولم أجد سوى الأخبار الموجودة في التقليد الإسلامي من أحاديث وسِيَر نبوية وتاريخ الإسلام بعد 200 و300 سنة من موت النبي محمد صلى الله عليه وسلّم. على سبيل المثال، أول كاتب للسيرة النبوية هو ابن إسحاق الذي لم يبقَ أي شيء مما كتب، إلا ما نقله عنه ابن هشام المولود في البصرة والمتوفي فيها سنة 833 ميلادية، وأول مَن كتب الأحاديث النبوية هو أبو عبدالله محمد البخاري المولود في أوزبكستان والمتوفي فيها سنة 870 ميلادية، وأول من كتب تاريخ الإسلام وتفاسير القرآن أبو جعفر الطبري من طبرستان – إيران والمتوفي في البصرة سنة 923 ميلادية. لذلك علينا أن نركن الى ما كُتب في التقليد الإسلامي، بغض النظر عن تقاطعه من عدمه مع أحداث التاريخ.

يعود أصل هذا الشعار الى الإمام الحسين في خطبته في يوم عاشوراء، رداً على الدعوة للاستسلام لجيش يزيد بقيادة عبيد الله بن زياد. وهكذا أصبح شعاراً للشيعة أينما وجدوا.

بيد أن البعض، وخصوصاً عندنا، وتحديداً حزب الله، يستعمل هذا الشعار لشدّ عصب جمهوره عند كل مناسبة ليظهر بمظهر الحريص على عدم إذلال الشيعة في لبنان، وربما في العالم.

لكن واقع الأرض مختلف تماماً عن الشعارات الرنانة. فعلى الرغم من هذا الحرص الصُوَري، إلا أن كل ما يقوم به هذا الحزب، لا يجلب إلا الذلّ ليس للشيعة فقط، وإنما لكل اللبنانيين، وليس في لبنان فقط، وإنما في كل العالم.

هيهات منا الذلّة، وأبشع أنواع الذلّ رأيناها في طوابير مئات آلاف النازحين من الجنوب الى أي مكان آخر يأويهم من القذائف المنهمرة على رؤوسهم في حرب تموز الكارثية الناتجة عن أخطاء تقدير حجم الردّ، والتي تجلت بـ”لو كنت أعلم”.

هيهات منا الذلّة، وصور أمين عام حزب الله على الشاشات كل يوم يستعطي، لا بل يتسول وقفاً لإطلاق النار، ثم حين تمّ الاتفاق على وقف النار بشروط مذلّة، سارع الى إعلان النصر على العدو، على الرغم من المصائب والويلات التي حلّت على لبنان، وعلى الشيعة بالتحديد.

اللائحة تطول وتطول مروراً بما يتعرض له اللبنانيون، والشيعة خصوصاً، في كل أنحاء العالم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ملاحقة والقبض على عدد كبير من المجموعات التي جندها حزب الله في القارة الأميركية، من الشمال الى أقصى الجنوب، والتي تعمل في تجارة المخدرات والتهريب وتبييض الأموال… ومثلها في أوروبا وأفريقيا ودول الخليج العربي وغيرها، والتي ألحقت المذلّة بكل شيعي بحيث أصبح موضع شبهة لدى الأجهزة الأمنية، خصوصاً بعدما أصبح هذا الحزب على لوائح الإرهاب في معظم دول العالم، ولا ننسى كيف طرد عدد من الدول بعض الرعايا الشيعة خارج أراضيه.

أما اليوم، حدّث ولا حرج. فبعد أن أنهك بيئته في الحروب الكونية، وبعد أن فرض سيطرته على مواقع القرار في الدولة اللبنانية، وبدل أن يقدم نموذجاً شفافاً مؤسساتياً ليجذب إليه معظم اللبنانيين، غلب طبع الديماغوجية على الفكر البناء المتطور، وأعطى أبشع صورة عن أي مجموعة ممكن أن تصل الى موقع القرار، وأصبح نسخة عن الأنظمة الديكتاتورية التوتاليتارية في إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية… وألحق الشعب اللبناني والشيعة ضمناً، بالشعوب المغلوب على أمرها والتي تعيش في قعر الذلّ.

طبعاً لا نستغرب الوصول الى هذه النتيجة، فهذا الفصيل ومنذ تاريخ تأسيسه لم يخفِ أهدافه العقائدية الحقيقية التي تُجسّد مشروعه المرتبط بولاية الفقيه، مشروع واضح المعالم والنتائج، من منبعه في إيران، الى العراق واليمن ولبنان، لم ينتج عنه إلا الخراب والدمار وذلّ الشعوب.

وهنا من المفيد طرح سؤال بسيط على إخواننا في الوطن الذين يؤيدون هذا الحزب وضمناً، كما يؤيدون مشروعه السياسي الديني.

هل حقاً تريدون العيش في ظل هكذا ديكتاتورية رأيتم ملامحها جيداً في السنوات الأخيرة؟ هل حقاً تستطيعون العيش في القمع والمنع والذلّ كما يعيش الآخرون؟ هل جرّبتم العيش في تلك البلدان التي ترزح هي وشعوبها تحت نير تلك الأنظمة المستبدة التي تستبيح كل شيء باسم الدين؟

ألم تكتفوا بعد من كل الذلّ الذي مررتم به وعشتوه على مدى عشرات السنوات مع باقي اللبنانيين، وما زلتم اليوم تعيشون ونعيش كلنا الذلّ على أبواب المستشفيات والصيدليات والأفران ومحطات المحروقات… ذلّ لم يرَ اللبنانيون مثيلاً له منذ الحرب العالمية الأولى، بفضل السياسة الفاشلة التي انتهجها مَن سيطر على الحكم وفشل في إدارة الدولة ومؤسساتها، بل أمعن في تهشيمها خدمة لمصالحه الخاصة، وبعد أن هرّب المازوت والبنزين وكل المواد الأخرى خصوصاً المدعومة، الى سوريا أمام أعين الجميع، أي هرّب ما هو حقّ لكل لبناني، وبمعنى آخر، سرق أموال اللبنانيين المساكين وهربها الى سوريا خدمة لأهدافه، ثم عاد بحفنة قليلة منها الى لبنان ليمنن اللبنانيين بها، في أبشع أنواع الذلّ الذي عرفه التاريخ المعاصر.

طبعاً وحتماً وتحصيلاً لكل الحواصل، لن نرضى العيش بهذا الذلّ مهما كان الثمن الذي سندفعه، لكن، معكم وبمدّ يد العون والمساعدة، يمكننا جميعاً أن نختصر الوقت والمسافة والأثمان الكبيرة، لنصل الى لبنان الدولة الحقيقية التي تحمي وتؤمن مستقبل كل أبنائها من دون أي تفرقة، دولة حضارية تحترم حقوق أبنائها وواجباتها تجاههم، دولة نستطيع العيش فيها بسلام وأمان وراحة بال، تُريحنا من الحروب العبثية والنكسات والويلات التي لا يمر عقد من الزمن إلا وتقع على رؤوسنا.

الى كل اللبنانيين وخصوصاً إخوتنا الشيعة الذين هم أول مَن يقع عليهم الضرر وويلات الحروب، الفرصة سانحة وبقوة، فقط انتفضوا على الذل الذي وُضعتم فيه، حاسبوا مَن حوّل لبنان وأهله الى متسولين على أبواب الدول والجمعيات، حاسبوهم على الخطايا التي ارتكبت بحق اللبنانيين جميعاً، عاقبوهم شرّ عقاب في صندوق الاقتراع.

العبور الى الدولة الحقيقية حتمي وسيحصل مهما طالت الصعاب وكبرت، الفرق كل الفرق، أنه معاً، نختصر الوقت ونذلل الصعاب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل