ملف الكهرباء واستعصاء فريق العهد

 

من حق اللبنانيين على الرئيس نجيب ميقاتي انه كان يتعين عليه كشف العرقلة الوزارية لعروض جديدة لانتاج الكهرباء قبل توجيهه رسالته اليهم تمهيدا لانتقال حكومته الى مرحلة تصريف الاعمال. فكشف ذلك امر جيد في ذاته لتظهير استمرار السلبية في هذا الملف وعدم تغيير العهد مقاربته على رغم الانهيار ، ولو ان ميقاتي لم يسم الاخير . ولكن الشفافية التي كان وعد بها الشعب اللبناني كانت تقضي بضرب يده على الطاولة لمنع هذه العرقلة اولا وكشف ذلك امام الرأي العام اللبناني ثانيا منذ وصول العروض الخارجية لكي يشكل الناس معه عاملا ضاغطا على الفريق المعرقل لاعادة الكهرباء .وهذا لا يقع من ضمن خانة التيار العوني وحده بل في خانة “حزب الله” حليفه الذي عليه ان يجيب بدوره من حيث مسؤوليته عن تعويم هذا الاخير انتخابيا عن عدم ممانعته لهذه العرقلة التي تكرر ما حدث مع الصندوق الكويتي ابان حكومة الرئيس ميقاتي في ٢٠١١. من حق اللبنانيين على اي رئيس مقبل للحكومة ان يشترط مسبقا فيما باتت الحاجة ملحة الى رئيس للحكومة تدعمه طائفته وسيكون ذلك صعبا في ظل ما آلت اليه الانتخابات على الساحة السنية وسقوط احتمالات كانت مرجحة في مكان ما كما الحال بالنسبة الى فؤاد مخزومي مثلا، كذلك في ظل غياب مرجعية اساسية لدى السنة ،عدم اعطاء وزارة الطاقة الى الفريق نفسه الذي كبد الخزينة ما يزيد على خمسين مليار دولار في مقابل صفر كهرباء . فهذا العهد بات في هزيعه الاخير وخسر دعم اللبنانيين وتأييد طائفته وتغييره يشكل فرصة لقلب الصفحة وتسييل ذلك سياسيا على الاقل في ادارة شؤون الناس والاقرار بان التغيير الذي عبر عنه اللبنانيون حتى في عدم الاقتراع مطلوب بقوة في المرحلة المقبلة . وهذا الحق ايضا على كل القوى السياسية في السلطة او خارجها لان البقاء في الحفرة نفسها اذا كان يخدم بعض هذه القوى فانه يخدم في الوقت نفسه اعداء لبنان في اي اتجاه. فاي خطاب عن “حصار عربي وغربي” على لبنان وفق خطاب الحزب وحلفائه اذا كانت عروض غربية تنهال على لبنان لنهوض قطاعه الكهربائي المدمر ويرفض فريق العهد ذلك من دون اسباب معقولة او مبررات منطقية؟

 

نال الرئيس ميقاتي نتيجة عدم كشفه عن ذلك سوى في الخطاب الوداعي لحكومته انتقادات طاولته على هذه الخلفية ولو انها لم تخرج الى العلن لا سيما ان حكومة راحلة كانت تشكل فرصة مثالية لرفع التحدي في هذا الموضوع . اذ ان العهد يناسبه عودة الرئيس ميقاتي رئيسا للحكومة المقبلة بعد الانتخابات ولكن قد يغير فضح الاخير لملف الكهرباء الذي كان قال في شأنه انه استغرق خمسة اشهر لسحب كلمة سلعاتا من خطة الكهرباء بعض هذه المعطيات . ولكن قد يعزز ميقاتي التي طاولته انتقادات كذلك على خلفية عدم الترشح للانتخابات النيابية ولو ان ذلك لم يظهر للعلن في ظل الانشغال بالتركيز على تداعيات مقاطعة الرئيس سعد الحريري بعض شروطه للمرحلة المقبلة اذا لم تبرز شخصية سنية مستعدة للتعاون كليا ايا يكن الثمن . ولكن هذا موضوع اخر متشعب يتصل بتحليل عميق للحال السنية في بيروت وطرابلس ولبنان ككل . ولكن في موضوع يتصل بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء ، فان رئيس الحكومة هو من يضع جدول الاعمال بالتشاور مع رئيس الجمهورية وهو من يقرر سحبه من الجدول وحين يصل اي مشروع الى الوزراء فانه يصبح في عهدتهم ومن حقهم مناقشته واتخاذ القرار في شأنه حتى لو تراجع الوزير المعني عنه علما انه ينبغي عليه درسه قبل طلب وضعه على جدول اعمال مجلس الوزراء. وتاليا فان الوزير المعني ليس هو صاحب القرار في سحبه من على طاولة مجلس الوزراء فيما يدرك الجميع ان وزير الطاقة هو الواجهة للتيار الذي اتى به والذي لا يزال يتحكم بملف الكهرباء ولا يظهر اي مراجعة لاداء فاشل بل يعتبر ان تأمين كتلة كبيرة له انما تثبت قدرته على الاستمرار في ادائه من دون خجل . والسؤال هو اذا كان سينجح رهن توفير الكهرباء وفك اسره عبر الخضوع للابتزاز في موضوع رئاسة الجمهورية او من اجل المساومة في اي تسوية جديدة يتحدث عنها اهل السلطة ويدفعون في اتجاهها علما انها ليست مطروحة حتى اللحظة لدى اي طرف خارجي ولا سيما الطرف الفرنسي المنشغل في انتخاباته وتداعياتها ، فيما يستمر اهل السلطة في الامساك باوراقهم او تعزيزها تمهيدا لذلك علما ان الاوراق الاقليمية لم تنته الى اي توزيع واضح بعد، ام ان البلد انتهى ولم يعد هناك اي شيء يمكن القيام به للملمته على رغم المنحى التغييري الذي عكسته الانتخابات بالنسبة القليلة التي حصلت فيها الانتخابات؟

 

اذا كان التعجيز في موضوع الكهرباء سيبقى عنوان اداء العهد وفريقه الذي يحجز هذه الاستمرارية الى ما بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، فان الانظار تتجه الى المقاربات التي يمكن ان تقدمها القوى المعارضة . اذ ان الاهتمام ينصب على ما بعد النتائج الانتخابية ليس عبر الوقوع في فخ استحقاق على غرار استحقاق رئاسة المجلس الذي يمكن ان يترك لقوى السلطة المساومة والمقايضة في ما بينها وتسجيل المعارضة ايا تكن مواقف لا يمكن صرفها على هذا الصعيد ما دامت قوى السلطة لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة والنفوذ، بل في تظهير ما الذي يمكن ان تفعله للبنانيين والتغيير الذي ستدخله على الواقع السياسي الممارس. فهذا هو التحدي الابرز لما بعد الانتخابات ونتائجها والتحول النوعي الذي برز لا سيما ان السلطة وحتى اشعار اخر في يد العهد وحلفائه الى ما بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية في حال سمحوا بحصول ذلك فيما الانهيار يتسارع بوتيرة كبيرة.

 

الخلاصة التي توج فيها السفير ديفيد هيل في تقويمه الانتخابي من ان لبنان انتهى قد تكون محبطة وقاسية ولكن الواقع ان من يشعر بذلك من اللبنانيين يحاولون انكاره متعلقين بقشة امل على رغم واقعية هذه الحقيقة الصادمة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل