إلى الناخب اللبناني: ما نفعنا من دون هويّة؟

كتب السفير د. هشام حمدان في “المسيرة” – العدد 1728

الأمن لا يقوم بالتراضي… لبنان أوّلاً

إلى الناخب اللبناني: ما نفعنا من دون هويّة؟

 

قرأت مؤخرًا مقالة بالّلغة الفرنسية، كتبها فرنسيّ يدعى ألكسندر راسين Alexandre Racine، سأل فيها من هي الدّولة الأحب للفرنسيين؟ Quel est le pays que la France aime le plus? Pourquoi?. تلقّى كاتب السّؤال العديد من الأجوبة. فتّشتُ بينها لأجد إسم لبنان الذي تربطه بفرنسا علاقات تمتدّ لألف سنة. لم أجد أحدًا يشير إليه. كلّهم أشاروا إلى دول أوروبيّة. واحد فقط أشار إلى المكسيك. لا عجب. بل العجب في أن نستمرّ بالإعتقاد أنّ لبنان موجود أصلاً في الوعي العام للشّباب والناشئة في دول العالم. ربّما لو كان هؤلاء يعرفون لبنان وعلاقاته التاريخية مع فرنسا والغرب، ودوره الحضاري في العالم، لتبدّل الأمر. لكنّهم يجهلون كلّ شيء عن لبنان.

بالنسبة إلى شبيبة الغرب، لبنان هو البلد الذي يأوي جماعة إرهابية شاركت في خطف الفرنسيّين والغربيّين وفي قتلهم. فيه سياسيّون فاسدون، سرقوا أموال المكلّف الفرنسي أو الأميركي أو الخليجي. فيه قبل كل شيء، شعب عنيد يقدّم نفسه رخيصاّ للموت بحجّة الدّفاع عن الكرامة. لذلك، يكفي لقاداتهم في فرنسا أو أميركا أو روسيا أن يزرعوا فيهم وفي عقولهم المكان الذي تكمن فيه كراماتهم. هذا هو دور قادة الإستعمار وسارقي ثروات الشعوب لتنعم شعوبهم بالرّفاه، وقد وجدوا ذلك سهلاً جدا.

ففي لبنان، كما في معظم الدول النامية، الدين والطّائفة وزعيم القبيلة هم الكرامة. كلّ شيء ما عدا الوطن. الوطن بالنسبة للشّعب اللبناني هو حالة إسميّة. وبالنسبة لغلاة الطوائف، هو الطائفة بامتدادها الإقليمي أو الدولي. وبالنّسبة لغلاة الفكر الإيديولوجي، هو المحيط الجغرافي، سواء ما يُسمّى بالمحيط العربي، أو بالمحيط السوري الكبير. وعليه، كان من السهل جدّا تشتيت اللبنانيين في رسم مفاهيم الكرامة على هذا الأساس، فتحوّل عنادهم وبأسهم إلى صراعات داخلية يستمتع الخارج بها، ويزداد شراسة في إشعالها وتذكيتها. ما أهون التّجييش الطائفي. وما أهون شراء ذمم زعماء القبائل. وما أهون رفع الشّعارات القومية. فالصعوبة تبقى فقط عندما تسعى إلى شراء أناس آمنوا بالوطن حصناً لكراماتهم. هؤلاء لا يسعون إلى رخاء كاذب، أو أمن خادع، بل يبحثون عن أمن دائم، ورخاء مستدام، ودور كريم بين الشعوب.

– يقاتلون من أجل الطّائفة، ثمّ يقفون صفوفا أمام أبواب الأمن العامّ لا للحصول على جواز سفر من الطائفة، بل جواز سفر بالهويّة الوطنيّة.

ـ يقاتلون من أجل الزعيم، ثم يرسلون أولادهم إلى ديار العالم لينعتقوا من هذا الولاء.

ـ يقاتلون من أجل الإيديولوجيا، ويعملون في أسواق الدول الغربية بحثاً عن مأوى وعمل.

 

أي مرشح نريد؟

– نريد مرشّحين يؤمنون بلبنان وطناً نهائيا لجميع أبنائه من دون أيّ تمييز في الدين والمنطقة والطائفة.

– نريد مرشّحين يؤمنون بلبنان بلداً صديقاً لكلّ الشعوب. بلد مسالم كما كان عليه دائمًا تاريخنا الطويل، لكنّه عنيد في الدّفاع عن حقوقه المشروعة، وفي مواجهة كلّ من تسوّل له نفسه تدنيس حرمة ترابه الوطني، أو سرقة ذرّة من ترابه أو مياهه الإقليمية والداخلية، أو التدخّل في شؤونه الداخلية، أو الإساءة لصورته في العالم.

– لا للإحتلال الإسرائيلي لأيّة بقعة من لبنان. لا للتدخّل الإيراني، لا للتدخّل السوري أو العربي أو الأجنبي في شؤون لبنان. لا للتّفاوض على أيّة حقوق وطنية مهما كانت الظروف والأسباب.

 

كيف السبيل إلى ذلك؟

أن يتبنّى المرشّح الوطني هذه الفقرة في برنامجه: إحترام دستور لبنان، والتّطبيق الكامل لإتّفاق الطّائف. فلبنان وطن سيّد حرّ ومستقلّ. وطن نهائيّ لجميع أبنائه. واحد أرضاً وشعباً ومؤسّسات في حدوده المنصوص عليها في الدّستور، والمعترف بها دوليّا. هو عربيّ الهويّة والإنتماء. هو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدّول العربيّة، وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسّس وعامل في هيئة الأمم المتّحدة وملتزم مواثيقها.

ينصّ الدّستور على أنّ لبنان «عربيّ الهويّة والإنتماء. وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدّول العربية وملتزم مواثيقها. فكيف يمكن للبنان أن يدافع عن القضايا العربيّة من دون التورّط بخلاف مع الدّول الأخرى في العالم، وخاصة الدول الكبرى؟

نصّ ميثاق الجامعة على أنّ «التّعاون بين الدّول الأعضاء في الجامعة، يجب أن يضمن صيانة استقلال كلّ منها وسيادتها ومنع التّدخل في شؤونها الداخليّة.» وعليه، فلبنان ليس ملزماً بتحويل أراضيه إلى ساحة حروب من أجل العرب، ولا من أجل غيرهم. لبنان يلتزم الدّفاع عن القضايا العادلة والمشروعة المشتركة للدّول العربية، وخاصة القضيّة الفلسطينيّة، شرط أن يتمّ ذلك وفقاً لقواعد القانون الدولي. فلبنان لا يجب أن يتدخّل في الشّأن الفلسطيني إلّا بمقدار ما تفرضه مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدّولي والقرارات الصادرة عن الأمم المتّحدة، ولا سيما القرارين 242 لعام 1967، و338 لعام 1973. الشعب الفلسطيني هو صاحب الحقّ في تقرير مصيره، وصياغة قراراته المتعلّقة بمستقبله.

أيضًا ينص الدّستور على أنّ لبنان هو عضو مؤسّس وعامل في هيئة الأمم المتّحدة، وملتزم مواثيقها. فكيف يمكن الإلتزام بهذه المواثيق في ظلّ الإنتهاكات الإسرائيليّة المستمرّة لها في لبنان؟

لا يجوز الإحتجاج بالإنتهاكات الإسرائيليّة بغية تبرير عدم التقيّد بمواثيق الأمم المتّحدة، وخاصة في حالتنا كدولة صغيرة. يجب الإلتزام بالعمل، ولكن بحسن نيّة فعلاً، لتنفيذ كافّة الإلتزامات التي أخذها لبنان على عاتقه وفقا لميثاق الأمم المتّحدة، وخاصة كافّة القرارات التي اتّخذها مجلس الأمن بشأن لبنان. وعلينا أن نبدأ أولّا بالإلتزام بإتّفاقية الهدنة لعام 1949، وصولاً إلى القرار 1701 لعام 2006. يجب أن ندرك أنّ لبنان هو الذي أخلّ بموجباته المنصوص عليها في إتّفاقية الهدنة عندما وقّع، ولو مكرها، على إتّفاقية القاهرة المشؤومة لعام 1969، فسمح بالتّالي، بإستخدام أراضيه للحروب الفلسطينية ضدّ إسرائيل. هذه الحروب هي التي أدّت إلى تحويل لبنان ساحة لحروب كلّ العرب والقوى الدولية تحت هذا العنوان. لقد تمّ إلغاء إتّفاقيّة القاهرة، ومن الضروري بالتالي، إزالة كلّ مظاهر أخرى تخالف موجباتنا وفقا لإتّفاقية الهدنة، كي يمكن للبنان مطالبة مجلس الأمن فرض هذه الإتّفاقية على إسرائيل وغيرها.

 

هل يفرض إلتزام لبنان بإتّفاقية الهدنة توقيع إتّفاق سلام مع إسرائيل، أو إقامة تطبيع بينهما؟

حتمًا لا. على العكس، فإنّ إتّفاقية الهدنة تحمي لبنان من أيّة ضغوط لهذا الغرض. إتّفاقية الهدنة تقوم على أساس المادّة 40 من الفصل السابع من الميثاق. وتُعتبر إجراء إنتقاليًا ملزمًا من دون أيّ تأثير على مطالبهما ومواقفهما من أساس المشكلة، وهدفها فقط هو وقف الأعمال الحربية بينهما. لبنان يلتزم مبدئيّاً بما تقرّره الدّول العربية، وفي إطار جامعة الدّول العربية، بشأن السّلام مع إسرائيل، شرط أن لا يهدّد ذلك وحدته الوطنية. لبنان بلد ديمقراطيّ ويحترم إرادة شعبه التي يُفترض أن يتمّ التّعبير عنها في «مجلس الشيوخ» وفقاً لأحكام الدستور. لبنان يلتزم حتى الآن خطّة السّلام مع إسرائيل ألمعتمدة خلال مؤتمر القمّة للدول الأعضاء في جامعة الدّول العربية، المنعقد في بيروت عام 2002 ، والمستندة بدورها إلى قرارات الأمم المتّحدة ذات الصّلة.

والسؤال الذي يُطرح: هل يمكن أن تنفّذ إسرائيل إتّفاق الهدنة فعلاً، وهي تسعى إلى وضع اليد على النفط والغاز في بلادنا؟

يهمّ إسرائيل أن لا يتمّ تنفيذ إتّفاق الهدنة. وهي حاولت دائماً التملّص منه. لكنّ إسرائيل لم تضطرّ إلى إتّخاذ موقف مخالف لإرادة المجتمع الدّولي. فحزب إيران وحركة «أمل» ومن يدّعي المقاومة ضدّ إسرائيل، يعلن ويمنع تطبيق هذا الإتّفاق بحجة عدم الإعتراف «بدولة إسرائيل». وإسرائيل تستخدم هذا الأمر لمصالحها وأهدافها. وقد رأينا الموقف المزدوج لرموز «المقاومة»، ولا سيّما رئيس حركة «أمل»، نبيه بري. فمن جهة يمنعون تطبيق إتّفاق الهدنة للأسباب التي أشرت إليها سابقا (عدم الإعتراف بإسرائيل)، ومن جهة أخرى يمارسون عمليّاً الإعتراف بإسرائيل. فإذا كانت المقاومة تقبل بترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، فهذا يعني أنّها تعترف بوجود دولة إسمها إسرائيل. فلماذا ترفض إتّفاقا آخر هو «إتّفاق الهدنة» يرسّم الحدود البريّة بينهما؟

هم التزموا بالقرار 1701، لكنّ نبيه بري قام بوضع إطار للتفاوض بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية، بين الجانبين خارج هذا القرار. لقد رسمت «المقاومة» الإطار للمفاوضات بحسب الخطّ الأزرق بين الجانبين، متجاهلة الحدود المعترف بها دوليا، ممّا يعرّض لبنان لخسارة مساحات من أراضيه الوطنية سواء برّا أو بحرا.

وقد شدّد الإطار الذي وضعته «المقاومة» على تفاهم نيسان بين إسرائيل وحزب الله. ذلك الإتّفاق تمّ برعاية أميركية إثر مجزرة قانا عام 1996، وقضى بقبول الطرفين عدم توجيه سلاحه نحو أهداف مدنيّة للطرف الآخر. وهذا التّفاهم ليس اتّفاقا بين لبنان وإسرائيل، بل بين إسرائيل ومجموعة مسلّحة كانت تحكم الواقع الميدانيّ خارج إرادة الدولة. هو يعني أنّ حزب السّلاح المسمّى بـ«المقاومة»، لن يوجّه سلاحه نحو إسرائيل وهي تستخرج النفط والغاز من المياه الإقليمية المقرّرة لها، معتبراً أنّها أهداف مدنيّة. وهذا يعني أيضا أنّ حزب «المقاومة» لم يتناسَ فقط أنّ تلك المياه الإقليمية هي مناطق مقتطعة خلافاً للقانون الدولي، من المياه الإقليميّة للبنان، بل يتناسى أيضًا أنّها تشمل مناطق هي في المفهوم الإيديولوجي لهذه «المقاومة»، مناطق محتلّة تابعة لفلسطين. وبمعنى آخر فإنّ المقاومة تعترف بوجود دولة إسرائيل خلافاً لكلّ ادّعاء آخر.

لقد فشل إتّفاق الطّائف في تحقيق التّغيير المنشود في البلاد. أفلا يجب النّظر في مؤتمر تأسيسيّ جديد لوضع اتّفاق آخر بين البنانيين؟

لا، لم يفشل إتّفاق الطّائف، بل تمّ وقف العمل به. يجب تنفيذ بنوده كاملةً قبل الحكم عليه. كما يجب أن نتذكّر أنّ قرار مجلس الأمن 1701، نصّ صراحة على وجوب «التّطبيق الكامل لهذا الإتّفاق».

قرأت عن كلام الرئيس عون خلال زيارته إلى الفاتيكان وإيطاليا، بمدى إستهزاء رئيس البلاد بالدستور وأحكامه، وبمفهوم الدولة ودورها. لم يسبق أن حكم البلاد رئيسًا يطعن في سيادة وطنه، وفي مكانته الدولية في العالم، كما يفعل الرئيس عون. بالنسبة إليه مركز الرئاسة أصبح موقعًا يملكه بما يخدم مصالحه وأفكاره وأغراضه السياسية وغيرها. لكن هل يجب أن نعجب لذلك؟ لطالما قلنا إن وطننا يخضع للإحتلال خلافاً لما يقوله فخامة الرئيس وصهره النائب جبران باسيل وقومه القوّامون على السلطة في هذه الدولة. كلّ العاملين في السياسة في بلدنا، خدم للقوى الخارجية، سواء مباشرة أو بالواسطة. لا يوجد في العالم كله، مثل هذا الحشد من السياسيين الذين يدافعون عن دور الخارج في وطنهم. السياسيون في لبنان بدءًا من رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء، وصولاً إلى أعضاء المجلس النيابي، مرورًا بأعضاء مجلس الوزراء، وكبار المسؤولين الأمنيين والإداريين فيه، هم في الواقع رهن إرادات خارجية، ودورها تنفيذ برامج ترضي تلك القوى، ولو على حساب لبنان. كبار السياسيين (أمراء الحرب وقادة الأحزاب) هم الواسطة المباشرة، والآخرون هم في خدمة هؤلاء. كلهم يختبئون تحت شعارات حماية الطائفة أو الشعارات الإيديولوجية الخشبية.

ذهب الرئيس ميشال عون إلى الفاتيكان عاصمة الكنيسة الكاثوليكية في العالم، ليقول لها إنّ حزب إيران الذي يدعو إلى دولة إسلامية في وطنه، لا يشكّل أيّ خطر أمني على الداخل اللبناني، وبالتالي فإن سلاحه لا يهدّد حرية العبادة، والحضور المسيحي الحر، وسلامة المصالح المسيحية في البلاد. قال هذا الكلام، وهو يدرك كم من أراضي الكنيسة قد استولى عليها حليفه، في مختلف مناطق لبنان. كما أنّه يدرك مطالب الغالبية القصوى للمسيحيين في لبنان، بشأن نزع سلاح الحزب وحصريّة السلاح بيد الدولة، ويتذكّر أحداث عين الرمانة والطيونة الأخيرة، وغيرها من القضايا السيادية الخلافية بين الحزب وبين اللبنانيين بشكل عام، والطوائف المسيحية بشكل خاص.

في روما، كرّر فخامته هذا الكلام أمام رئيس إيطاليا، ناسيًا أنّ روما هي التي احتضنت المؤتمرات المختلفة التي دعا إليها أصدقاء لبنان في الأمم المتحدّة، وكان آخرها بتاريخ 15 آذار 2018، بغية دعم الجيش اللبناني وتعزيز دوره ليتمكن من بسط قواه الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية، وذلك عملاً بالقرار 1701 الصادر عن الأمم المتحدة عام 2006.

بالطبع هناك تمييز بين موضوع الدفاع عن البلاد ضد العدوان الخارجي، وبين السّلاح الداخلي المرتبط بضبط الوضع الأمني الداخلي. نحن نفهم أنّ قوات حزب إيران لا تقف على إشارات السير لتنظيم مرور السيارات، ولا تقوم مقام الأمن الداخلي في متابعة قضايا الضابطة العدلية، ومراقبة حسن سير النظام العام في القرى والبلدات. لكنّ الحزب يملك جيشاً رديفاً للجيش اللبناني، وقوى الأمن الأخرى المعنية بأمن الدولة. لدى الحزب كل ما يفترض من أجهزة إستخباراتية، وأجهزة إتّصالات سلكية ولاسلكية، ويقيم منطقة أمنية كاملة لا يدخلها أيّ جهاز من أجهزة الدولة. هو في الواقع دويلة في داخل الدولة.

فخامة الرئيس يدرك أن حزب إيران قادر على إقامة المهرجانات، والعروض العسكرية، فمن يمكنه لجمه؟ لطالما هاجم هو نفسه هذا الدور عندما كان يبحث عن طريق يسلكه للوصول إلى الرئاسة. هو يعرف أنّ هذا الحزب يمكن أن يقتحم أيّة منطقة في لبنان ساعة يشاء، لفرض قراراته على من يرغب من الأطراف الباقية في البلاد. هل نسي هجمته ضدّ بيروت الغربية، وضدّ الجبل عام 2007-2008؟ وهل نسي تهديداته المتكرّرة ضدّ معراب؟ هو يعرف أنّه المسؤول عن الإغتيالات وآخرها إغتيال لقمان سليم؟ ويعرف من هو المسؤول عن الإحتفاظ بأطنان المواد المتفجّرة في مرفأ بيروت التي دمرت جزءًا كبيرًا من العاصمة؟ كيف يتجاهل رئيس البلاد كل ذلك؟ ثم كيف يتناسى أحكام المحكمة الخاصة بلبنان التي دفع لبنان مئات ملايين الدولارات لتنطق بحكمها بشأن إغتيال الرئيس رفيق الحريري. هذه المحكمة أدانت الحزب بإغتيال الرئيس رفيق الحريري فكيف يتجاهل الرئيس كل ذلك؟ إلى متى يا فخامة الرئيس تستهين بكرامة المواطن اللبناني وتاريخه ومستقبله؟

فخامة الرئيس، مستشارك يعلم، وهو قاض ووزير عدل سابق، كما تعلم أنت، كقائد سابق للجيش، أنّه لا يوجد في الدستور أو في القوانين المرعية، ما يجيز لأيّة مجموعة أن تحمل السلاح خارج السلطة الشرعية في البلاد. فمن منحك الحق يا حامي الدستور، أن تجيز لحزب إيران أن يحمل السلاح؟

إنطلاقاً مما تقدم، مطلوب مرشحين وطنيين يؤكدون وجوب سحب سلاح كل الميليشيات من دون أي تمييز، والتأكيد على أنّ قوى الشرعية الوطنية، المكرّسة في الدستور، والقوانين الوطنية المرعيّة، هي وحدها التي يحق لها حمل السلاح. وهذا لا يتحقق إلا من خلال تبني الفقرات التالية في برامج عملهم:

1- إلتزام العمل لتفعيل القرار 1701 لعام 2006، ولا سيّما لجهة التطبيق الكامل لبنود القرارين 1559 و 1680، بما يضمن بسط سلطة الدَّولَة على جميع الأراضي اللبنانيّة، وممارسة كامل سيادتها حتّى لا تكون هناك أيّة أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان، ولا سلطة غير سلطة حكومة لبنان، وكذلك إلى استكمال حلّ جميع الميليشيات اللبنانيّة، ونزع سلاحها، من دون أيّ تمييز.

2- إلتزام دعوة المجتمع الدوليّ إلى تحمّل مسؤوليّته إزاء لبنان الذي هو عضو مؤسّس في الأمم المتّحدة، خاصّة وأنّه اعتَبر أنّ الحالة في لبنان تشكّل تهديدًا للسّلام والأمن الدوليّين. والتزام الطّلب إلى الأمم المتّحدة مساعدة الحكومة، إذا لم تتمكّن من تنفيذ القرار 1701 بقواها الذاتيّة، وذلك عبر المطالبة بتوسيع رقعة عمليّات القوّات الدوليّة، ومنع وجود أيّ شكل من أشكال القوّات الأجنبية في لبنان من دون موافقة حكومته، وعلى تأمين الحدود اللبنانيّة وغيرها من نقاط، بغية منع مبيعات أو إمدادات الأسلحة والمعدّات ذات الصّلة، إلى لبنان عدا ما تأذن به حكومته.

كيف يمكن المطالبة بنزع سلاح «حزب الله» الذي هو»المقاومة»؟ فهذا السلاح يقيم توازن رعب مع إسرائيل، وهو الذي يردعها عن مهاجمة لبنان.

لم يعد سلاح حزب إيران في لبنان سلاح مقاومة بأيّ شكل من الأشكال، بعد حرب 2006، حيث توقّف حزب إيران عن إستخدام سلاحه ضد إسرائيل، وصار يكتفي بالتهديد، وحوّل سلاحه ليستخدمه في دول عربية منها سوريا، مما ساهم في القضاء على الوحدة الوطنيّة التي كانت قائمة في تلك الدول، وتشتيتها طائفيا، بما يخدم مصلحة إسرائيل. وقد تمكنت من خلال إيران وحزبها وإيديولوجيا ولاية الفقيه، ومن خلال تركيا وإيديولوجيا الأخوان المسلمين، من القضاء على الفكر القومي العربي، ونشر الفكر الديني بين الناس، مما أدّى إلى الحروب التي نشهدها بين أهل تلك الدول. هم أقاموا إرهاب «داعش» لتعزيز تلك الحروب والإنقسامات بين أهل الوطن الواحد. وذهبوا يتّهمون المملكة العربية السعودية بنشر هذه المجموعات معتبرينها «وهابية»، مما قضى أكثر على العلاقات العربية العربية.

أما القوّل بتوازن الرعب، فهو يذكّرنا بمفهوم توازن الرعب بين الإتّحاد السوفياتي والولايات المتّحدة، حيث كان كلّ من الجانبين يمتنع عن مهاجمة الآخر، واللجوء إلى محاربة بعضهما في مناطق أخرى من العالم. وهكذا نرى حزب إيران يستخدم قوّته الترهيبية في الدول العربية وفي عدّة دول في العالم، ولكن ليس من أجل الضّغط على إسرائيل لتنسحب من فلسطين، بل لخدمة إيران وأهدافها.

ويجب أن نتذكّر أخيرا، أنّ ما كان الناس يسمونهم «أهل المقاومة»، صاروا يتدفّقون إلى الساحات اللبنانية في مواجهة الآخرين من أهاليهم، تحت عنوان آخر هو «شيعة شيعة»، وبمعنى آخر، فهم أوقفوا إستخدام شعار المقاومة، ورفعوا بدلاً منه شعارهم الحقيقي، وهو أنّ سلاحهم هو سلاح طائفي يستخدم وفقاً لمشيئة وليّ الفقيه.

تعلم إيطاليا والمجتمع الدولي أنّ الحكومة لم تسع إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي صدر بإجماع الأعضاء في المجلس. ويعلمون أنّها شاركت في التّورية على الميليشيات المسلحة التي ترفض تنفيذه. ويعلمون بالتالي، أنّ الحكومة اللبنانية لن تقدّم طلبا إلى مجلس الأمن لمساعدتها في تنفيذ القرار، وخاصة لجهة توسيع مهمّة قوّات الطوارئ الدولية في لبنان لهذا الغرض.

كلّ الدّول التي تعتبر ذاتها شريكاً فاعلاً في النظام الدّولي في العالم، تدرك تماماً حالة لبنان. تدرك واقعه الإنساني، وحالة أهله، وما يعانونه من إنتهاكات فاضحة لحقوق الإنسان التي أقرّها المجتمع الدولي، ولا سيّما في العهدين الدوليين للحقوق السياسية والمدنية، والحقوق الإقتصادية والإجتماعية. كما تدرك واقعه السياسي، وتعلم أنّ لبنان بلد يخضع للإحتلال الإيراني المقنّع. إيران هي التي تدير صناعة القرار في البلاد من خلال حزب الله. إيران تستخدم الدّين عاملاً لجذب قسم كبير من أهله اللبنانيين، المقيمين والمغتربين من أبناء الطائفة الشيعية، لخدمة مصالحها وسياساتها، كما تستخدم شعارات إيديولوجية، كشعار «المقاومة»، لجذب قسم من اللبنانيين المقيمين والمغتربين الذين تحجّرت عقولهم في المفاهيم الإيديولوجية البالية. كما أنّها تمارس التّرهيب ضدّ من يعترضها، وتمارس التّرغيب، من خلال دفع الرشاوى وشراء الذّمم الإعلامية والسياسية، والتورية على الفساد القائم بين أركان الحكم في البلاد. أما لماذا تستمرّ في صمتها، فذلك سببه مصالحها في الشرق الأوسط.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل