تفضّلوا إلى “حوار/ املاءات نصرالله”

حجم الخط

 

لا يحتاج تحليل الوضع ال#لبناني الى عناء كبير لاستنتاج أنه يتطلّب حواراً بين الأطراف السياسية التي أوصلتها الانتخابات الى مجلس النواب. والهدف الأقصى اتفاقٌ على الشروع في معالجة الأمراض، وأيّ طموح أقلّ يعني مواصلة تسكين الأوجاع وترك البلد لمصير لم يعد مجهولاً: ارتطام بعد انهيار. قد يكون مؤتمر الطائف احتضن، قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، آخر حوار أمكن إطلاق صفة “وطني” عليه، أما ما تلاه فأصبح “سوابق” جرمية لأصحاب السلطة الذين اقتادوا لبنان الى الهاوية. الى جانب “وفاق الطائف” ووثيقته التي أصبحت دستوراً، أو بالأحرى في طيّاته، كان هناك توافقان تحوّلا الى سببين متلازمين لإدامة الأزمة ومعاودة تفجيرها: الأول، استمرار وصاية النظام السوري، التي لم تُقيَّد بجدول زمني لإنهائها. والآخر، الاعتراف بالمقاومة لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وهو كان مقبولاً بل مباركاً وطنياً الى أن أبانت “المقاومة” وجهها الآخر في 7 أيار 2008 وما سبقه من اغتيالات وما تلاه من انقلابات لمّا تنتهِ بعد.

 

شكّل هذان السببان، وينبغي تأكيد تلازمهما، بذرة الفساد الأعظم وأداةً لتدمير أي “وفاق وطني” ممكن في لبنان، كما أظهرت مفاعيلهما لاحقاً. فلحظة انكفاء الاحتلال الأسدي كانت لحظة ولادة الاحتلال الإيراني. وكما انكبّ “حزب إيران/ #حزب الله” على ابتلاع الدولة واستخدام “التيار العوني” لتغيير النظام في لبنان وصولاً أخيراً الى تغييب “عملاء الأسد” عن البرلمان الجديد، فإن إيران وميليشياتها ماضية في ابتلاع نظام دمشق وتوسيع وجودها العسكري وشبه المدني، وهي تستثمر حالياً في الانسحابات الروسية. وبناء على ذلك، فإن أي اقتراب من حل سياسي في سوريا، عبر “اللجنة الدستورية”، يبقى محاولة محكومة سلفاً بالفشل، لأن أي حل في إطار سوريا موحّدة لا يناسب إيران ولا نظام الأسد. ولا يختلف الأمر بالنسبة الى لبنان، حيث تلقّى “حزب إيران” صفعة انتخابية ردّت عليها أبواقه بالتهديد، ثم ظهر زعيمه حسن نصرالله بلباس “الحكيم” ليدعو الى “حوار” يريحه ويدعمه إذ يستعد لتأدية واجبه الإيراني “الجهادي” في مواجهة استحقاقات إقليمية خطيرة ووشيكة.

 

خلاصة منطق نصرالله أنه عندما تكون “إيرانـ”ـه مستهدفة، أو عندما يكون “حزبه” وسلاحه غير الشرعي مستهدفين، فإنه يتوقّع التفافاً “وطنياً” حوله، وفقاً للثلاثية الذهبية، “الجيش والشعب والمقاومة”. أما إذا كان لبنان الشعب والدولة والجيش في خطر، وإذا كان “حزبه” وسلاحه و”إيرانـ”ـه أسباباً مباشرةً في محنة البلد، فإن نصرالله معنيّ فقط بـ”المقاومة”، ولتذهب “الثلاثية” الى الجحيم. وعلى هذا الأساس يكون “حوار نصرالله” بين عُزّل يحتكمون للدولة والدستور والقوانين، وبين مسلّحين يسترهنون رأس الدولة فيسهُل عليهم قضمها ويهزأون بالدستور والقوانين بعدما ذهبوا بعيداً في نقضها. أكثر من مرّة جُرّب مثل هذا “الحوار” غير المتكافئ معهم وانتهى الى انتهاكهم كل اتفاق لا يتناسب ومشاريعهم. وكان نصرالله واضحاً في تحديد القاعدة الأولى لـ “حواره”: دعوا السلاح جانباً واهتمّوا بمعاناة الناس. أي أن الدولة باتت عنده مجرّد بلدية معنيّة بالخدمات. وبالتالي يبدأ “الحوار” بالإملاءات حتى قبل أن يبدأ. “الحزب” لا يعترف بالتغيير الذي طرأ على مجلس النواب، فهو يحكم بسلاحه ولا يهتم لمن تكون الغالبية.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل