المناضل السري ميشال عواد أطفأ سيجارته ولم يرحل

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1728

بحق أيقونة المسيح التي كنت تحملها في قلبك سنهزمهم!

المناضل السري ميشال عواد أطفأ سيجارته ولم يرحل

جلس الدكتور ميشال عواد الى كرسيه في حديقة الجامعة اللبنانية، أطفأ سيجارته المحترقة برمادها، بإشعال سيكارة جديدة متوثبة على الإحتراق، وبدأ يرتشفها بنهم لذيذ وكأنها رشفة من حياة، وبإستمتاع عاشق حين يعانق بشوق حبيبته، نفث دخان حياته في الهواء ورحل. لم يذهب اللهاث عبثاً ولا هو صار من عدم، ولا حتى دخان سيجارته التي كانت وحتى آخر الأيام الأحب الى قلبه، صارت رمادًا، فاسم الرجل وإرثه النضالي والفكري والأكاديمي، يبقى في ذاكرة أجيال وأجيال، وفي وجدان قضية كبيرة عميقة عريقة اسمها «القوات اللبنانية»، كبرت برجال مفكرين كبار أمثال ميشال عواد.

 

بدت المقدمة وكأنها نهاية المقال، الواقع انه لا يمكن أن تكتب بتقليدية باردة عن رجل،  كان يخال كثر أنه الهادئ الهادئ، دائم الإبتسامة حتى في أحلك الظروف، وجهه، أداؤه، أسلوبه في التعاطي مع طلابه في عز الأزمات وعز الإحتلال السوري، أوحى لكثيرين أنه لا ينفعل ولا يتفاعل، في وقت كان دكتور عواد يحفر في داخله ثورة كبيرة، ليس بالضرورة كانت أن تتفجر عند المتراس أو في ساحات النضال المباشر، بل تفجّرت في أدائه مع طلابه، في الإشارات التي كان يرسلها لهم بأن «ما تخافوا من التحركات ضد الإحتلال أنا معكن وبساندكن معنوياً وموافق على كل شي بتعملوه، المهم إنتو ما تتراجعوا» قال عنه أحد طلابه، «كان يعطينا هيك متل إشارات الأمان، ما كان يحرّضنا بالمباشر، بس كان يعطينا متل الثقة أو كارت بلانش إنو روحوا واجهوا السوريين ما تسكتوا عن حقكن بالحرية، خليكن طالبوا بحرية الحكيم من الإعتقال، بس ما تعرضوا حياتكن للخطر». يقول الطالب القديم إياه.

«يبقى يقعد ع باب الجامعة ويمجّ سيكارتو لآخر نفس، ويبقى مبسوط بس يعرف إنو طلاب «القوات اللبنانية» عندن تحركات إحتجاجية، خصوصًا إنو كنا نتحرك بوقت كل العالم ما حدن يسترجي يقبّ راسو، فيعطينا دعماً معنوياً مستتراً، ويضل يروّقنا، لأنو كان يخاف علينا، وكان حاضن لاحتجاجاتنا ويعطينا دائمًا إرشادات حتى ما نتهوّر» يقول طالب عتيق أيضًا من طلابه.

كيف لا يموت الرجال ولو ماتوا؟ يعيشون في ذاكرة من عاصرهم، ومن عاشوا معه، ومن ناضلوا معًا على دروب الحرية الشاقة. لم ينس طلاب الدكتور عواد، الدكتور عواد، يحكون عنه كمن يتحدث عن جدّه، أو والده الحكيم المعتّق بالخبرة. أكثر من ذلك، يتحدثون عنه كمن يحكي عن رفيق شاب كان هادئ الطباع، لكنه عاش بركان الثورة في داخله. ثورته تفجّرت لاحقاً بأنه تولى إدارة دورات كادرات فكرية في غدراس، وأيضًا إلقاء محاضرات وعقد لقاءات سرية للشباب والصبايا، حين كان الدكتور جعجع في الإعتقال، وندوة الثلاثاء المعروفة التي كان يعقدها في مبنى الأركان في الذوق، وغيرها وغيرها من المحطات النضالية المستترة.

لم يشأ الرجل الكبير أن يبقى صامتاً عن الظلم والإضطهاد الذي نال من الشباب، ومن الحكيم بطبيعة الحال. فجّر ثورته الهادئة بتلك اللقاءات السرية كي لا ينالوا من الشباب، وفجّر ثورته أيضًا في كتبه وأكاديميته، وتفانيه مع طلابه، وبقي يطالب بحرية الحكيم حتى لحظة رؤيته في المطار يلقي كلمته الشهيرة، فأرتاح دكتور عواد، وعرف أن لبنان دخل مرحلة نضالية جديدة.

«دكتور عواد، رحلت قبل أن يتحقق ما ناضلت من أجله طيلة حياتك، لكن تأكد أننا سنتابع النضال حتى بلوغ الهدف. لن ننساك أبدًا، وستبقى آثار نضالك وفكرك وكتاباتك وعصارة روحك شعلة متّقدة تنير طريق الأجيال القادمة»، كتب له سمير جعجع حين أخذه الموت الى أحضان الحياة الأبدية.

لما نعاه الدكتور جعجع قال له «الرفيق الدكتور ميشال عواد»، لأن عواد كان رفيقاً قبل إعلانه رفيقاً رسميًا، كان رفيقاً لا يشبه كل الرفاق، كما كل اللبنانيين الشرفاء، يريدون سيادة لبنان، لكنه اختار لنفسه طريق الفكر والكتاب والمحاضرات، ولذلك تولى رئاسة أكاديمية الكوادر في جهاز التنشئة السياسية في «القوات اللبنانية»، وبقي كذلك لسنين طويلة. «تجربتي مع دكتورعواد بلّشت لما استلمت رئاسة الجهاز بالـ2017 . للوهلة الأولى ظننت أني سأتعاطى مع رجل كبير السن، ورح يكون متمسك ببرامج قديمة، وأنا كان برأيي إنو حان الوقت لتحديثها، وأذ أفاجأ برجل تحديثي أكتر من الشباب، يعني إذا كنت بطلب شِبر، يكون دكتور عواد تجاوزني بمسافات بأفكاره المتطورة. كان  مؤمناً بضرورة إدخال ورش العمل للشباب، حتى ما يضلوا متمسكين بس بالنظريات، وأنه على الشباب أن يخوضوا تجارب حقيقية واقعية تخوّلهم تحمل مسؤولياتن الحزبية. كان كتير متحمس ويدهشني باندفاعه وأفكاره المتطورة، ومنه تعلمنا الكثير الكثير»، يقول شربل عيد رئيس جهاز التنشئة الحزبية في «القوات اللبنانية». «ومش انا لـ بعطي شهادة عن رجل مماثل معتق بثقافته وبتجاربه الأكاديمية وبخبرته العريقة من يوم تأسست «القوات»، لكن في ميزة مع دكتور عواد، هو أنه لم يتخلَّ عن مهامه يومًا، صيفا شتاء يوصل ع المركز قبل الكل ويفل آخر حدن من بيناتنا، وبقي لآخر الأيام يكتب ويفكر ويعطي برامج، وغيابه ترك فراغًا كبيرًا» يقول عيد.

لعله يجالس الآن زملاء مفكرين يشبهونه في الإبداع الفكري والعطاء المجاني للقضية؟

معقول أن يكون الدكتور ميشال عواد، يرتشف بتلذذ شغوف سيكارته النحيلة، مع رفيق النضال مخايل عواد، ذاك المفكر المناضل القواتي الآخر الذي سبقه بشهور قليلة الى حرية ذاك البعد الآخر من الحياة؟ معقول أن يحمل الرجلان الإسم نفسه والعائلة ذاتها، وأن يحملا في الوقت عينه، ذاك الشغف اللامتناهي لوطن حتى اللحظة يبدو مستحيلا، لكن مع مفكرين مماثلين كان يبدو جميلاً مبدعاً مثالياً وحتى قريب التحقيق؟

كنا نقول «طالما في خامة متل خامة مخايل عواد ودكتور عواد، يعني لبنان بعدو بألف خير»! ماذا ترى من عليائك دكتور عواد، بعدو لبنان بخير؟ لا. يجيب! ويذهب الى سيكارته، ينفثها بنهم، ويبتسم ابتسامته الهادئة الشهيرة «المقاومة كمان بالفكر، إذا ما هزمناهم بفكرنا وإنسانيتنا، إذا ما ظهّرنا قيمة لبنان الفكرية والنضالية، لبنان ما بيصمد، وأنا بعرف إنو رح يصمد لأن ثمة مناضلين ما رح يتراجعوا» قالها مرّة لطلابه. إطمئن دكتور عواد، بحق أيقونة المسيح التي كنت تحملها في قلبك، لن نخيّب آمالك وسنهزمهم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل