15 أيار من درب الجلجلة الى رجاء القيامة

كتب المحامي أنطوان عون في “المسيرة” – العدد 1728

15 أيار من درب الجلجلة الى رجاء القيامة

لهذه الخيارات… إقترعوا!

عشية انتخابات 2022 النيابية تطالعنا أسئلة كبيرة وعديدة بشأن المصير: لبنان الى أين؟ ونحن كشعب وكأفراد الى أي مستقبل؟ يطاردنا شبح الهجرة الداهم المهدّد للشباب وللعائلات، ويسحق الناس غول الغلاء وانهيار قيمة العملة الوطنية، وسبي المدخّرات، وذلّ إحتكار المواد الأولية، وشحّ مصادر الطاقة، وانقطاع الأدوية وعجز المستشفيات، ورحيل الأطباء والكوادر العليا المتخصصة الى بلاد أخرى. في ظل هذا الواقع الرابض على صدور الناس، يصبح مشروعًا السؤال: لماذا الانتخابات النيابية؟ وماذا سيتغيّر من الواقع المخيف والغد المظلم الذي بدأ يُطل؟ وهل هناك أمل في التغيير بعدما لم تتمكن ثورة 17 تشرين الأول من إحداث التغيير المطلوب؟

ردًا على كل هذه الأسئلة نقول: قطعًا نعم! تشكل الانتخابات النيابية فرصة نادرة للشعب اللبناني لكي يقول كلمته بصراحة ويُسمعها للعالم أجمع الذي ينتظرنا أن نقوم ونقف من عثرتنا ليمدوا لنا يد التضامن والمساعدة ويقفوا الى جانبنا في محنتنا للخروج منها.

نعم، من حقنا أن نشارك بكثافة في الانتخابات النيابية، ليس هذا وحسب، بل إن هذه المشاركة تعبير وموقف واستفتاء للشعب اللبناني قاطبة لكي يحدد بصورة واضحة واستراتيجية: أي لبنان نريد؟ وأي دور لوطننا في هذه المنطقة؟ وأي صورة يجب على لبنان أن يبلورها عن نفسه، حاضرًا ومستقبلاً؟

هل نريد لبنان الدولة والمؤسسات والديمقراطية والحريات وكرامة الإنسان وحقوقه والعدالة الإجتماعية وسيادة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات؟ هل نريد لبنان الحضارة والثقافة والفكر والتراث والإنفتاح والإعتدال؟ هل نريد لبنان مستشفى الشرق، وجامعة الشرق، ومنارة الشرق، ومصرف الشرق، ومركز الفن والأدب والرسم والموسيقى وكافة الفنون والعلوم الراقية؟ هل نريد الحق والحرية والجمال والقيم الإنسانية والأخلاقية التي تنادي بها الديانات السماوية ورسالة التآخي واحترام الآخر والعلاقة الإنسانية السامية؟ هل يريد الشعب اللبناني الأمن والسلام والكرامة والسيادة والإستقلال؟

إذا كانت هذه كلها مطالبنا وأهدافنا وغاياتنا وطموحاتنا، فعلينا طبعًا واجب وطني أن ننتخب بكثافة ونعبّر عن رأينا بوضوح، ونرفض الإبقاء على التركيبة السلطوية التي أوصلت لبنان الى قعر الهاوية منذ ستة أعوام، وتوشك أن تطيل عذاب الناس لسنوات أخرى، في حال اعتبر الشعب اللبناني أن الانتخابات لن تغيّر الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح والترهيب والترغيب وكمّ الأفواه.

من هنا، فإن الشعب اللبناني مدعو إلى أن يقول الكلمة الفصل: كفى! ويشارك بكثافة في الانتخابات النيابية لسنة 2022، ليحدد خياراته وصورة لبنان الذي يريده بصراحة ووضوح، وهذا الخيار هو طبعًا خيار الحياة لا خيار الموت، خيار الدولة لا الدويلة، خيار قوة القانون وليس قانون القوة، خيار المواطنية وليس المذهبية، خيار الإعتدال والتسامح لا خيار التعصّب والتحزّب الأعمى، خيار الوعي والفكر والثقافة لا خيار الجهل والإنغلاق والتفكير، خيار العدالة الإجتماعية لا خيار التفاوت الطبقي والإجتماعي، خيار التضامن الإجتماعي لا خيار الإحتكار والمافيات والتهريب وتبييض الأموال، خيار الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان لا خيار القمع والقهر واضطهاد أهل الفكر والرأي واغتيالهم من أجل آرائهم وأفكارهم، خيار القضاء الشفاف والنزيه والمستقلّ والعادل لا القضاء المسيّس والمنحاز للسلطة وأدواتها، خيار الاقتصاد الحرّ المحترم لقواعد التضامن الإجتماعي والحدّ الأدنى من التقديمات الإجتماعية والصحية، خيار الحياد الدولي لا خيار إعتماد سياسات المحاور المتحاربة، خيار إنتخاب أصحاب البرامج السياسية ذات الرؤية العلمية والموضوعية والأهداف الاستراتيجية الواضحة والخطط التنفيذية والمشاريع التطبيقية الواقعية، وأصحاب الإرادات الصادقة، والإلتزام الواعي بتحقيق تلك البرامج والخطط والأهداف واقعًا ملموسًا، وليس مجرد ديماغوجية يبدّدها طلوع صباح اليوم التالي للإنتخابات!

خيار المرشحين المنطلقين من صفوف الناس، وحاملي همومهم وأحلامهم في عقولهم وقلوبهم، ليمثلّوهم خير تمثيل ويدخلوا الندوة البرلمانية لخدمة الناس وليس لاستخدام الناس!

خيار من لم ينسوا مقولة «إن كبيركم خادمكم»، ومن لم يتنكّروا لتضحية شهدائهم ونضال رفاقهم في كافة مراحل درب الجلجلة التي عاشها شعبهم ووطنهم طيلة حروب التحرير والمقاومة، وصولاً الى إعادة بناء الإستقلال، ودفاعًا عن الحرية في وجه آلات القمع البوليسية، وصولاً الى ردّ محاولات الهيمنة والإستقواء بالسلاح لفرض إنتماءات وانحيازات لا تمتّ الى تاريخنا ولا الى تقاليدنا ولا هويتنا ولا ثقافتنا ولا قيمنا الأخلاقية والإجتماعية والسياسية بأية صلة.

خيار رافضي الهجرة والتهجير القسري والداعين الى التشبث بأرضنا أسوة بالأجداد الذين سطّروا تاريخًا من ملاحم المقاومة في وجه الغزاة وحفروا الصخر وزرعوه، ليبقو ويعيشوا في جرود لبنان مفاهيمهم الحضارية والثقافية والفكرية والتراثية والإيمانية بحرية وكرامة، جعلت من هذا الوطن ملجأ لكل المضطهدين في الشرق طيلة قرون من الديكتاتورية والتسلّط الإمبراطوري المتعدّد الأوجه والأسماء والعناوين، من فرس وآشوريين ومقدونيين ويونان ورومان ومماليك ومغول وعثمانيين ومنتدبين ولاجئين فلسطينيين وأوصياء سوريين وسواهم من المهيمنين والمحتلين والبقية تأتي (…).

نعم، إن هذه الخيارات اللبنانية الصريحة والواضحة، والتي تشكل تعبيرًا ديمقراطيًا سلميًا حضاريًا، وفقاً للآليات الدستورية والإجراءات القانونية، من شأنها، ولو لم تؤدِ الى تغيير مباشر في الأوضاع المأساوية التي يغرق لبنان في رمالها المتحركة، أن تشكل مدخلاً مؤسساتيًا شرعيًا لإعادة تشكيل السلطة والأكثرية النيابية والمجموعة الحكومية العتيدة، لتجسّد عودة لبنان الى الحياة وخروجه من غرفة العناية الفائقة، وصولاً الى مرحلة من النقاهة السياسية، ومن العودة الى لعب دوره على الساحتين العربية والدولية، ومدخلاً الى إعادة النهوض الاقتصادي، بما يوقف نزيف الهجرة وسرطان التيئيس والإحباط الذي يحاول القضاء على معنويات الشعب اللبناني ويدفع به الى النزوح عن وطنه، وتركه ضحية لذئاب كافة أشكال التوطين والتغيير الديموغرافي والجغرافي ـ السياسي، ومحاولات طمس الهوية والتاريخ والتراث والشخصية اللبنانية الجماعية.

إنطلاقا مما تقدم، ودفاعًا عن الخيارات اللبنانية السيادية والحرة، وتأكيدًا على تمسكنا بلبنان الحلم والوعد والوطن المنارة، ورفضنا لجهنم ونزوعنا نحو السماء، ولأننا شعب لا يخاف الجلجلة، لإيمانها بأنها محطة لا بد منها لبلوغ الرجاء، رجاء القيامة المجيدة للبنان، ندعوكم للمشاركة الكثيفة والناضجة والواعية والملتزمة والحرة والمؤمنة بلبنان الحياة والحرية والكرامة والسيادة والإنسان والدولة المستقلة والمؤسسات والمواطنة الصالحة والعدالة الإجتماعية، ومنارة الفكر والثقافة والفن والعلم والإنفتاح والإعتدال والحوار والديمقراطية والتنوّع والتعدّدية، لتتخذوا الخيار اللبناني الحرّ الملتزم بكافة المرشحين الملتزمين بخياراتكم الوجودية المفصّلة أعلاه، ليأتي من بينكم أبطال مناضلون ملتزمون مقاومون أحرار سياديون، ليتولّوا أمر خدمتكم وخدمة لبنان كما تعوّدوا لعقود سابقة على التضحية، وصولاً للإستشهاد دفاعًا عن لبنان ومن أجله.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل