
كل الخسارات طعمها مرٌّ، مهما حاول الخاسرون المكابرة. لكن بالتأكيد، أمرُّ الخسارات وأشدّها علقماً، هي تلك التي تحلّ بالمستكبرين المتجبّرين المستعلين، إذ تكون عليهم مضاعفة بفعل الاستعلاء وجنون العظمة وتوهُّم القوة والأنا المتضخّمة.
ولعلَّ المرارة أدركت الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، وهو يتجرَّع كأس خسارته الأغلبية البرلمانية في الانتخابات النيابية، خصوصاً وهو يراقب حلفاءه، الذين جعل إنجاحهم معركته الشخصية، يتساقطون الواحد تلو الآخر، فيما مَن نجح منهم في “التسلُّل” إلى الندوة البرلمانية، يدخلها هزيلاً على “نص إجر”.
من هنا، يمكن ملاحظة الخيبة التي انعكست هدوءاً مصطنعاً ظهر عليه نصرالله، في إطلالته التلفزيونية، منذ يومين، بحيث بدا كحمامة سلام تدعو إلى التهدئة ووقف التشنج والخطابات الحادة، وهو الذي واظب طوال الأشهر التي سبقت الانتخابات إلى ضخّ مختلف صنوف الشحن البغيض في الحياة السياسية.
لكنّ بلعَ المرارة، وتبليعها للجماهير، يبدو ضرورياً في المرحلة الراهنة التي تقتضي المهادنة ومحاولة استيعاب الصدمة وتمريرها الآن، ريثما يعاد تجميع الصفوف، تمهيداً ربما لانقضاض جديد بشروط أفضل. ولا بأس في سبيل ذلك، من محاولة التخفيف من مفصلية النتائج التي أفرزتها الانتخابات، بأغلبية واضحة لا لبس فيها تقف على نقيضٍ من مشروع نصرالله وسلاحه، لعلَّه ينجح.
وهذا ما يراه المحلل السياسي علي حمادة، إذ يقول، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إن “نصرالله عاد إلى معزوفته القديمة، وهي محاولة تفريغ وتجويف أي إنجاز يقوم به خصومه في مواجهته. ولعلَّ إطلالته التلفزيونية ليل الأربعاء، وعلى الرغم من لجوئه للحديث عن الأرقام، تكشف حقيقةً أنه اعترف عملياً بخسارة الانتخابات النيابية والأكثرية البرلمانية التي حصدها في انتخابات العام 2018”.
ويرى حمادة، أن “هذا شأن نصرالله والثنائي الشيعي بشكل عام، وهو محاولة حرف الأنظار دائماً عن المشكلة الحقيقية، المتمثلة بسلاح حزب الله وأجندته الخارجية ووظيفته الإقليمية العسكرية الأمنية”.
ويعتبر، أن “حديثه عن تعديل قانون الانتخابات، طبيعي بالمبدأ، من زاوية أن الكلام وطرح أفكار جديدة متعلقة بأي قانون انتخاب مسألة طبيعية. لكن ما يطرحه نصرالله يذكّرنا بما كان يُطرح قبل إخراج جيش النظام السوري من لبنان، إذ في كل مرة كان اللبنانيون يطالبون بانسحابه كانت تُطرح مسألة رفع القيد الطائفي عن قانون الانتخاب، والذهاب إلى انتخابات على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، للتهويل والتهديد، مع الإشارة إلى أن هذا طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري أيضاً”.
ويؤكد حمادة، على أنه “في الحقيقة، حزب الله هو آخر فريق في لبنان يحق له أن يرفع شعار الانتخابات من خارج القيد الطائفي، لسبب واحد وبسيط، أن هذا الحزب بتكوينه وطبيعته وإيديولوجيته وعديده وعدتّه ورأسه، هو طائفيّ مذهبيّ بامتياز، وليس هناك من حزب أو تجمُّع في لبنان يجاري حزب الله بطائفيته ومذهبيته الضيقة في إطار مدرسة ولاية الفقيه”.
ويشدد، على أن “حزب الله يتَّكل ويعتمد باستمرار على الحقن المذهبي والطائفي والديني، واستخدام الدين في السياسة إلى جانب السلاح، أكثر من أي مكوّن سياسي آخر على الأراضي اللبنانية. وعندما يعترض على شعار (شيعة شيعة)، هو يجانب الواقع الذي يؤكد بأن هذا الشعار هو نتيجة الحقن الدائم والمستمر الذي يحقن به الناس في لبنان والقاعدة الشعبية التي تدين له بالولاء”.
ويخلص حمادة إلى التأكيد، على أن “حزب الله خسر الانتخابات، وخسر حلفاءه”، لافتاً إلى أن “النتائج أظهرت بكل وضوح أن المكوّنات اللبنانية على اختلافها، لفظت رجالات حزب الله والنظام السوري. بل حتى إن بيئة حزب الله التقليدية التي يعتمد عليها، بدأت تتخلخل وتعترض وترفع صوتها في وجهه، على الرغم من أن ما حصل ليس كافياً، إنما هو بالتأكيد خطوة أولى مشجعة على طريق تحرير هذا المكوّن من هذه الحالة”.
ويضيف، “المناطق والبيئات الحرّة في لبنان قالت كلمتها، وهي رفض مشروع حزب الله جملة وتفصيلاً. وهذه حقيقة واضحة وضوح الشمس، لا يمكن لحزب الله مهما حاول من مناورات والتفافات إنكارها أو القفز فوقها”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
