الرهبنة اللبنانية… مقاومون بروح الأقداس!

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1728

فكّوا زنانيرهم الجلدية وجلدوا الحاكم الأسود

الرهبنة اللبنانية… مقاومون بروح الأقداس!

رهبانيّات الكنيسة الجامعة المسكونيّة مُعظمُها تسمَّى بأسماء مؤسِّسيها وواضعي قوانينها وراسمي أهدافها. فالرهبانيَّةُ الدومنيكانيَّةُ اكتَسَبت إسمَ مؤسِّسها القديس دومنيك عبد الأحد، والرهبانيّةُ الفرنسيسكانيّةُ اكتنزَت باسم فرنسيس فارس أسيزي والسماء، والرهبانية اليسوعيّةُ ذات الإنتشار العالمي الأوسع إستلهمَ مؤسِّسُها ذو الشخصيّةِ الوهّاجة إغناطيوس دي ليولا رَبط هويتها بالرب يسوع، والرهبانيَّةُ اللعازريّةُ نَسَّبها رائدها القديس منصور دي بول إلى أليعازر إنجيل أحد الرحمة شفيع أفقرِ الفقراء!

الرهبانيّةُ اللبنانيّة المارونيَّةُ ومَعَ أنَّ مؤسِّسيها شبَّانٌ حلبيون خلاَّقون بعضُهم ذو أصولٍ لبنانيّةٍ وشفيعُها كوكبُ البريَّةِ أنطونيوس أبو الرهبان، وحدها هذه الرهبانيّةُ نَذرت إسمها وعنوانَها لهوية وطنها الأرضيّ فكان قدّيسُها هو لبنان، وشفيعُها هو لبنان، ومُلهِمُها هو لبنان، منه انطلقَت ولأجله عاشت وتكرّست، ولأجلِ تحسين وتحصين طموح شعبه الفكري تعلَّمت وعلَّمت. والبداياتُ أبجَد هَوَّز مدارس تحتَ السنديان!

لم تحز رهبانيَّةٌ على رِتبَةِ الجلجلةِ مثلما حازتها رهبانيَّتُنا اللبنانيّة، فَمِن جلجلةِ جذورها المُتعامقةِ الأصولِ في أمكنةِ رهبانٍ زُهّادٍ عُبّادٍ نُسّاكٍ عاشوا داخل صوامعهم وبطون مغاورهم وشقوق الأرض مُنفردين مُنعزلين لا يعرفون أيَّ نظامٍ وانتظام، فخاضَت مشقّات جمعهم مِن إنفرادياتهم ومُنعزلاتهم لِتُكوِّنهم في أُلفَةِ جماعةٍ روحيَّةٍ رهبانيّةٍ واحدةٍ، إلى جلجلةِ بيئةٍ جغرافيَّةٍ مُتَطَبِّعةٍ بالوعر صعبةِ المَراس في قِفارٍ قَصيَّةٍ وبراري عصيّةِ العيشِ على البشر العاديين العاقلين، قَمحُها يُجمعُ مِن بينِ رُجَمِ الحجارة وزهرُها يُقطَفُ من بين مخالبِ العوسجِ والشوك، إلى جلجلةِ إنقسامِها على ذاتها بين دُعاةِ التحصُّن داخل حصون المحابس ودُعاةِ الإنطلاق إلى دروب التبشير، إلى جلجلة معركة إلغائها وتقويض كيانها في حربٍ مريرةٍ شَنَّها عليها بعض أحبارِ الكنيسة المارونيّةِ، وصولاً إلى جلجلةِ مسلسل «مجامع الشَّواديح» التي ما تزال حتى اليوم تتوالى فصولاً تتخاصمُ وتتواشى بين أديار لبنان ودوائر الفاتيكان ..

لكنَّ الروح المُعزّي حاضرٌ متأهِّبٌ «ليُقوِّيَ الأيديَ المُسترخيَّةَ ويشُدَّ الرُّكَبَ الواهنةَ»، ومُستَنفرٌ دائمًا وأبدًا ليعضُدها بيمين الآب الحنّان وصليبِ الإبن قاهر الشرّير، وها هو روح الأقداس والقدّيسين قائمٌ فيها «يُشربِلُها» و«يُحردِنُها» و«يُتنوِرُها» و«يُرفقِنُها» و«يؤسطفِنُها لتواصلَ الوقوف والسجود أمام مذابح قرابينها تُعلنُ بجهور صوتِها قَسَمَ نذورها المؤبّدة «بحضرة الله القادر على كلِّ شيء والطوباويّةِ أمِّها مريم العذراء وأبيها القديس أنطونيوس الكبير»!

فوقَ لوحةِ صليبِ عنوان هذا المقالِ الرهبانيِّ المقاوماتيِّ نعرض ونستعرضُ فصول إنجيل يوم جمعةٍ رهبانيَّةٍ عظيمةٍ جرت وقائعُه ومواقِعُه الأربعة بين دير مار أنطونيوس قزحيّا وسرايا إهدن وجسر المدفون ومُعتَقَل المُحتَلّ العثماني في سراديب سجن بيت الدّين قد أثبتت بالوقائع الدّامغةِ المُدَمَّمةِ بأن أساكيم الرهبان اللبنانيين الملائكيّةَ لهيَّ أعلامٌ رهبانيَّةٌ ترفعُ فوق جباهها كأعلام أرز لبنان:

أ-وقف رهبان دير مار أنطونيوس قزحيا إلى جانب أبيهم العام أفرام جعجع البشراوي الذي تعرَّضِ للعزلِ بالقوّةِ من رئاسة الرهبانية اللبنانية بتدخُّلِ الزائر الرسولي الروماني بسبب مساندتِه العلنية القوية الصريحة لثورة قائد المقاومة اللبنانية يوسف كرم على الإحتلال العثماني لأقداس أرض لبنان، وقد تورّطَ بعض أركان الكنيسة المارونية والرهبانية باضطهاد الأب العام البشراوي وحاولوا فرض رأيهم على رهبان دير قزحيا بحجة أمر الطاعة. لكنَّ الأفراميون جاهروا بأنَّ طاعتهم للرب وللحق، فأدخَلَت تجارب الشّرير بعض رئاساتٍ رهبانيَّةٍ بتجربةٍ تقديم شكوى بحقِّ الرهبان العاصين إلى المتصرف العثماني رستم باشا الذي أسرع بإصدار مذكرة جلبٍ بحق رهبان دير قزحيا إلى سرايا أهدن!

ب- وقفَ رجال أنطونيوس الكبير أمام ممثل السلطان العثماني الكبير وجهًا لوجهٍ وعينًا بعينٍ وعيونُهم تلمعُ بِبَرقِ عيون مُعلِّمهم الإلهي يوم دخلَ على تجار الهيكل بالسّوطِ وقلب موائد الصيارفة .إشتدَّ الجِّدالُ فوجَّه الرستم إهاناتٍ مُقذِعَةً تحقيريّةً لرهبانيتهم ولبنانهم، لحظتها فكَّ مغاويرُ الرهبانيّة زنانيرهم الجلدية السوداء يجلدون بها الحاكم الأسودُ الأخلاق مع إنكشاريته جلدًا أطلق من أفواههم العويل المُذِّل. وقُبَيلَ خاتمة معركة الجَّلدِ سحب قيدوم الرهبان الأب جبرائيل موسى السبعلي عصاه السنديانيِّةَ كرمح جاورجيوس قاتل التنين وفجَّ بها رأس رستم باشا فجَّةً أطاحت بنافوخ هيبةِ السّلطنةِ العثمانية!

بحلول اليوم التالي داهمت قوّةٌ توركيَّةٌ جرّارةً دير قزحيا وطوَّقته وقامت باعتقال رهبانه الفرسان الذين تعرَّضت ظهورهم خلسةً لعلامةٍ كلسيّةٍ علَّمهم بها أحد إنكشارية رستم باشا أثناء المواجهة فتمّ تكبيلهم وربطهم بسلاسل الحديد والحبال الغليظة وجرّهم تحت البنادق والسيوف إلى معتقل بيت الدين!

ج- طارت أخبار نكبة رهبان دير قزحيا إلى إخوانهم رهبان أديار بلاد البترون وجبيل، فالتأموا باجتماعٍ حربيٍّ طارئ وأخذوا قرار تحرير إخوتهم مهما كانت التضحيات والثمن!

من أديار قرطبا وطورزيا وعنايا وحوب وميفوق والقطّارة وكفيفان تدفَّقَ سَيلُ صناديد الأساكيم والعباءات البطولية مُسلَّحين بزنودهم البارعة باستراتيجية حرب العصيّ والمعاول وبعضِ ما تيسّر من الطبنجات والبنادق، فوصلوا إلى النقطة المُتَّفقِ عليها عند جسر المدفون!

لاحَ على رهبان جبيل والبترون موكبُ «سَفَر برلِك البيتدّينيّ «فهالَهم ولوّعهم منظر إخوتهم مأسورين بالإهانة مغلولين بالمذّلةِ، فتحوَّلوا إلى غضبةِ ريح عنصرةٍ هبَّت تزودُ عن الأقداس الرهبانية واللبنانية، فبطشوا بإنكشارية السلطان الأسطنبوليِّ وأذاقوهم ذات الطّعمة التي أذاقها إخوانهم رهبان دير قزحيا لرستم باشا وإنكشاريتهم. وبعد معركةٍ ضاريّةٍ أشبه بمعركة مار جرجس مع التنين ومار أنطونيوس مع الأبالسة، حرَّر رهبان جسر المدفون مُعظَمِ إخوتِهم المربوطين بحبال الخيلِ من وادي قزحيا، لكنّ وصول دوريةٍ توركيةٍ ضخمةٍ ومُفاجئةٍ حال دون تحرير جميع الرهبان الأسرى الذين استأنفوا درب جلجلتهم وصولاً إلى معتقلات سرايا بيت الدين فذاقوا من عذابات الشهداء أشكالاً وألوانًا على صوت الربٍ يُدوّي في لوعةِ وأحزان الضمير الرهبانيّ التاريخيّ: «قايين قايين ماذا فعلت بأخيكَ»!

مِلحمةُ 22 أيلول 1877 بين دير قزحيا وسرايا إهدن وجسر المدفون وسجن بيت الدين قد دوَّنها وأرَّخها الراهبُ السِّراجيُّ الشربليُّ الأب يوسف مونس الشبانيُّ من خلال نصٍّ مسرحيٍّ نذوريٍّ تم عرضه ربيع عام 1971 على مسرح دير جامعة الروح القدس الكسليك، وقد تولَّى بطولتَه إبن العيشية الشهيدة الراهب شربل كسرواني الذي هو اليوم أستاذ الآداب العربية والعلوم المسرحية المُبدعِ بعزف منجيرة وناي خاله الراهب يوحنا نصر السماوي، الممثّل المعروف منير كسرواني!!

لبنان باقٍ ما دامَت أجراس القيامةِ تُدحرِج الأحجار عن أبواب القبور، والراهبُ اللبنانيُّ دائمُ النذورِ لمهمّةِ الإنتصار على حرّاس الموت على وقع ترنيم رهبان طيوب سبت النّور :«لا تطلبوا لبنان إلاَّ من أبناء الحياة»!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل