هل سيتمكّن الحزب من “مقاومة” التغيير؟

 

قد يكون الثنائي الشيعي الأكثر وضوحاً حتى الآن في رفضه إجراء أي مراجعة لأدائه ومنطقه ومقارباته وشعاراته باعتبار أنه يضمن إعادة الغالبية العظمى من نوابه كمرشحين للانتخابات النيابية المقبلة وعدم إمكان انتخاب أي رئيس للمجلس النيابي غير الرئيس نبيه بري بما يعنيه ذلك من دحض كلي لانتفاضة اللبنانيين في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩ وتطلعاتهم بالتغيير. رفض الحزب آنذاك رؤية انتفاضة الناس أكثر من انتفاضة مدفوعة من السفارات الغربية فيما استشعر رفضاً لبنانياً عارماً لإدارة الدولة اللبنانية والمآل الذي دفع فيه الحزب لبنان مع حلفائه ولا سيما خلال العهد الحالي.

 

يخشى الحزب التغيير، ومقاربة الترشيحات الشيعية عبر لوائح يمكن أن تهدّد لوائح الحزب ليس باختراقها فحسب بل بفوزها بهامش ضئيل يظهر وجود بيئة شيعية خارج سيطرته، أمر مقلق بالنسبة إليه ويجهد في قمعها وإخفائها. وهو استعار أدبيات اعتمدها في السابق من دون أن يثير طعوناً قضائية ولا تحركاً من الدولة أو من سلطاتها، وقد أضحت واهية ومن دون وجود راهن لتثبيت قواعده بعيداً من أي تغيير ولو على سبيل مواكبة التطورات الطبيعية. يستشعر الحزب خطراً أكثر من أي وقت سابق وفقاً لمصادر ديبلوماسية بناءً على ظواهر لا يمكن إخفاؤها إعلامياً أو سياسياً. هل يدفع التيار العوني الحليف المسيحي الذي أمن له الغطاء الرسمي له ولسلاحه ثمن التحالف معه أو ثمن سوء إدارته وطمعه فحسب أو الاثنين معاً من حيث استناد التيار الى سلاح الحزب للاستقواء؟ إن كان التراجع الشعبي والسياسي للتيار حتى لو ساعده الحزب في تأمين كتلة نيابية كبيرة، أقله وفق منطق جبران باسيل الذي يعزو العقوبات الاميركية عليه لهذا السبب وليس بسبب الفساد كما يقول، وهو كلف البلد تردّي علاقاته مع الدول العربية، فأي رئيس مسيحي للجمهورية يمكن أن يكون مقبولاً ولا يقع في الإشكالية نفسها التي وقع فيها عون الذي اعتمد فريقه شعار “ما خلونا” لتبرير الفشل أو يستطيع الصمت على استخدام لبنان منصّة لمواجهة بين إيران وإسرائيل؟

 

يسأل هؤلاء الديبلوماسيون في ظل تراجع التعليقات على خطاب الأمين العام لـ”#حزب الله” السيد حسن نصرالله في يوم القدس والذي يعيد فيه التهديدات لإسرائيل، عن مدى ما بات يعنيه هذا الملف المتصل بمواجهة إسرائيل التي تبقى في مقدم البروباغندا الإيرانية فيما تحوّل اهتمام اللبنانيين وأولوياتهم من المسائل القومية الى طموحاتهم في الخبز والكهرباء والمحروقات. يكاد لبنان يتحول واحدة من هذه الدول التي تحاول إلهاء شعوبها بالأولويات الحياتية فيما قد يكون تكرار الخطابات نفسها من الحرب مع إسرائيل وضدها ولا سيما لمصلحة إيران أو اعتباراتها يثير إشكالية بالنسبة الى الحزب أكثر ممّا يخدم منطقه أو قضاياه على هذا الصعيد.

 

في الخطاب الأخير الذي هدّد فيه السيد نصرالله بأن إيران قد تضرب إسرائيل مباشرة، ليس غريباً أن تفعل إيران ذلك إذا تعرّضت لاعتداء إسرائيلي فيما الأنباء عن دخول وحدة إسرائيلية طهران واستجوابها أحد المخابراتيين الذين كلفوا بعمليات اغتيال في الخارج تكرر ما واجهته إيران من اختراقات إسرائيلية في الأعوام الأخيرة. ولكن الحرص على إعلان ذلك من السيد نصرالله في خطاب ينطلق من لبنان يأتي في إطار التأكيد أن لبنان يشكل قاعدة إيرانية متقدمة وأن هذه هي الأجواء التي تهيمن عليه، بينما هذا لا صلة واقعية له، ليس لأن الموقف من إسرائيل مختلف بل لأن حروب إيران لا يمكن أن تكون حروب لبنان الذي لم يقترب من أن يماثل الدول العربية والخليجية في التطبيع مع إسرائيل لاعتبارات متعددة، ولكن إبقاءه تحت المظلة الإيرانية قد لا يكون متاحاً كما خلال الاعوام الاخيرة. والحملات الانتخابية المتعددة الاتجاهات إنما باتت تطاول الحزب بالذات ضد ما يسمّى محور الممانعة حيث تنضوي كل الاحزاب والتيارات تحت مظلة الحزب على رغم سعي التيار العوني الى تمييز نفسه. وقد يوجه إليه المسيحيون رسالة قاسية وواضحة في هذا الاتجاه لا يمكن الحزب أن يتجاهلها باعتبارها لن تكون موجهة ضد التيار وحده بل ضده كذلك وضد تفاهم مار مخايل. وهذا لن يقتصر على الداخل بل يكون بمثابة تسونامي خارجي سيسبب ارتباكاً كبيراً للسلطة إذا قُدّر للصناديق أن تصل وتُفرز في الوقت المناسب لا كما حصل بالنسبة الى صناديق اقتراع في انتخابات 2018 ولا يتم التلاعب بها. وهذه ستكون معضلة أساسية يُخشى أن تؤدّي بحسب مصادر سياسية الى تلاعب في صناديق الاقتراع في الداخل والخارج مخافة ما يمكن أن تترجمه في السياسة وليس في أكثرية نيابية فحسب نتيجة خشيته من عدم حصوله عليها، ولجوئه الى الترهيب الانتخابي.

 

وهناك تحرك متصاعد في عواصم مؤثرة يذكر بذلك الذي شارك فيه عون حيث كان لا يزال ضد الوصاية السورية وضد الحزب قبل 2005 من أجل تظهير مقاومة لبنانية للنفوذ الإيراني وسيطرة الحزب بما يصعب عليه ضمان استمرار القديم على قدمه في مقارباته ومنطقه وقدرته على فرض ذلك على السلطة في المرحلة المقبلة. المقاومة لوجود الحزب المسلح ورهنه لبنان لمصالح إيران قد تكون ككرة الثلج.

 

لذلك فإن الخطاب الانتخابي الحاد المستخدم من محيط الحزب ومن مسؤوليه كما من أفرقاء آخرين كثر يكشفون فيه حروباً فعلية تخاض من أجل إنهائهم والسيطرة على البلد، يُخشى أنه ليس خطاباً تطويه الانتخابات بعد انتهائها فحسب. يعتقد البعض أن الحزب قد يتمكن من ضبط الإيقاع في مناطق نفوذه ولكن ضبط إيقاع البلد في المرحلة المقبلة قد يكون أكثر صعوبة في ظل التغيير الذي أصابه والذي قد يلزم الحزب بأخذه في الاعتبار حتى لو أبقى هو على كيانه من دون تغيير.

المصدر:
النهار

خبر عاجل