نحو استراتيجية سيادية فوراً لاستكمال الانتصار

أُغلقت صفحة الانتخابات النيابية، رسمياً، مع إعلان وزارة الداخلية النتائج النهائية للّوائح المتنافسة، لكن لا شك أن القراءات السياسية لما أفرزته صناديق الاقتراع ستستمر لفترة طويلة قبل استبيان تداعياتها على اللعبة السياسية الداخلية، والقواعد الجديدة التي سيفرضها تبدّل مواقع النفوذ داخل البرلمان، ومن ثم في الحكومة، إلى انتخابات الرئاسة بعد نحو 5 أشهر وما بعدها، فضلاً عن مجمل الساحة السياسية.

ومن البديهي أن مختلف الجهات السياسية والشعبية التي خاضت معارك انتخابية طاحنة للفوز بأكبر نسبة من المقاعد النيابية، منهمكة منذ لحظة إعلان النتائج على كيفية مقاربتها والتعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته. وذلك بدء من هزيمة محور الممانعة وحلفائه وفقدانه الأكثرية النيابية، خصوصاً بالسقوط المدوّي لأبرز رموزه الذين شكَّلوا رأس حربته طوال عقود، إلى الأحزاب والقوى التقليدية، سواء السيادية المعارضة أو التابعة للمنظومة الحاكمة، وصولاً إلى الانتصارات الواضحة التي حققتها قوى التغيير المنبثقة عن ثورة 17 تشرين.

وعلى ضفة أبرز الفائزين الذين حققوا انتصاراً كبيراً، يقف حزب القوات اللبنانية الذي تمكَّن من رفع عدد مقاعده البرلمانية إلى 18 مقعداً، من دون الحلفاء، وبات بذلك يملك الأغلبية المسيحية في البرلمان تبعاً للأصوات التي حصلت عليها القوات من الناخبين المسيحيين، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية.

في حين يبقى الخاسر الأكبر التيار الوطني الحر الذي شهدت الأصوات المسيحية التي حصل عليها تراجعاً دراماتيكياً. وبالمقارنة بين مجموع ما حصل عليه الحزبان، من أصوات الناخبين المسيحيين فقط، يتبيَّن أن القوات حصلت على نحو 65% منها، فيما حصل التيار على 35% تقريباً.

هذا طبعاً من دون احتساب أصوات الناخبين المسيحيين التي ذهبت للّوائح الأخرى، الحزبية السيادية أو المنضوية تحت عنوان قوى التغيير، والتي أكلت أيضاً بطبيعة الحال من صحن التيار وسائر القوى المسيحية التابعة أو المتحالفة مع محور الممانعة، وضاعفت من خسائره، إذ من البديهيّ أنها لم تكن من صفوف مناصري القوات التي ضاعفت أرقام الأصوات المسيحية التفضيلية التي نالتها، ودائماً بحسب النتائج الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية.

وفي هذا السياق، تلفت مصادر سياسية مطلعة على أجواء معراب، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “أهمية الانتخابات التي حصلت تكمن أولاً، في وجود فريق كان يؤكد دائماً على ضرورة إجرائها انطلاقاً من إيمانه وثقته باللبنانيين، مقابل فريق آخر كان يعتبر أن الانتخابات لن تبدّل أي شيء في المشهد السياسي باستثناء (نائب بالطالع أو نائب بالناقص).

لكن تبيَّن بالنتيجة أن هذه النظرية غير صحيحة، فهناك أكثرية نيابية برمّتها تبدَّلت. بالتالي، بات واضحاً أن هذا الفريق المشكِّك بإرادة اللبنانيين، كان يريد من خلال تشكيكه إحباطهم من أجل ألا يذهبوا إلى الانتخابات، لكي يحافظ على أكثريته من دون انتخابات بالقول مهما فعلتم سنحافظ على أكثريتنا. لكن تبيَّن العكس تماماً كما كانت تقول القوات، بأن إرادة التغيير هي في يد اللبنانيين، وهم قادرون على التغيير ونجحوا في ذلك.

وثانياً، تبيَّن أن الرأي العام اللبناني ومزاجه ضدّ سلاح حزب الله ويريد التغيير، وضد منطق الدويلة ويريد دولة. بالتالي، شكَّلت هذه الانتخابات استفتاءً وانضمَّت إلى ثورة 14 آذار وثورة 17 تشرين، مع فارق أنها تُرجمت مؤسساتياً من خلال أكثرية نيابية واضحة المعالم.

وثالثاً، هناك نقطة متعلقة بمزاج البيئات السياسية والطائفية. فليس تفصيلاً أن تصبح البيئة الدرزية محصورة بين بيئة اشتراكية سيادية وبيئة تغييرية، وسقوط كل البيئة الدرزية الملتحقة بفريق 8 آذار.

كما أنه ليس بقليل ما حصل في البيئة السنية، التي كان كل رهان فريق الممانعة وترويجه بأنها ستشهد اختراقات لحزب الله وسيضع يده عليها، ليتبيَّن أنها بين التغييريِّين والسياديِّين، فيما بعض القوى المنتسبة إليها والحليفة للحزب تخجل من الظهور والدفاع عنه وعن سلاحه.

وأيضاً ما حصل في البيئة المسيحية، التي لا تقاس بعدد النواب. فمن الواضح للجميع أن نواب التيار الوطني الحر، في بيروت الثانية أو عكار أو بعلبك الهرمل أو غيرها، هم مجرد رافعات شيعية. فعملياً، تحوَّل التيار إلى جناح ضمن ثلاثية شيعية التي لم تعد ثنائية شيعية.

لذلك، المسألة الأساسية تكمن في المزاج المسيحي الذي عبَّرت عنه الأصوات التفضيلية المسيحية بشكل واضح، لجهة القول كفى. فالمسيحيون ذهبوا باتجاه خيار واضح المعالم، هو ضدّ الحالة الانقلابية التي شكَّلتها الحالة العونية على ثوابت المسيحيين التاريخية، وأعادت القوات اللبنانية تصحيح هذا الواقع من خلال توجُّه واضح يعيد الاعتبار إلى ثوابت الكنيسة المارونية وإلى مشروع الدولة والحياد وكل هذه العناوين.

بالإضافة إلى ذلك، من الواضح أيضاً أن البيئة الشيعية لم تكن متعاطفة أو متحمِّسة لحزب الله، ولاحظنا للمرة الأولى أن هناك اختراقات داخلها. فمن كان يتوقع أنه في دائرة الجنوب الثالثة حيث البلوكات الشيعية الكبيرة لحزب الله والتعبئة المرافقة وسطوة السلاح والديمقراطية الممنوعة من الصرف، أن تتمكَّن القوى المعترضة غير الحزبية من تحقيق هذه الانتصارات التي ليست بقليلة؟ ومن كان يتوقع حصول اختراقات ضمن هذه البيئة وبهذا الشكل، على غرار الاختراق الكبير الذي حصل في بعلبك الهرمل على الرغم من كل التخويف والتهويل والتهديد؟”.

بالتالي، تؤكد المصادر عينها، أن “هذه الانتخابات قدَّمت مشهدية جديدة وقالت إن اللبنانيين قادرون، تماماً كما قالت القوات اللبنانية (نحنا فينا) وتبيَّن ذلك، مع التشديد على أنها أكملت جملتها بالقول (نحنا معكن فينا)، لأنها مع الناس التي قالت نحن قادرون ويمكننا أن نبدِّل ونغيِّر وتمكنّوا من تحقيق الفرق”.

وتشدد، على أنه “بعد تشخيص هذا الواقع الواضح لجهة أن الرأي العام اللبناني يريد مشروع الدولة، والمزاج العام داخل كل البيئات الطائفية يريد المشروع ذاته، وخصوصاً الرأي العام المسيحي الذي قال لا كبيرة للتيار الوطني الحر، التحدّي الأساسي الآن هو بالذهاب نحو مرحلة جديدة، أهمّ ما تستدعيه هو إيجاد آلية تنسيق بين مكوّنات البلوك السيادي التغييري الجديد الذي أنتجته الانتخابات بمواجهة بلوك 8 آذار”.

وتشير، إلى أن “هذا البلوك الجديد هو سياديّ وخطّه دولتيّ، لكن لا آلية للتنسيق بين مكوناته ولا يملك إطاراً جبهوياً واحداً. بالتالي يجب انطلاقاً من ذلك أن يتلاقى هذا الفريق على آلية معينة للتعاون أو التنسيق، على القطعة وغبّ الطلب، لمواكبة مختلف الاستحقاقات المقبلة بموقف مشترك. إذ لا يكفي أن تكون الانتخابات قد أظهرت وحدة موقف سياديّ تغييريّ، إنما يجب أن تذهب هذه القوى التي توحَّدت في الموقف السياديّ إلى وحدة صفّ من خلال تعاطيها مع الاستحقاقات الدستورية”.

وتضيف، “على سبيل المثال، أن تقول هذه القوى مجتمعة، لا لانتخاب رئيس مجلس النواب نبيه بري لولاية جديدة. وأن تقول هذا هو رئيس الحكومة الذي نريد تكليفه، وهذه مواصفات الحكومة التي نريدها. وذلك من أجل ألا تُفسح في المجال أمام الفريق الآخر للدخول على طريقة فرِّق تسد، لكي يقوم باستيعاب البعض ونذهب بالاتجاهات التي يريد أخذ البلد إليها. بمعنى وضع سدّ منيع أمام إمكانية استيعاب وتشتيت صفوف القوى السيادية والتغييرية، لكي تتمكن هذه القوى من الانطلاق بموقف مشترك لتحقيق مشروعها”.

وتشدد المصادر، على “وجوب إيجاد آلية تنسيق بالحدّ الأدنى، وصولاً إلى الحد الأقصى الذي تحدثت عنه النائبة عن منطقة صيدا جزين غادة أيوب، بوضع استراتيجية سيادية، فهذه ما يجب أن يكون لا ما يتحدث عنه البعض حول استراتيجية دفاعية، وذلك من أجل أن تتمكَّن القوى السيادية والتغييرية من رسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة بوضوح تام، من أجل أن تستفيد من هذا الانتصار الذي حقَّقته وترجمته، ليس فقط من خلال انتصار نيابي، إنما أيضاً من خلال انتصارات في كل المحطات الدستورية”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل