.jpg)
لطالما كان الإعلامُ، في بلادِنا، يعيشُ عيشةً هَشَّةَ القوائم، في ما مضى من الحَقبات، ويعاني من رَشقِ الجاحدين إيّاه، حتى جاءَ مَنْ أغنى الكتابةَ الصّحفيةَ بتَلاقُحٍ شَيِّقٍ بين العقلِ، والإِفهام، أو بين الحقيقةِ والدَلِّ عليها، وبِرُقِيٍّ وصفاء، ما نقلَ العملَ الإعلاميَّ من الظّلمةِ الى النّور، أو من الخُمودِ الباهِتِ الى الوجود. إنّ تباشيرَ الصّباحِ في الكتابةِ الإعلاميّة، ظهرَت طلائعُها مع كِبارٍ، كانوا بَديعي أزمنتِهم، وتطوَّرَت سياقاتُها على أقلامِ مُبدِعينَ أحرار، في مقدِّمِهم راجح الخوري الحريصُ على استقامةِ الكتابةِ بأطايبِ الفكرِ، وطرائقِ التّعبير، وعِناقِ الوطنيّةِ التي لم تكنْ فصاحتُها، معه، صَمتاً.
راجح الخوري الذي كان كلامُهُ يرفلُ بثَوبٍ من محسِّناتِ الحريّة، هذه التي مجَّدَها كطابعٍ مقدَّس، أعلنَ أنّ الحريّةَ هي سُنَّةٌ مُتواصلةٌ في أسلوبِه، لا وتيرةَ مُخَفَّضّةَ لها، وقد احتفلَ بها بإتقانٍ وتجويد، وآلَفَها بعناية، فكانت الأَقربَ الى نفسِه، والأَعلَقَ بلسانِه، والأَصلَحَ لقلمِه. لم يُضَيِّقْ راجح الخوري بِساطَه عن الحريّة، فكانَت جَذوةً تُلهِبُ ما يَمسُّ من أوتارِ مشاعرِه، سلَّحَها بالصِّدق، لأنه رأى في المواربةِ مَظهراً ثابتاً من مظاهرِ الإخفاق، لا يأتيها إلّا الضّعيفُ الذي لا يوزَنُ له رأي.
آمنَ راجح الخوري بِما قيلَ عن رُسُلِ الإعلام، من أنّهم ألسنةُ مَعاظِمِ الشّؤون، وذَوو المعارفِ الكثيرة… فما وقفَت همّتُهُ عن الإفصاحِ، واستطابَ مقياسَ الجرأةِ فيه، فلا يمكنُ أن يُمَيَّزَ بينهما في القيمة، لأنّ إفصاحَهُ كان من الكَسوةِ الجريئةِ، بحيثُ لم يُبَعْ بالثَّمنِ البَخس. ولمّا كانتِ التّاثيراتُ النَّفعيةُ تُفسِدُ المعرفةَ، والقيمة، والمركز، لم يُكَرِّمْ راجح الخوري، كالكثيرين من المُستَعطين، وِفادتَها، حتى يتقاعسَ وَعيُهُ عن واجبِهِ في بناءِ حُكمٍ موثوق، فلم نَكُنْ، معه، مرّةً، أمامَ فُتورٍ في كميّةِ الحقيقة، وانكماشٍ في قيمةِ الأداء، بينما كان الصَّمتُ، مع غيرِه، هو الأجدى. فالرَّجُلُ لم يُرتَهَنْ، ولم يُمتَلَك، فلم يَعِشْ حلقةَ صراعٍ بين الكرامةِ والتبعيّة، كأولئكَ الذين كانوا مُطيعينَ، وغِبَّ الطَّلَبِ، وصدى صَوتِ سيّدِهِم، فبقيَت شهامةُ راجح راجحةً، وبعيدةً عن العيوب، وظلَّتِ الثّقةُ بهِ متينةَ الصَّفوة.
لمّا كان النّقدُ السياسيُّ الرّشيدُ فِكراً موضوعيّاً يُعقَدُ على تَلَمُّسِ طرائقِ التّحقيق، والإستقصاء، والتّحليل، ويَتبعُ وَصفاتٍ تِقنيّةً تكمنُ في الرّأسِ لا في الإنفعال، وُصولاً، بها، الى الرّأي السّديد، كان راجح الخوري، في سلوكِهِ النَّقديّ، برنامجاً نوعيّاً لا يفلتُ من نزعةِ الذّكاء، ويرمي الى مقاصدَ تُضيئُ مطارحَ الحقيقة، فيتقبّلُه الإصغاءُ على ارتياح، لأنّ ظِلَّ العقلِ الذي يزيّنُهُ، لم يكنْ، مرةً، زخرفةَ مساحيق. لذلك، كان راجح الخوري في مقارباتِهِ النّقدية، مُخلِصاً للحقّ، غيرَ متأثِّرٍ إلّا بهِ، مُتَكَتِّلَ الأواصرِ من حيثُ الموضوعيّةُ بلا تَسَرُّعٍ أو مزاجيّة، وحَسبُنا أن نقرأَه، أو نستمعَ إليه، لنعرفَ، تماماً، كيف كان ذكيّاً مُتَنَوِّراً، وحياديّاً دقيقاً إلّا للحقيقة، ومالِكاً لثقافةٍ عميقة، وواقِفاً على ضفّةِ النّضوج والجرأة.
لم يخزنْ راجح الخوري لسانَهُ عن النّطق، ولم يرسلْهُ في غيرِ حقِّه، ولم يهجمْ على الجوابِ إلّا بعِلم، وإذا تكلَّمَ، أو كتب، فسِوارُ الفائدةِ يُحيطُ بلسانِهِ والرّيشة، وهكذا ” النّهار “، دارُهُ المتألِّقةُ التي لم تَنقَدْ إلّا للحقّ، ولم تعتصمْ إلّا بالحكمة، مدفوعةً بمسحةِ المسؤوليّةِ والنّجاح. من هنا، كانت كتاباتُ راجح، وطلاّتُهُ، تَرفعُ رأسَها في غيرِ خوف، لأنها شاهدُ صدقٍ على اصطباغِها بالتَصَوّنِ الخُلُقيّ، وبالإحاطةِ الرّصينةِ بالمعلوماتِ بعيداً عن الحَشوِ والثرثرة، وبمنهاجٍ من النّباهةِ في توصيفِ الوقائعِ، ودقّةٍ لاذعةٍ في الإشارةِ الى الهزاهزِ التي حَشَت قلبَ الوطنِ كلَّ قبيح، وغَزَت قلوبَ النّاسِ، وهو منهم، بكلِّ قَلَق. وعندما يَحُزُّ في النّفسِ أَلَمٌ من ظلمٍ، أَلا يدفعُ ذلك الى تَمَرّدٍ أكثرَ لَذعاً ؟؟
راجح الخوري صاحبُ الحِبرِ الوثّاب، كان رائداً في الوطنيّة، كثيرَ الإرتياضِ فيها، لم يَلِنْ خَدُّهُ في بَيعتِها، ولم تَسكنْ ريشتُهُ في مقاربتِها، ولم يُقِمِ النَّدبةَ عليها، لذلك، كانت شخصيّتُهُ تمتازُ بإعزازِ الوطنِ والقلم. ولأنه لم يرضَ أن يكونَ الوطنُ للخُطوبِ داراً، ولِعُبّادِ مصالحِهم ملاذاً، آثَرَ المواجهةَ الثورية، وأخذَ بقُسطِ المشاركةِ فيها، بفَهمٍ، واندفاع، وبدونِ خَوف، فما كان الخوفُ، معه، سلطاناً يحكمُ الشّجعان. إنّ الوطنَ، في كتاباتِهِ ووجدانِه، ليس ” موضَةً ” تُلبَسُ وتُخلَع، إنّه الجبلُ المعتصِمُ بالإباء، الثّابتُ في السيادة، لا يلوي مهما قسَت عليه الدّنيا. من هنا، فريشةُ راجح الخوري ما حادَ نظرُها النِّضاليُّ عن لبنان، ولم يخمدْ نبضُها الثّوري، فالوطنُ هو مَؤونةُ عمرِهِ الباقيةُ على الأيام، لم يَطبْ نَفْساً إلّا فوقَ ترابِهِ الذي تحوَّلَ عِشقاً هو تُحفةُ عُلوقِهِ به.
راجح الخوري الذي يصحُّ فيه ما قيلَ عن أفضلِ الملوك، “بأنّه الذي إذا حاوَرتَهُ وَجَدتَهُ عليماً”، ينبغي أن يُضافَ اسمُهُ الى قائمةِ مُحتَرِفي الإعلامِ الثِّقات، بِما تَمتَّعَ من كفايةٍ، وتَجَرّدٍ، وبراعةٍ، وانتصارٍ لعامِلِ الكرامةِ الغَضبى، ومعرفةٍ رَزقَها بعرقِ جبينِه، وديمقراطيّةٍ منفتِحةِ الآفاق، ووطنيّةٍ كانت، معه، ضَرباً من العبادة.
راجح الخوري، إنّ حِبَرَكَ الباقي هو أَصدَقُ إِنباءً، وشهامةً، ومناقبيّةً، من باطِلِهم، ومن حُطامِ دُنياهم…
يا حَليفَ النُّهى، وصافيَ النَّظَر، كُنّا، إِنْ قُلْتَ، نُصَدِّقُ ما تقول.