خلع ثوب الإسكيم ولم يغادره الدير

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1728

خلع ثوب الإسكيم ولم يغادره الدير

يونس: أقسمت يمين الولاء ومشيت طريق الجلجلة

حكايةُ عُمرٍ دَيريٍّ هو عمري الموضوعُ مِن أوائله حتّى سبعينِه بتصَرُّفِ آيةِ بولس رسول الأمم:»قد تمَّمتُ سعيي وحفظتُ أيماني»!

تحتَ سقفِ بيتٍ والديٍّ يوسفيٍّ أبصرتُ نعمةَ نور الحياة 26 أيلول1951 فنشأتُ وتنشَّأتُ برعاية والدٍ معمرجيٍّ إحترفَ فنَّ رَفعِ مداميك البيوت كما رفع فينا مدماك الإنتماء اللبناني الصَّلب، ووالدةٍ أمومتُها أيقونةُ الأمومات سَكَنت مملكةَ السماويات من أول صلوات شْبيَّتها حتَّى آخر حبَّاتِ مسبحةِ شيبتها!

حاول الموت مِرارًا هزم أفعال إيماننا ورجاءنا مُبتدئًا بأخي الأكبر أنطون الذي رافقه مرضُه العُضال حتّى باب بيت الآب السماوي، ثمَّ صغير العائلة عريس الجبهات وشهيد ليحيا لبنان، أخي رضوان الحامل جُرحين بليغين مِن إصابتين في معارك الشرف والمصير، ثمَّ تهجَّر إلى فنزويلا 15 تشرين الأول 1978 بعدُ أن طُلِبَ رأسه فديةَ حملِه أمانة حرية وكرامة منطقة زغرتا الزاوية. وفي بلاد الغربةِ القصيّةِ القسريّة تفاعلت آثارُ شظيَّةٍ قديمةٍ داخل جهازه الهضميّ كلَّفته 32 عمليَّةً جراحيَّةً، فعاش على سرير أحد مستشفيات كاراكاس ستَّةَ أشهرٍ من أوجاع أيوب البار بعيدًا عن عائلتِه حتّى صبيحة 9 تشرين الثاني 1979 يوم صعد ليُلاقيَ إخوتَه ورفاقَه شهداء بلاد الأرز ليكون الشهيدَ اللبنانيَّ ذا الرُفات المُهجَّرة في البلاد البعيدةِ. ومن مواعيد الرب السماوية فإنَّ أخوايا الكبير والأصغر كانا في ربيع الـ23 سنة يوم عاينا وجه الرب!

أوائل وعيي على الدنيا والوجود سكن عقلي وروحي حبيبان جوهريان لبنان وشربل قديس لبنان الذي لحِقتُه كظلِّه بعمر 13 سنة إلى دير مار أنطونيوس قزحيّا يوم الإثنين 30 حزيران 1966، وصبيحة ذبيحة أحد الوردية الكبير 2 تشرين الأول 1966. لبِست ثوبَ الإبتداء مُتخليًا عن إسمي العائلي مُنتقِلاً من ميشال إلى «الأخ مارون»، حيث بقيتُ سنةً وتسعةَ أشهرٍ أختبرُ صِدق وحقيقة دعوتي. ويوم عيد الرسولين الشهيدين بطرس وبولس 29 حزيران 1968 رفعتُ نذوري الرهبانية للرب مُتوشِّحًا بالإسكيم الأنطونيوسيّ الملائكيّ، وعند نهاية ذلك الصيف إنتقلتُ أخًا دارسًا إلى دير جامعة الروح القدس الكسليك، وهناكَ خُضتُ مشقّةَ فوارقِ بيئةٍ رهبانيَّةٍ كسليكيَّةٍ وبيئةٍ رهبانيَّةٍ عشتها سنتين وثلاثة أشهر في قزحيا وادي كنز الحياة والنسّاك، فلم أدرِ إن كان قراري صحيحٍ أو خاطئٍ يوم غادرتُ الرهبانيَّةَ أواخر صيف 1972 بعد مضيّ أربع سنواتٍ كسليكيّةٍ، لكنَّ الديرَ لم يُغادرني يومًا ولا النَّذرُ ولا الإسكيم!

 

مهمة خلف خطوط العدو

الأحد 13 نيسان 1975 إنطلقت من معسكر تل الزعتر بوسطةٌ مُرَقَّطةٌ رقطاءُ حاولت إجتياح لبنان الكيان والوطن من أمام كنيسة سيدة الخلاص في عين الرمانة، فالتحقتُ مثل عشرات ومئات وآلاف شبابنا برهبانيَّةِ المُقاومةِ اللبنانية ذات الأساكيم الزيتية ونذور الأكياس الرمليّةِ، ولأجل وزنةٍ فكريَّةٍ إعلاميَّةٍ مُعطاةٍ لي من الرب طُلِبَ منّي التَّعسكُرُ على جبهة الكلمة والإعلام وإطلاق النار الكثيف برصاص القلمِ المواكبِ لرصاص بواريد أبطالنا وصناديدنا، وحين آن أوان الإنتظام الحزبيّ أقسمتُ يمين الولاء للبنان والكتائب اللبنانية يوم 12 أيلول 1975 أمام نائب رئيس إقليم زغرتا الزاوية الشهيد لاحقًا الأستاذ جود البايع مُمثِّلاً الرئيس الأعلى الشيخ بيار الجميّل، فساهمت وعملتُ على افتتاح 22 بيتاً كتائبيًا في تلك المنطقةِ الزعاماتيَّةِ النافرة من الأحزاب، مما تسبَّب باحمرار عيون أصحاب القصور.. لتنتهي بعد ذلك أمجاد سحق لواء اليرموك 21 كانون الثاني 1976 ومفاخر معركة تحرير الكورة شكا تموز 1976 بدماء ربيع 1978 واستشهاد الشهيد سعيد بطرس البندا شهاب وبعده الشهيد بطرس حنا شيبان وبعدهما الأستاذ جود البايع وصولاً إلى ليالي الشمال الحزينة 13 حزيران في إهدن!

في ظلماء ليل 13 ـ 14 حزيران 1078 إلتأم المكتب السياسي  لمجلس بيلاطس المركزي في غسلٍ شِبه جماعيٍّ للأيادي، فتمَّ تكليف الشيف سمير جعجع بمهمة حمل خطايا الله والوطن والعائلة بينما كان هاجعًا على أحد أسِرَّةِ مستشفى أوتيل ديو يقاتلُ الدقائقَ الحرِجةَ بين الموت والحياة، ومن لحظتها إنفصلتُ فكريًا وعقائديًا ووجدانيًا عن حزبٍ تبيَّن ببعض مشايخه أنّه وُضِعَ تحت تصرُّفِ خدمة العائلة بدلاً من خدمة لبنان، ومن لحظتها إنتميتُ بأكملِ جوارحي لرفيقي ربيب الأرواح المتمرّدة الفلاّح البشرّاوي الجّريح!

20 حزيران 1978 طلبني قائد القوات اللبنانية الشيخ بشير الجميّل إلى أحد مكاتب الأشرفيّة لاجتماعٍ دامَ ثلث ساعةٍ حدَّدَ لي فيه مهمتي الجديدة الطارئة تاركًا لي حرية قبولها أو رفضها، تتلخص بعودتي إلى منطقتي زغرتا الزاوية مع خطورة العمل داخل «منطقة العدو» على إيقاظٍ دائمٍ لروحيّةِ المقاومة اللبنانية عقليًا ونفسيًا، لأن الباش كان يُدركَ أن تفريغ الروح والوجدان أخطر بكثيرٍ من إفراغ معظم الشمال من أي وجودٍ مؤسَّساتي لأحزاب المقاومة اللبنانية، فلم أتردَّد لحظةً بقبول النذر الجديد وكانت المرّة الأخيرة التي أتلاقى فيها مع البشير وجهًا لوجه. وعند حلول مساء ذلك النهار البشيري عدتُ إلى زاويتنا حيثُ كانت الأعمار بيد الرب وحده طوالَ 15 سنة كانت المهالكُ رفيقةً دائمةً لكنّها فخريَّةٌ ومُشَرِّفةٌ، من إقتحامٍ لبيتيَ الوالدي إلى تصويب السِّلاح على صدري.. والإتِّكالُ الدّائمُ على واعدنا بأنَّ «شعرةً واحدةً لا تسقطُ من رؤوسنا إلاَّ بعلمِه وإرادتِه»، فمضيتُ إلى دروب المُبشِّرين بلاهوت الحرية وناسوت الكرامة ودم أخي الشهيد سراجٌ ساطعُ النّور فوق مكيال دروبي!

ربيع 1993 تَمّت توأمةٌ قواتيّةٌ ذاتيّةٌ بين قوات بلدتي أيطو وبين قوات الكاملة حدشيت تُوِّجت بلقاء حدشيتيٍّ أيطاويٍّ مُشتَرَكٍ مع القائد الحكيم في مقره غدراس يوم 3 أيلول 1993، لتتوالى بعده إجتماعاتنا الغدراسية التي لن ننسى لحظةً خوف الحكيم علينا وهو الذي يُخوِّف الخوف، وكم كان ضنينًا أن لا تُصيبنا شوكةٌ واحدة حين نعود إلى منطقة الأخطار والمخاطر، وقد أوكل قيادة تلك المغامرة الجديدة إلى رفيق إنطلاقته من جبّة بشري وأقرب المقرّبين إلى قلبه الرفيق وديع عيد الذي كان الحكيم يناديه تحبُّبًا «الشيخ وديع» فكان وديعُنا عند حسن ظَنِّ الحكيم!

بعد دخول الحكيم محبسة اليرزة بأيام معدودة، إلتقيتُ أواخر نيسان 1994 لأول مرة «الملفونو مخّول عوّاد» داخل بيت كاهن رعية حدشيت البار الخوري الجليل يوسف رزق، فتلقَّنتُ منه مبادئ التبشير اللبناني بمستواه الأعلى والأسمى، لننطلق في ليالي مضايق ذلك الزمن إلى ضياعٍ وبلداتٍ بين جبّة بشري ومنطقة زغرتا الزاوية، وعلى عاتقنا مسؤوليّةُ إيقاظ ضوء نجمة ميلاد جديد لشعبٍ جالسٍ جلوسًا مديدًا في ظُلمةٍ وظلام يترقّبُ بكامل بصيرتِه أن يُبصِر نورًا عظيمًا!

خبرتي الرهبانية الديرية الأولى رفعتني إلى مستوى الإدراك واليقين بأن الراهب الجزيل الوزنات هو الذي يقدُّم نذوره للرب لا لرئيس ديره ولا لمُدبِّره ولا لرئيسه العام وهذه الخبرة عشناها طوال 13 سنة بين 1993 ـ 2005 مع رفاقٍ حدشيتيين كانوا نخبة الرجولة والشّرف والإقدام على الأخطار!

 

طريق دير الجلجلة

32 سنة مرَّت على دخولي دير جلجلةٍ قصفت نصف جسدي، كان قد سبقها في طفولتي زَلَلٌ في الدم عطب كليتيَّ ثُمَّ ورمٌ خبيثٌ في حنجرتي شفيتُ منهما بأعجوبةِ إيمان أمي العظيم بشفاعة القديس رومانوس المُعترف الشهيد المعروف حدشيتيًا «بالحكيم أبو ريشة»، ثمَّ أعقبَت شللي بعد 19 سنة ذبحةٌ قلبيّةٌ عنيفةٌ أوقفت قلبي ثلاث مرّات متتالية حوَّلها الربُ ذبيحةً تشهدُ على عمرٍ عجائبيٍّ جديد وهبه لي لأهب حياتي لوطني، وستبقى كرسيّ المتحرك رفيقتي إلى كلِّ مهمةٍ قدسيّةٍ، هي كرسيّ التي أرشدتني إلى دروبٍ عاليةٍ لا تصلُ ولا تطالها الأقدام، وهي كُرسيَّ ذاتُها تُلهِمني أن لا أتوسلَّ الطَّلبَ الذي طلبه مخلّع كفرناحوم أستبدِلُ به حَمْلَ الصّليب بحَمْلِ الفراش، فلا أتورَّط بأعجوبةٍ آنيّةٍ أنانيّةٍ فيها قليل من المُعجزة وكثيرٌ من العَجزِ عن بلوغ إنتصار حاملي الصلبان!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل