.jpg)
“راحت سكرة الانتخابات وجاءت فكرة الأزمات”. قَولٌ ينطبق على المشهد اللبناني الذي تحوّل بسرعة أيام، من “مستقر بحذر” الى “متفجر بقلق”، وذلك بعد “هدنة” لشهرين بفعل سحر المعركة الانتخابية الحامية المنسوب، التي رفعت سقف الآمال ليتجاوز الواقع المفتوح على رمادية قاتمة، مستمدة مفاعيلها من غد قريب لا يشي بالكثير من التفاؤل.
فهل يحسم مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة اليوم، قبل تحوّله “حكومة تصريف أعمال”، مسؤوليته حيال قرارات إجرائية قادرة على ضبط الارتجاج المعيشي الذي أعاد الاداء الرسمي الى المربع الاول؟ اليوم، انتهى “التنويم الاصطناعي”، واستفاقت السلطة واللبنانيون على وقائع معيشية أعادت ازمات الرغيف والمحروقات والدواء والدولار الى الواجهة، وخصوصاً حلقة الربط لا تزال معلقة على غطاء سياسي يتيح لمصرف لبنان تحويل دولاراته المتبقية وفق سعر منصة “صيرفة”، الامر الذي ينتظره البنك المركزي على شكل كتاب من الحكومة لبدء استخدام حصة لبنان من حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي SDR لفتح الاعتمادات اللازمة، ولتجنيب البلاد فراغاً قطاعياً قاتلاً، لن يفيده قرار تمديد مفاعيل التعميم 161 لشهر تموز المقبل.
المطلب واضح من الحكومة، وقد سرّبته مصادر مصرف لبنان قبل يومين، ويقضي بعدم انفاق اي دولار من احتياطيه، لان أعضاء المجلس المركزي غير مستعدّين لاي اتهام قضائي بـ”إنفاق اموال المودعين”، علماً ان الطلب ارفق بتحذير من ان استمرار الحكومة على نهج “تقطيع المرحلة بقرارات ترقيعية”، سيفضي في النهاية الى هدر اموال حقوق السحب الخاصة خلال شهر واحد فقط. وللإشارة، فإن إجمالي ما استُخدم من تلك الاموال شارف الـ200 مليون دولار، منها 36 مليوناً لدعم استيراد القمح كدفعة اولى، و35 مليوناً لدعم استيراد الادوية، ونحو 13 مليوناً لجوازات السفر، ومبلغ اضافي لقطاع الاتصالات وغيره…
المطلب الاساس يكمن في توليد خريطة طريق اصلاحية قادرة على فتح مسارات التعافي في الداخل، عبر ضبط سيل الازمات وإخماد فتيل الانفجار المعيشي وتطويق المضاربين المترابحين في سوق القطع الموازي غير الشرعي، في موازاة فتح قنوات استرداد الثقة الخارجية عبر إعادة الانضباط مع المجتمع الدولي ضمن برنامج تفاوضي مع صندوق النقد يفضي الى ضخ جرعات أوكسيجين في الجسم الاقتصادي الراكد.
في الساعات الأخيرة، استعادت سوق المحروقات أزمتها وعادت مشهديّة طوابير السيارات أمام محطات بيع المحروقات التي رفع بعضها خراطيم التعبئة… والأسباب عدة بدءاً من عامل الانتخابات النيابية وصولاً إلى تأخر مصرف لبنان في الإفراج عن دولارات شركات استيراد المحروقات… في ظل تحليق أسعار المشتقات النفطية توازياً مع ارتفاع برميل النفط عالمياً وارتفاع سعر صرف الدولار إن على منصّة “صيرفة” أو في السوق السوداء. فكيف بدأت الأزمة وأين ستنتهي؟
المديرة التنفيذية لشركة “الوردية ش.م.ل” الأستاذة ياسمين باسيل تقول لموقع القوات اللبنانية في هذا السياق، يعتقد البعض أن شركات الاستيراد تتلاعب بسوق المحروقات، ويتّهمها باحتكار المحروقات للضغط على وزارة الطاقة لرفع سقف الأسعار، وبالتالي يبقى قرار تلبية السوق أم عدمها في يد تلك الشركات… لكن هذا البعض لا يعلم أن شركات استيراد النفط تشتري المحروقات من الخارج وتسدّد ثمن البضائع بالدولار الـFresh، في ظل ارتفاع سعر الـPremium (نقل + تأمين على المخاطر) بفعل الحرب الروسية – الأوكرانية، وتحليق سعر برميل النفط البلاتس عالمياً.
وتُشير إلى أن “الشركات تستورد البضائع من الخارج بأسعار مرتفعة جداً في حين أنها مُلزَمة بيعها بالليرة اللبنانية في السوق المحلية، الأمر الذي يكبّدها خسائر مضطردة، في مقابل تحليق سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة بشكل جنوني حيث نعجز عن اللحاق به بين توقيت الاستيراد وتوقيت المبيع، فالخسارة تكون مُحَتَمة”.
كل ذلك يُضاف إلى الحاجة إلى تأمين مبالغ كافية من الدولارات من مصرف لبنان والمصارف عبر منصّة “صيرفة”، تقول باسيل، “نتيجة تأخّر مصرف لبنان في الإفراج عن الأموال المطلوبة علماً أن تنفيذ عملية التحويل إلى الدولار تستغرق أقله ثلاثة أيام، لكن ما يحصل اليوم هو تجزئة طلب الشركات إلى أقسام عدة حتى باتت العملية تستغرق نحو 10 أيام الأمر الذي يؤدي إلى خسارة الشركات من قيمة الأموال المودَعة بالليرة بفعل تحليق سعر صرف الدولار بين اليوم والآخر”.
وتُلفت إلى أن “السعر الذي تبيعه الشركات في السوق اللبنانية يبقى من بين الأدنى عالمياً في ظل الارتفاع العالمي للنفط، إذ سعر الليتر الواحد يبلغ حوالي 2 يورو”، مع تأكيدها على “تحسّس أصحاب شركات استيراد النفط مع المواطنين في ما يعانونه من الوضع المعيشي الصعب، لكن السؤال كيف يمكن الاستمرار على هذا النحو لتأمين ثمن البضاعة وبالتالي تلبية متطلبات السوق المحلية؟! خصوصاً أن الشركات تخوض مخاطر جمّة في عملية شحن البضاعة من دون معرفة إلى متى ستبقى منصّة “صيرفة” قائمة لرفد الشركات بالدولار! فهذا سؤال يُطرح اليوم ممجوجاً بالقلق.”.
وتُضيف، من هذا المنطلق وبسبب الخسائر الكبيرة التي تتكبّدها، أعلنت شركات النفط أنها ستسلم محطات المحروقات كميات توازي ما يسلمها مصرف لبنان والمصارف من دولارات عبر منصّة “صيرفة”، مع الإشارة إلى أنها تشتري البضاعة من الخارج بالدولار الـFresh وتبيعه في لبنان بالليرة! علاوةً على خسارتها من فارق التحويل لسعر الصرف.
ولم تغفل باسيل الإشارة إلى “مشكلة تسديد ثمن البضاعة للطرف المصدِّر بحيث يعمد إلى رسو الباخرة في عرض البحر في انتظار قبض ثمن البضاعة الباخرة السابقة التي تأخّر مصرف لبنان في الإفراج عن الأموال التي ستدفعها لها الشركة المستوردة، ما يتطلب فتح اعتماد جديد وإلى ما هنالك من تأخير.
هذه الوقائع دفعت أصحاب الشركات إلى تقليل كمية البضاعة المستورَدة، على حدّ قولها، “فالباخرة التي كانت تشحن بضاعة بقيمة 3 ملايين دولار أصبحت اليوم تساوي 8 ملايين دولار نظراً إلى جنون سعر النفط عالمياً”. وتقول باسيل، الجميع في باخرة واحدة: الشركات المستوردة ومحطات المحروقات والمواطنون، لذلك فالملامة لا تقع على أحد، بل المطلوب التضامن السياسي والبحث عما يعزّز فرص المعالجة والحلول للأزمة الاقتصادية والمالية التي نتخبّط بها.
نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس يكشف لموقعنا عن أن “شركات النفط ستسلّم اليوم المحروقات للمحطات بوتيرة أفضل من الأمس، بحيث تحسّن التسليم أيضاً كثيراً لذلك اختفت مشهديّة الطوابير عن المحطات، بعدما سلّمت أول من أمس كميات قليلة. يبقى على المصارف التعجيل في تحويل الدولارات إلى شركات الاستيراد كي تسلّم كميات تكفي حاجة السوق”.
ويقول، المشكلة الأساسية أن المصارف تتأخّر في صرف الدولارات للشركات المستوردة للنفط بحسب منصّة “صيرفة”، أي تتكدّس أموالها بالليرة في المصارف نتيجة تأخّر تحويلها إلى دولار. ويؤكد أن “كميات المحروقات متوفرة في مستودعات الشركات لكن الأخيرة لا تجرؤ على ضخّها في السوق قبل أن تقبض ثمنها بالدولار من المصرف”.
ويوضح أن “جدول تركيب الأسعار الصادر عن وزارة الطاقة والمياه كان سيصدر حكماً أمس، من دون أي ضغط من أحد، لأن سعر الصرف وفق منصّة “صيرفة” ارتفع إلى 23700 ليرة للدولار الواحد.”.
ويُلفت البراكس إلى أن “المحطات واجهت ضغطاً كبيراً نهاية الأسبوع الماضي بفعل الاستحقاق الانتخابي في البلاد، فيما الشركات كانت مقفلة في عطلة نهاية الأسبوع ولم تسلّم المحطات البضائع يوم الإثنين والثلاثاء ما دفع بعض المحطات إلى الإقفال ودفعت طوابير السيارات في اتجاه إلى المحطات الأخرى”.
