الدولة “الباتريموانيّة”

في 28 كانون الثاني من العام 1919، قدم Max Weber واحدة من أهم المساهمات في النظرية السياسية الحديثة في محاضرة بعنوان “السياسة كمهنة” Politics as a Vocation. وفي عصر الديماغوجية الذي نعيشه اليوم، تشكل تلك المحاضرة خريطة ثمينة للساحة السياسية كما كانت قبل 100 عام. وفي محاضرته هذه عرّف Weber الدولة: بأنّها الكيان الذي يحتكر الاستعمال الشرعي للقوة الطبيعية، وأصبح هذا التعريف محوريًّا في دراسة علم السياسة.

رأى Max Weber أنّ “أخلاق الإيمان من سمات القديسين”، في حين أنّ الثوار اللبنانيّين يلومون الآخرين على تأثير أفعالهم ما داموا هم بنظرهم فعلوا الصحّ، مقابل فئة تطالب السياسيّين بالتحلّي بأخلاق المسؤولية وتحمّل مسؤولية أفعالهم. هذه الإشكاليّة في العمل السياسي شكّلت مادّة دسمة تُخاضُ على أساسها اليوم المعارك الانتخابيّة. كما اعتبر أنّ “السياسة شكل متميِّز من أشكال النشاط، له أحكامه القاسية، وهي تعني صراعًا متواصلًا بين قادة ونخب حزبية. ومَن ينخرط فيها يعقد حلفًا مع “قوى شيطانية” من دون أن تكون هناك مرجعيّة أخلاقيّة يُستَدَلُّ بها”. وحذّر جمهوره من “ليلٍ قطبيٍّ من الظلام والصلابة الجليدية”. ووضع Weber في مواجهة ذلك “أخلاق المسؤولية” التي تطالب السياسيين بتحمل مسؤولية أفعالهم والدخول في مساومات أخلاقيّة لتحقيق هذه النتائج إذا دعت الحاجة.

لقد كان هذا المفكّر يدرك سلفًا أنّ أشياء شريرة يمكن أن تنبثق من أفعال خيِّرَة، مثلما يمكن أن يحدث العكس. فبالنسبة إليه يتّسم القائد السياسي الحقيقي بثلاث صفات هي:

–     العاطفة المتّقدة

–     الشعور بالمسؤوليّة

–     الإحساس بالتناسب

ولا يمكن للبناني المتحدّر من سلالة المقاومين القاديشيّين إلّا أن يرى القائد كصاحب قضية، وهو ليس متبجحًا بسلطة اكتسبها حديثًا أو حتّى ورثها كقطعة أرضٍ. يجب أن يتحلّى بالشجاعة الأخلاقية وبإحساس داخلي لاستشراف الهدف، مع القدرة على إصدار الاحكام الواعية وشعور عميق بالمسؤولية. متى وُجِدَت هذه الصفات عندها يولد قادة يستطيعون وضع يدهم على عجلة التاريخ. فلا يمكن فصل السياسي عن الأخلاق التي يتّسم بها. وهذا ما يعكس إيمانه ببلده، وعندما يكون بلده بلحظة خطرٍ كِيانيٍّ كتلك التي يمرّ بها لبنان اليوم، عندها يكون هو نفسه قويًّا ومقتدرًا على اتّخاذ القرارات الصّحيحة في اللحظات المناسبة.

فإذا أجرينا دراسة علمية للأحزاب والقادة السياسيّين نجد أنّ مَن تحلّى منهم بهذه الصفات إمّا استُشهِدَ وإمّا ندر وجوده. وإذا تأمّلنا في أخلاق القيادة السياسيّة التي على أساسها يتمّ العمل السياسي اليوم نلاحظ أنّ الصفات غير الأخلاقيّة تسيطر على خطاب بعض القادة. وذلك بناء على وضع دور هذه الأحزاب والمصالح الشخصيّة لبعض قادتها فوق القيم الإنسانيّة. وهذا ما أدّى إلى اكتساب حياة جديدة في السنوات الأخيرة تُرجِمَت بنقمة على الأحزاب وطبيعة عملها علميًّا.

وهذا ما أدّى أيضًا إلى الفهم الفذّ للديماغوجية الذي ساعد على فهم صعود سلطويين كارزميين يقودون أجهزة حزبية مطيعة. وهذا ما يفسّر تصرّفات بعضهم المبنيّة على البروباغندا “الغوبلزيّة” التي قوامها الأساسيّة الكذب ومشتقّاته. وهذا ما شوّه أيضًا دور الصحافة والإعلام الذي مارسته هذه الأحزاب فباتت مهامها دعائيّة فقط لا غير، مع الأخذ بعين الاعتبار على تدعيم قدراتها الإعلاميّة على تشويه الحقيقة وحتّى إخفائها. وهذا ما حوّل بعض الأحزاب إلى أحزاب ” باتريموانيّة” أي وراثيّة، عكست هذه الثقافة على تكوين الدّولة فحوّلوها إلى دولة باتريموانيّة ما ساهم بإسقاط الدّولة الحقيقيّة التي نجحوا بإعلامهم بتشويهها وإخفائها.

لقد كان منتقدو Weber اليساريون آنذاك يعتقدون أنه حبيس قفص حديدي صنعه بيده، غير قادر على أن يرى كيف يمكن أن تفتح حركة التاريخ إمكانات للتغيير الجذري؛ وهذا ما يراه بعض اللبنانيّين في بعض القادة السياسيّين اليوم، لكنّ الواقع اللبناني قد دحض هذه النّظريّة بوجود أحزاب حقيقيّة أثبتت بالتجربة بأنّها سيّدة وليست مَسُودَةً من قبل أحد. وعاجلاً أم آجلاً لا يمكن لمن يحمل هذا الفكر في نفسه وعقله إلا أن ينضوي في خطّ هذه الأحزاب لتستقيم الحياة السياسيّة في لبنان.

وإذا لم يحسن اللبنانيّون اختيار ساساتهم على هذه القواعد الأخلاقيّة، ولأنّ كل شيء بات يحمل من الدقة والتقشف العلمي والتخفيف من القيم سيعودون إلى بيوتهم في 16 أيّار مكتئبين تمامًا على قاعدة هذا ما جنته أيديهم. وسيتردّد صدى هذه التهمة من جيل إلى جيل، وهي تشير إلى مأزق لا يزال يواجه المنخرطين في السياسة الديمقراطية: هل تستطيع أن تكون واقعيًا وراديكاليًا في آن واحد؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل