الجنوبيون يكسرون السوط بالصوت

انتهت أولى معارك حرب التغيير وخفت صخب الانتخابات على أصوات تصدح أملاً وعيون سرقت من المجد عنفوانه، تعلن دفن نهج وقيام آخر.

قال الجنوبيون كلمتهم في صناديق الكرامة، على وقع هتاف “سقّطنا أسعد حردان والتفضيلي للبنان”. ويخطئ من يظن أن الشعب خاض المعركة لإطاحة أسماء معيّنة واستبدالها بأخرى، على الرغم من مشاعر اليأس والضغينة التي تتولد عند سماعها، لأن المعركة أسمى من الأسماء.

وما كان يُصنّف بالبيئة الحاضنة تمرد على محور الذل والموت وأثبت أن التغيير “ما رح يوفر حدا”. وبصفعة صادمة لمن اعتبر فئة من الناس بـ”الجيبة” وكأنها أرقام جامدة، حققت هذه الموجة الاعتراضية العارمة ما عجزت عن فعله ميدانياً، مقتحمة ساحة النجمة بنائبين من دائرة الجنوب الثالثة (النبطية ـ بنت جبيل ـ مرجعيون وحاصبيا).

وإلى دائرة جنوبية أخرى، أي صيدا جزين، حيث أعاد المقترعون الهوية السيادية للمنطقة عبر اقصاء مرشحي التيار الوطني الحر وحركة أمل، ليكسروا بذلك “veto” حزب الله بأن يحصد حزب القوات اللبنانية أي نائب في دوائر الجنوب الثلاث.

ومن المعادلات التي كرستها الدوائر الانتخابية التي تهيمن فيها سطوة حزب الله، انتصار الصوت على السوط، إذ على الرغم من محاولات استباق الصفعة الديمقراطية، بالاعتداءات الممنهجة في “الجنوب الأولى” والرشاوى والتلاعب بالنتائج في “الجنوب الثالثة”، خسر محور الثنائي الشيعي قبضته الحديدية جنوباً مع فقدانه لـ7 مقاعد (2 في مرجعيون ـ حاصبيا، و5 في صيدا ـ جزين).

في السياق، يشير المحلل السياسي علي الأمين إلى أن “ما حصل في الجنوب هو تغير نوعي، إذ وللمرة الأولى منذ العام 1992 يفوز 7 نواباً في الجنوب من خارج عباءة الثنائي الشيعي، أو بشكل أدق خارج تحالفات حزب الله وما يرسمه”.

ويقدر الأمين، في حديث لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، أنه “كان من الصعب احقاق خرق في الدائرة الشيعية للأسباب المعروفة”. ويوضح “لا انتخابات في مناطق سيطرة الحزب نظراً الى التفلُّت الكامل من أي قواعد قانونية وشروط إدارة العملية الانتخابية بالإضافة لسطوة السلاح”. ويذكّر بتقارير الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات “لادي” التي سلطت الضوء على هذه الخروقات، مشيراً إلى أن أغلبية المراكز في الجنوب لم يكن هناك وجود لمراقبيها. ويعتبر أنه “على الرغم من القاعدة الشعبية للثنائي، لا يستطيع أحد القول إنه يمتلك 100% من الشارع الشيعي”.

ويشدد المحلل السياسي ذاته على أن “الناس وجّهت رسالة رفض المعادلة التي كانت قائمة ما بعد انتخابات الـ2018، وهي استمرار لانتفاضة 17 تشرين التي عبّرت عن رفض هذا الواقع. وتؤكد الانتخابات أن هناك صوتاً لبنانياً جامعاً من مختلف الفئات اللبنانية يريد الخروج من هذه المنظومة التي تدير البلاد”. ويرى أن التحدي الأكبر يكمن في أن اللبنانيين ينتظرون نتائج على هذا الصعيد.

ويضيف أنه على الرغم من الضغوط وحملات التخوين والتزوير التي حصلت، تمكن الناخب الجنوبي من توجيه رسالة قوية إلى معادلة السلطة التي أمسكت بالجنوب ولا تزال.

ويستبعد الأمين قيام حزب الله بردة فعل عكسية، معتبراً أن تصاريح النائبين محمد رعد وحسن فضل الله تعكس مدى امتعاض الحزب من النتائج، لكن “وصل لبنان الى مرحلة لم تعد الوسائل الأمنية والعسكرية تجدي نفعاً، من دون استبعاد حصولها تحت ذرائع مختلفة”. ويعتبر أن “نموذج 7 أيار ومختلف الأشكال العنفية التي مورست في السابق، لن تأتي بنتيجة اليوم، إذ لم يعد هناك القدرة على العبث بإدارة البلد بهذا الشكل بالإضافة الى أن الأزمات الحقيقية تكمن بالموضوع الاقتصادي والاجتماعي”. وتنتظر الناس، وفقاً للأمين، إجابات على الصعيد المعيشي.

ويشدد على وجوب الاعتراف بالوقائع الجديدة فلا صدى لتغيير المشهد السياسي القائم بعد 15 أيار. ومع تأكيده على أن “الحزب مستعد لافتعال مظاهر أمنية في حال حشره، الا أن ظروف 7 أيار لم تعد موجودة ولن تتجاوب بيئته مع أحداث مماثلة. كما أن الحزب بنفسه يدرك أن الخيار العسكري لن يأتي بثماره”. ويردف الأمين أن الوقائع الجديدة تفرض نفسها بما يتعلق ببناء الدولة والوضع الاقتصادي والحلول المعيشية التي لم يعد بالإمكان تجاوزها.

انتهت إذاً مرحلة قلب الطاولة بالقوة، وفرض الناخب الجنوبي وقائع جديدة تجاوزت كل التوقعات ليثبت أن إرادة الحياة أقوى من ثقافة الموت.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل