غادة أيّوب… العقلُ والالتزام

مهما كانت قراءةُ الواقعِ حسنةَ النيّة، غير أنّ تَتابُعَ الأحداث لا يتركُ مجالاً للشكّ في أنّ ما جرى في بعضِ الدوائر الإنتخابية، هو غيرُ بريء، وخصوصاً في ما خصَّ التّزوير لانتزاعِ المقاعدِ التي حصلَ عليها، بالحقّ، مُرَشَّحو القوّات اللبنانية. إنّه نوعٌ من فَرطِ القوةِ التي تبحثُ عن ترسيخٍ أبديٍّ لهيمنتِها، من خلالِ تزويرِ نتائجَ توصِلُ واحِدين من المُنتَمينَ الى الذين جُبِلوا بالفسادِ، والخيانة، ليُفسحوا في المجالِ لفرضِ إيديولوجيّةٍ شنيعةٍ تُبقي مشهدَ الوطنِ في دائرةِ النّار.

غادة أيّوب، العلامةُ الفارقةُ المُزَلزِلَةُ بنجاحِها في جزّين، وحدَها الوطنيّةُ هي مِعيارُ تصنيفِها، لذا، فغادة رحلةٌ ناجحةٌ في الإلتزامِ بالوطنِ، وفِكرٌ غيرُ مدسوسٍ على العِلمِ، وأَندى الجَمالِ حضوراً، وهذه ميزاتٌ قَلمّا تُسكَبُ في مسيرةِ كثيرين، لأنها قطعةٌ من الرّوح، إذا فُقِدَت لا يَسهلُ تعويضُها.

هذه السيدةُ المُرَونَقَةُ الرّاقية، وطنيّتُها طبيعيّةٌ، وُلِدَت مع أوّلِ أنفاسِها، ولم تُسحَبْ بِكَلّابةِ الولادةِ القيصريّةِ في غُرَفِ عمليّاتِ التَّلقينِ الإصطناعيِّ الذي انسحَبَ على سواها من المعروفينَ ذَوي العِشرةِ مع الخيانة. لذلك، كانت الوجدانيّةُ الوطنيّةُ، معها، حالةً أصيلةً عابِرَةً للمكانِ والزمان، ولها حماسةٌ في جُبلتِها، طرَّزَت مواقفَها، وسلوكَها، وتَماهَت مع إيمانِها، كما قدسيّةُ السّماء. من هنا، لم نجدْ غادة أيّوب، يوماً، تتكلَّفُ تلوينَ كلامِها بالصَّبغةِ الوطنيّة، أو تحشرُ بعضَ التّعابيرِ المتعلِّقةِ بها، في مقابلاتِها وأحاديثِها، فالوطنيّةُ، معها، انبثاقٌ عفويٌّ كنورِ الشّمسِ، وعطرِ الزَّهر.

إنّ المخزونَ الوطنيَّ عندَ غادة أيّوب، واسعٌ رَحب، إستقَتهُ من مَصدَرَينِ هما أهلُها، وبيئتُها الجنوبيّة. فعائلةُ  ” أيّوب “، ما أَدَّت مقاطعَ الوطنيّةِ، في تاريخِها، مثلَ آلاتِ التّسجيل، فالإيمانُ بالوطنِ، والتعلُّقَ بأرضِهِ، تفجَّرا في أفرادِها، تلقائيّاً، فسَلطَنَ لبنانُ في سلوكِهم، وتألَّقَ في اندفاعِهم، وحملَ بعضَهم  الى القمّة. وقد احْتُضِنَت غادة، بمعاييرِ عائلتِها الوطنيّة، لتنشدَ، فقط، وفي كلِّ عمرِها، ” كلُّنا للوطن “.

أمّا بيئتُها الجنوبيّة، وعروستُها جزّين، فهي عَرينُ الإندفاعِ الوطنيّ، وجُعبةٌ أبيّةٌ لم تعرفْ زنودُ أبنائِها الأصيلينَ إلّا الصّلابة، ولم تنطقْ شِفاهُهم إلّا مقاماتِ العنفوان، ولم يُعتَدّوا إلّا بحُبِّ أرضِها والكرامة. وهنا، في هذه البيئةِ المكتنزةِ بالتّاريخِ، حيثُ الوطنيّةُ عَراقةٌ ورِزق، وقاموسُ تضحياتٍ وشَهادة، لَمَّت غادة أيّوب أولى دروسِها في الأداءِ الوطنيّ، وأَقسَمَت على أن تكونَ أمينةً على هذه الوديعة، فاستقامَ لها أُنسُ الثَّباتِ في الوطنيّة، وطَعمُ الكبرياءِ الجنوبيّ. وتابعَت أداءَها، خلالَ مراحلِ عمرِها، في الدراسةِ، كما في المهنة، والأنشطة، ولمّا تَزَل، لا تخطرُ عيناها إلّا للوطن، ولا تنبضُ خلجاتُها إلّا بذِكرِه.

لذلك، عندما قرَّرَت غادة أيّوب خَوضَ المعركةِ الإنتخابية، لم يكنْ دافعُها الوَجاهةَ، أو التَّشاوُف، أو المنصبَ والمركز، بقَدرِ ما شكَّلَ إندفاعُها للمشاركةِ في نَهضةِ الوطنِ من قاعِ جحيمِه، نواةً لقرارِها الجريء. فالوطنُ نُقِشَ في وِجدانِها، تجربةَ وَعيٍ هي الأَشَدُّ التِصاقاً بقلبِها، تَفاعَلَت معها بصِدق، وانسجام، وبدونِ أَلغازٍ أو انتهازيّة. وخَلَقَت، في تجربتِها، تكافؤاً بين إحساسِها وبين صورةِ الوطنِ المُؤَثِّرةِ التي عبَّرَ عنها ذلك الإحساس، فبلغَ، بذلك، كما الكثيرونُ الذي نَهَجوا هذا الدَّرب، وفي مقدِّمِهم سمير جعجع، مرتبةَ الوطنيّةِ المُكتَمِلَة.

غادة أيّوب، هذه الطِّيبةُ التي جُبِلَت بَشَراً، ضجَّ كيانُها بحُبِّ لبنان، وبالقِيَم، وأَطَّرَت علاقتَها بهذا الحبّ، كتأطيرِ علاقةِ الإنسانِ بنورانيّةِ السّماء. وبالإضافةِ الى وجهِها الثَرِيِّ بالملاحةِ، صارَ لبنانُ موسوعتَها، فما عادَت تستطيعُ أن تتوارى عن أحداثِه، فأحَسَّت النّغصةَ، وشَهدَتِ المحنةَ المُشتَدَّةَ التي أَفقدَت أمكنةَ البلادِ دِفأَها، وأزهقَت في ناسِها أملَهم بالغَد، ورسَّخَت وَجعاً في مفاصلِهم، لا يَغفو ولا يستكين، فلم تَرضَ غادة أن تستسلمَ، وأن تعيشَ طريدةً، أو مُنكَفِئةً، أو مُتَوارِيةً، وضَجَّت فيها حماستُها لتشكّلَ، مع مَنْ يشبِهُها في الإخلاصِ للوطن، قوّةَ التحدّي، لأنها آمنَت بأنّ هذا التحَدّيَ، وحدَه، قادرٌ على رَدمِ الحفرةِ على حَفّارِها، وإعادةِ البلادِ الى طَوافٍ في أجواءِ الأمانِ، والسّلامةِ، والتقدّم، والرّيادة. ولإحداثِ نقلةٍ نوعيّةٍ باتّجاهِ غَدٍ واعِد، لا بدَّ من مهاراتٍ إستثنائيّةٍ، وثوريّة، ومن حِلَّةِ نباهةٍ ومعرفة، ومن عملٍ يُخلِف، وكلُّ ذلك المنقوش في بُنيةِ غادة أيّوب، إستلَّتهُ في وَجهِ اللّيلِ الطويلِ الذي مزَّقَ الرَّجاءَ، ليُحدِثَ استفاقَةً وطنيّةً نضاليّةً تُجهِضُ مشروعَ القضاءِ على لبنان.

إنّ برنامجَ غادة أيّوب، كمُوَكَّلَةٍ عن الشّعب، والمُتماهي مع برنامجِ القوّاتِ اللبنانيّة، هو نوعٌ من مُصالحةٍ بين الوطنِ وبين القِيَمِ التي أَفقَدَهُ إيّاها أولئكَ الذين جَوّعوه، وأفلسوه، وهجّروا شبابَه، وأزهقوا الأملَ في ناسِه. وهو برنامجٌ لترميمِ بناءِ الواقعِ، ليبدو، في بادئِ الأمرِ، أقلَّ بؤساً، وحزناً، ثمَّ لتُنَفَّذَ بُنودُهُ الإصلاحيّةُ الحقيقيّة، فيُرْغَمُ شيطانُ الشرِّ على الخروجِ من جسدِ الوطن.

غادة أيّوب، القلبُ الذي لم يُعاشِرْ إلّا المحبّة، هي في صُلبِ الحركةِ التَّجديديّةِ التي تنتفضُ على الإنهيار، وعلى بقايا عهودِ الجهلِ، والتبعيّةِ، والفساد، ورموزِ القَحطِ والشَّوك، وتسعى للإنتقالِ بلبنانَ الى ولادةٍ جديدةٍ تسمو فيها عوالمُ الحريّة، والحقّ، وكرامةُ الحياة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل