حوار القُطبَين

جولة جديدة من المفاوضات بين المملكة العربية السعودية وإيران تُعقَد في العاصمة العراقية بغداد، بعدما توقفت لفترة. قطبان جاران يختلفان على كل شيء؛ وما يفرقهما أعمق بكثير ممّا يجمعهما. تاريخياً، مرّت العلاقة بين البلدين بمطبات كثيرة، ونادراً ما حصل توافق بينهما، إذ غالباً ما تواجها إما بحرب بالوكالة، أو بتراشق كلامي، وإما بالدبلوماسية.

إذا تعمّقنا في العلاقة بين البلدين، نرى أن الخلاف قائم على مستويات عدّة، إما بصبغةٍ دينية أو ايديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وتحديداً في ملف النفط، منذ عهد الشاه إلى الخميني، فأحمدي نجاد وصولاً الى يومنا هذا.

منذ بدء الربيع العربي في 2011، الذي قلب موازين دول عربية عدة، بدأت إيران تتوسع بقوّة عبر أذرعها العسكرية الموجودة في المنطقة، من لبنان الى سوريا والعراق واليمن والكويت، لتخوض حرباً بالوكالة تتيح لها التمدد الذي لطالما سعت إليه. تعتبر إيران أن لها الحق بأن تقود المنطقة بسبب إرثها التاريخي القديم وعدد سكانها وموقعها الجغرافي، كما أنها تعتبر نفسها الولي، دينياً، على المسلمين.

في المقابل، تعتبر المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين، أنها مرجعية العالم العربي، اولاً لأن موقعها الجغرافي في الشرق الاوسط. وثانياً، لأن أهم موقعين دينيين إسلاميين، مكة والمدينة المنورة، موجودان على أرضها، وأن دول الشرق بغالبيتها الساحقة من الطائفة السنية.

أما في الايديولوجيات، فالخلاف عميق بين البلدين، الى حدٍ لا يمكن ان يتفقا على نقطة التقاء واحدة. ففي مقابلة مع الامير محمد بن سلمان أجراها الصحافي داود الشريان، سأله الاخير عن احتمال اجراء مفاوضات مع إيران يوماً ما، فأجاب: “كيف لي أن أتفاهم مع نظام لديه ايديولوجية متطرّفة ومنصوص عليها في دستوره، وبوصيّة من الخميني بأنه يجب أن يسيطروا على العالم الاسلامي ونشر المذهب الجعفري الخاص بهم، حتى ظهور المهدي… فكيف لي أن أتفاهم معهم؟”. اما في السياسة، فالخلاف ينطلق أيضاً من البعد الديني، إذ تعتبر إيران أن المملكة كرّست قيادة السلطة الدينية لتكون أقوى في السياسة، ما دفع الخميني إلى المطالبة عدة مرات بإسقاط الحكم الملكي، ودعمَ حجاجاً ايرانيين للتظاهر داخل مكة المكرمة سنة 1978، وأدّى التصدّي لهم بحزم من المملكة العربية السعودية الى مقتل ما يزيد على 400 قتيل من الشيعة الإيرانيين، قُطعت بعدها العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

بالإضافة الى ذلك، لا يقل التنافس الاقتصادي أهمية أيضاً. فالدولتان لديهما النفط، ولطالما كانت المنافسة بينهما على قيادة اوبك النفطية، خصوصاً بعد الحرب الايرانية ـ العراقية، وحرب مصر في تشرين الأول 1973 ودعم السعودية لها بالبترول. فالمملكة تتحكم بالإنتاج والاسعار والكميات، ما يجعلها الرائدة في هذا المجال. وأخيراً الخلاف حول حقل الدرّة، إذ تعتبر ايران ان لها الحق أيضاً بالحقل؛ اما السعودية والكويت فرسّما حدودهما رسمياً في مجلس الامن على اعتبار ان ليس لإيران اي حقٍ فيه. كل ذلك يزعج الايرانيين طبعاً، ولطالما اتهمت إيران السعودية في المحافل الدولية، بتسييس ملف النفط.

انطلاقاً من هذا الخلاف التاريخي للوصول الى المفاوضات التي تجري في العراق حالياً، هل سيُكتب لها النجاح ام الفشل؟

على الرغم من حدة وعمق الخلاف، بادرت السعودية إلى تقريب المسافة مع جارتها إيران، منذ تأسيس المملكة رسمياً، وحتى قبل ذلك. المملكة، اليوم، وبقيادة بن سلمان، و”رؤية 2030″، والسياسة الخارجية السعودية المستجدة، والنهضة الاقتصادية في الشرق الاوسط التي يطمح اليها الأمير، تتطلب سياسة مد الجسور والانفتاح السياسي، تماماً كما يحصل بين المملكة وكل من مصر وافغانستان والاردن وقطر والكويت وتركيا… ومع ذلك، فإن بن سلمان، في ما خصّ إيران، لن يقبل بما وافقت عليه السعودية من قبل. والدليل على ذلك قوله في مقابلة له، إن “المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، ولن نثق بإيران كما وثقنا بها أيام رفسنجاني”. وهو على يقين أن السعودية هدفٌ دائم للنظام الإيراني للوصول الى القبلة الاسلامية. كما أن وزير الخارجية السعودي صرّح منذ يومين بأن المفاوضات لم تحرز أي تقدم جوهري.

الملفات كثيرة وشائكة، بدءاً بالدور الايراني في المنطقة، الى الملف النووي، الى الحرب في اليمن… هل ستغير إيران سلوكها، وهي التي حرمت شعبها على مدى 30 سنة من البحبوحة والانماء والازدهار، لتحقق مرادها في التوسع؟ التقارب والاتفاق مطلوبان دائماً لتحقيق السلام في الشرق الاوسط، فهل تستجيب إيران لمتطلبات السلام؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل