من يكتب تاريخَ الأمم؟

بدايةً، لا بدّ من تحديدٍ مُجملٍ لما هو التاريخ، وما يُسَجِّلُ في دفَّتَيه من مُصطَفياتٍ تعلقُ في أذهان الناس، وتُحفَظ في ذاكرتهم، فتبقى للعِلمِ وللعِبرة. وذلك بمعزلٍ عن الإشارة الى مغالطِ المؤرّخين كما وردت في مقدّمة إبن خلدون مؤسِّس عِلم الإجتماع.

التاريخُ هو صفحةُ الكَون، وتذكرةُ افتتاح الزّمن، رافقَ الأيام منذ نشأتها ولا زال، وهو وثيقةُ الوقائع، ومٌدَوَّنةُ تسلسلِ التطوّر في حياة الشّعوب. وقد أجمعَ المؤرِّخون على تصنيف الأحداث والشخصيّات في التاريخ، تِبعاً للأهميّة والتّأثير، سلباً أم إيجاباً. لذا، بِتنا نقرأ عن حدثٍ تاريخيّ مهمّ، وكذلك، عن خطأٍ تاريخيّ نتائجُهُ فادحة. من هنا، فالتاريخُ لا يغفلُ عن شيء، ولا يُهملُ واقعة، مهما كانت هامشيّة. لقد تحدّث عن الحروب وآثارها الكارثيّة، كما دوَّنَ انبلاجَ فجر عصور التّنوير، والإنتقالِ من الإنحطاط والتخلّف، الى زمنِ النهضةِ، والدولةِ، وحقوق الإنسان.

في مجتمعِ الأرض، ينقسمُ الذين كتبَ عنهم التاريخ، قديماً، وما وسوف يكتب، لاحقاً، الى ثلاثِ فئات، ويسري عليهم ما تتّصف به الألوانُ : الأبيض، والأَسوَد، والرّمادي. فبُنياتُ هذه الألوان لا تتغيّر، وكذلك، ما تحملُ من صَبغاتٍ هي نزيلةُ الثَّباتِ فلا يحولُ عليها الحَولُ، كما يقولُ ” ياقوتُ الحَمويّ “. فإنصافاً للحقيقة، ولحقِّ النّاسِ في الوصولِ الى المعلومات، وتأكيداً على صدقيّة التاريخ بالذّات، لن نتطرَّقَ الى الأسماءِ بل الى سلوكِ الذين تداولوا على سُدَّةِ المسؤوليّة، وانعكاسِ هذا السّلوكِ على نَفَسِ البُلدان، ومصائرِ أهلِها، وذلك، بموضوعيّةٍ وبدونِ تَحامُلٍ أو فِئَويّة، لتكونَ الحقيقةُ المَبنيّةُ على الوقائع، هي مِعيارَ التَّصنيف.

الأبيضُ يعني شعاعَ النّور، أو الإشراقَ النّاصع، أو النّقاءَ المُنَزَّه عن العيوب، ويطابقُ ذَوي السّيرةِ المُصانةِ من الشوائبِ، فلا يفتنُ هؤلاءِ إلّا طقسُ الخير. وقد برزَ الكثيرون مِمَّن سارَ مرورُهم مَسيرَ الأمثال، في تاريخ الأُمَمِ والشّعوب، قديمِه وحديثِه، فسَما بهم زمنُهم إذ تطلَّعوا الى وثبةٍ طليعيّةٍ لبلدانِهم، خصوصاً تلك  التي رزحَت تحت أعباءِ المِحَن، وهم يحملون مشروعَ نهوضِ الدُّوَلِ في غَمرةِ الخطر، وتَقَلُّبِ الأحوال. هؤلاءِ العظماءُ عملوا، جاهِدين، لكي يكتملَ سِفرُ تكوينِ الخَيرِ، وذلك، بجعلِ أوطانِهم مشرَّعَةً على الترقّي، متطلِّعَةً الى النموِّ، والنّهوض، والحضارة، وقد حفظوا معجمَ الحقوقِ مقطَعاً بعدَ مَقطع، ووقفوا مَزهُوّين ليعلنوا أنّ الإنسانَ، أوّلاً، هو رسالةُ الحريّةِ الى الدّنيا.

الأَسوَدُ يعني العتمةَ الشّنيعة، أو الظّلامَ المذموم، ويطابقُ هذا اللّون ذوي السّمعةِ الملوَّثة، فهم مهيَّئون للفسادِ، والصِّراعِ، واغتيالِ القِيَم. وقد توغّلَ كثيرون من هؤلاءِ في بشاعةِ الحروب، وفي انحطاطِ الأخلاقِ، نهباً، وقَمعاً، وظُلماً، وفي تسطيحِ فكرة الحريّاتِ وحقوقِ الشّعوب، وفي خداعِ الناس، زُوراً، ما مثَّلَ انهياراً للمقاييس، واستمراراً لتَنَكُّبِهم سُدّاتِ الحكم. وكذلك، أمعنوا في السَّطوِ على مقدّرات الأوطانِ والشّعوب، ما أعادَ تلكَ البلدان الى حقباتِ الإنحطاط. إنّ هؤلاءِ الخائبين أصحابَ الألقابِ الهشَّة، نهشوا جسدَ حلمِ النّاس، وحوّلوه الى كابوس، بتسلّطِهم، وتقويضهم لحّقِ العيشِ بكرامةٍ، وسلام، إذ حكموا كغزاةٍ ولصوص، لا كمسؤولينَ لهم منزلةٌ مرموقةٌ في نفوسِ المواطنين.

الرّمادي يعني التَّفاوتَ بين الأبيضِ والأسوَد، فلا هو هذا، ولا هو ذاك، ما يعني، تماماً، التردّد، والعزلة، وعدمَ الوضوح، ويطابقُ ذوي الإنكفاء، وكأنّهم ما كانوا. هؤلاءِ، موسومونَ بِشِحٍّ في النّبرة، وبضبابيّةٍ في الحضور، مثَلُهم كمثَلِ مكتومي القَيد، يلزمون العنوانَ التّالي: ” مَنْ لا يَعمل، لا يُخطِئ “. لكنّهم لا يدرون أنّهم بتَواريهم عن السّاحة، وخَرَسِهم في الموقف، يُنتِجون ضرراً وخطراً هما من الذّنوب الكبيرة، إذ تَجثمُ على البلادِ، في حقباتِ تولّيهم السُدّات، مشاهدُ الرّعب، وشرعةُ قايين، والإجرامُ الهمجيّ، وتسودُ ثقافةُ التخلُّف.

إنّ غرفةَ عمليّات التاريخ ترصدُ، وبوضوح، مَن كان قَيِّماً على مجتمع الغابِ، وعلى سيرةِ الإغتيال المُدَمِّرِ للأوطان، وعلى طوفانِ الدمِّ والعنف، وهؤلاءِ معروفو الهويّةِ والعنوان، كما ترصد، أيضاً، مَنْ كلَّلَ جبينَه بالعزّةِ، وصانَ إرادةَ الحياة، واصطبغَ نضالُه بطَعمِ العنفوانِ، والكرامة، وخيرِ النّاس. وبالرَّغمِ من إرادةِ السّوءِ التي ينتهجُها جماعةُ ” السَّواد “، فقد أعلنَت المجتمعاتُ الحرَّةُ أنّها ترفضُ محاولةَ ردِّها الى قرونِ الظّلام، وإجبارِها على الإنفصال عن ترانيم الحريّة، وكتبَت، كما أبطالُ ” البَياض ” المُمَجَّدون الأَصفياء، وبروحٍ واثِقة، صفحاتٍ مشرقاتٍ تخلِّدُ وجودَها عبرَ الزّمن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل